أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / أبوة كاذبة أم ضعف ثقة بالنفس؟ – مذكرات ثائر سوري – ١١-

أبوة كاذبة أم ضعف ثقة بالنفس؟ – مذكرات ثائر سوري – ١١-

محمد حساني

ناشط ثوري
عرض مقالات الكاتب

بادئ ذي بدئ لابد لي أن أُنوه قبل الدخول بالموضوع أني لست بطائفي، وليس لي أي دخل بأديان الآخرين، إنما أوصف ما شاهدته على الأرض.

خرجنا في هذه الثورة لأننا كنا نراها نتيجة حتمية لممارسات النظام، وهي استحقاق شرعي وحقوقي ووطني، وكنا نظن ان الشعب كله سيفرح بهذه الثورة، وبأنها ملك لكل الشعب نعم كل الشعب.

أما الطائفة النصيرية كانت بالمجمل ضد الثورة، بل أداة قتل وجريمة للثوار ومارست أبشع الجرائم والحرق والتعفيش والاغتصاب، فقد كان شعارهم الأسد أو نحرق البلد.

أما باقي الطوائف فقد وضعت في البداية يد مع الرحمن وعشرين يد مع الشيطان، ويمكنني تفهُّم الحالة الفكرية التي كانوا يفكرون بها.

نعم الطوائف بالمجمل تكره النظام وتريد زواله، لكنها لا تريد البديل من الأكثرية لاعتبارات هي تراها، حيث رأت لنفسها الحق في قطف ثمار الثورة دون أن تقدم للثورة شيء، وأشغلت نفسها بأيديولوجيتها الضيقة، وبدل من أن تساند الثورة وتشترك بها، وهذا من حقها طبعاً، ومن حقها أن تقطف ثمار الثورة، جعلت من نفسها القاضي والحكم وراحت ترصد الهفوات على الثورة والثوار؛ لتبرر لنفسها ولمواطنيها أسباب تخليهم عن الثورة واختلاق الأعذار لذلك، بل كان البعض منهم بغالبيتهم ضمن صفوف النظام يقاتلون ويحملون السلاح.

لم تشكل كل الأقليات كتيبة واحدة لمقارعة النظام، إلا قليل جداً من الكرد والطائفة الإسماعيلية لفترة زمنية محدودة، بل شكلت مئات الكتائب لقتال الثوار.

وبالتأكيد لا أنكر وجود أسماء وشخصيات من الأقليات كانت مؤمنة بالثورة، ولكنها كانت بحكم النادر ولندرتها لا أعدَّها فالنادر لا يُعد.

أما السنة الذين يشكلون الأكثرية وبنسبة 84 بالمئة تقريباً، ففي غالبيتهم كانوا مع الثورة وقدموا لها كل شيء، ماعدا الحثالة وقاع المجتمع السوري والدون منه.

نعم نحن كسنة سوريا من قمنا بالثورة، ومن ضحينا بفلذات أكبادنا، ونحن من حُرقت بيوتنا وهدمت فوق رؤوس أبنائنا، ونحن من عُذِّبنا وهُجِّرنا خارج البلاد وداخلها.

لم تقصف قرية شيعية ولا نصيرية ولا مسيحية ولا غيرها من الطوائف بقذيفة واحدة، ونحن فقط من كنا نعتقل على الهوية والموقع الجغرافي والدين.

كانت هذه مقدمة توصيفية ولا دخل لها الآن في صلب الموضوع.

مما لاحظته وبشكل عام أن موقف السنة في سوريا كان كموقف الأب بالنسبة لأبنائه؛ لذلك تجد الكثيرين يناضلون ويتشدقون بالشعارات ويطالبون بحقوق الأقليات، والاقليات قد أكلته وهو مجرد مُهجَّر مُشرد، بيته مهدم ويصيح بأعلى صوته صارخاً بضمان حقوق الأقليات، وحقه هو ذاته مسلوب وغير قادر على أخذ حقه، فهل هذه الأبوة صادقة أم كاذبة؟ وما هو تفسير ذلك الشعور والأسباب التي دفعت السنة بأخذ هذه المواقف، رغم خطورة تلك المواقف وتجاهلها لحقوقها حتى تم تدمير البلد؟

هناك عدة أسباب لتلك العقلية الأبوية الغير مستندة إلى واقع حقيقي بل خيالي:

1- العقلية السنية ذاتها مبنية على استيعاب الجميع، وأن لكل إنسان حقه وخاصة الحقوق الخمسة التي نص عليها الشرع الحنيف، وهذه الحقوق يجب أن تكون مصانة وأيضاً العاطفة الإنسانية التي يحملها السني، وبعض الصفات الإنسانية التي ورثناها من تراثنا الديني كتحريم الظلم وحسن الجوار وغير ذلك الكثير.

2- انتشار الفكر القومي والوطني وحق المواطنة والهوية الوطنية مناط الحقوق والواجبات، رغم أن الفكر القومي والوطني في حقيقته أعطى “الفيتو” للأقليات ضد الأكثرية. ونفسهم أصحاب هذه الشعارات هم نفسهم كانوا مساهمين إلى حد ما بنشوء الدكتاتوريات وتغييب دور الأكثرية، فقد كانت أبخرة شعاراتهم تغطي على حقائق منطقية يجب الأخذ بها.

3-ضعف الثقة بأنفسنا كسنة؛ لكثرة الهزائم التي تعرضنا لها، والأهم من ذلك عدم وجود مرجعية لأهل السنة، وقد بدأ نشوء هذا الشعور منذ إسقاط الخلافة العثمانية.

4- حالة اليأس التي أصابت الكثيرين منا، فقد وجدوا أنفسهم وحيدين بلا ظهير والمجتمع الدولي بكامله وقف مع الأقليات، فلعله ينال حقه ضمن هذا النهج السياسي؛ لذلك راح ينافق للأقليات في كل المجالس.

5- انبهار البعض من أهل السنة بحضارة الغرب، مما اعمته عن رؤية الحقيقة ومنعته من أن يكون متوازناً في طرحه، فلا هو فهم حقيقة الغرب ولا هو فهم حقيقة الشرق، ولو فهم حقيقة الغرب لرأى أن الحكم في الغرب للأكثرية، وأبداً غير مسموح بأي شكل من الأشكال أن تصل الأقلية للحكم، وان اختلفت الوسائل والأسماء.

6- الشعور العميق عند السنة بحب الوطن، فهم الذين بنوه ودافعوا عنه ضِد أعدائه خلال التاريخ كله؛ لذلك تجد عندهم شيئاً لا بأس من السذاجة، فهم يصدقون كل مدعي بالوطنية، ولا أدلَّ على ذلك من تصديقهم للمقبور حافظ بأنه وطني، وأنه سيحرر فلسطين، والطامة الكبرى عندما صدقوا هذا الأهبل بشار بأنه مشروعه التطوير والتحديث فصدقوه وأحبوه، فأعاد بلدهم لما قبل العصر الحجري.

7- الجهل بالتاريخ الذي هو داء الأدواء، فلو كنا قد قرأنا التاريخ لما هدمت حجر في سوريا؛ لأننا وببساطة ما كنا لنسمح لحافظ الأسد أن يحكم سوريا، وبالتالي لن تهدم سوريا، فمن الطبيعي في أي بلد إن حكمتها أقلية أن تكون النتيجة دمار البلد. ومن هنا أنا أُحمِّل السنة جزء كبير من المسؤولية مما حصل.

أعتقد أن هذه الأسباب مجتمعة أو متفرقة أوصلت بلدنا إلى ما وصلت إليه والأخطاء التي وقعنا بها، فهل يا ترى كنا آباء حقيقيين، أم بالتبني، أم غير ذلك؟ وهل كان الأبناء أبناءً بررة، أم أبناء عاقين؟

وهل مجموع تلك الأسباب أو بعضها جعلتنا نعيش في كذبة الأبوية، وأوصلت البعض للنفاق والتزلُّف على حسابه وفقد الثقة بالنفس.

أم سنبقى نعيش حياة الجهل وعدم وضع الأمور في نصابها، والتمسك بالشعارات التي هي أوهن من خيط العنكبوت دون النظر إلى الواقع، ونحن نرى بأم أعيننا الاصطفافات الطائفية والتمترس لكل طائفة خلف هويتها الطائفية، ويدعوك للتخلي عن هويتك، فكيف تستقيم الأمور علماً أني ضد الطائفية بكل أشكالها وصورها، ولكن في مثل هذه الحالة وللقضاء على الطائفية المقيتة لابد أن تكون لك هوية طائفية.

بتوصيفي لا أُعمم فلا يأتيني أحد يصطاد، الغِ طائفيتك قبل أن تطلب مني وعلى العين والرأس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

فلسفة الإسلام في العلم والتعلم للارتقاء بحياتنا

د. جمال نصار أستاذ الفلسفة والأخلاق في جامعة اسطنبول صباح الدين زعيم كثيرة …