أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / العقول الخرندعية وفلسفة التفكير الخرندعية !

العقول الخرندعية وفلسفة التفكير الخرندعية !

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

غير خاف علىٰ الخبير أنَّ لفظ الخرندعي ليس من فصيح اللغة العربية، ولا أصل لها في الفصحى سوَىٰ أَنَّهَا فيما يبدو تركيبة أطلقت وسرت وانتشرت واشتهرت فصار معناها مفهوماً ،مع عدم وجودها في المعاجم العربية، وهي الشَّيء أو الأمر أو الشَّخص المتماسك غير المتماسك، الذي لا تعرف جده من هزله، ولا تعرف حقه من باطله، ولا تميز بَيْنَ وجهه وقفاه، ولا تستطيع أن تبني عليه لأي خطوة تالية.

وعلىٰ ذٰلك فإنَّ الشَّخص الخرندعي عقله هو الخرندعي، والسلوك الخرندعي ناتج بالضرورة عن عقل خرندعي. ويبدو من استخدامات الخرندي أَنَّهَا لا تطلق إلا علىٰ السلوك البشري أو علىٰ إنسان بعينه، ولا تطلق علىٰ علىٰ الحيوانات وسلوكاتها وأفعالها، ولا علىٰ الأشياء. وهٰذا ما يجعلنا نستنتج أنَّ الخرندعية مسألة موازية للفعل الأخلاقي الذي لا ينعت به إلا السلوك البشري، ولا يطلق علىٰ سلوكات الحيوانات وأفعالها ولا علىٰ الأشياء فإنَّهَا حياديَّة من الناحية الأخلاقية، أي لا يمكن وصفها سلوكاتها أو أفعالها بأنَّهَا أخلاقيَّة أو غير أخلاقيَّة. إلا أنَّ الخرندعية ليست قيمة أخلاقية وإنَّمَا هي نمط سلوكي أو تفكيريقد يصح أن يندرج تحت قيمة أخلاقية إذا كان فيه ما يوجب ذٰلك، وقد لا يجوز تقويمه أخلاقيًّا.

وقبل النظر في العقول أو العقل الخرندعي وخصائصه من الضرورة بمكان التمييز بَيْنَ القصدية الخرندعية التي يمارسها بعض لأغراض تهكمية أو إضحاكية لسببٍ أو لآخر، وبَيْنَ السلوك الخرندعي الجدي، الطبيعي، التلقائي… والذي مع الأسف لا يدرك أصحابه أن يمارسونه، ولا يعرفون أَنَّهُم يقومون بأفعال وسلوكات وأفكار خرندعية، وإنَّمَا يحسبون أَنَّهُم يحسنون صنعاً، وأَنَّهُم علىٰ جادة الصَّواب والحق.

لماذا لا يدركون ذٰلك؟

لأنَّ الخرندعية هٰذه في حقيقة الأمر ضرب من ضروب الغباء، ولا يمكن للغبي أن يرى غباءه، ولا أن يعترف به… إلا الاستثناء غير المحال فهو قائم في باب الاحتمال.

علىٰ هٰذا الأساس وبعد التحديدات السابقة بات من السهل التكهن بأنماط السلوكات والأفعال والأفكار التي يمكن أن تصدر عن العقول الخرندعية. ولٰكنَّ الذي أريد تبيانه هو آلية التفكير الخرندعي ومنطقيته أي منطقيته الخرندعية بطبيعة الحال.

أبرز ما تقوم عليه آلية التَّفكير الخرندعي هو التَّفكير الخطي أو ما سميته تفكير القرود وهٰذا ما أفضت فيه في كتابي «فلسفة أخلاق التَّخلف» الذي صدر قبل بضعة أعوام. ولٰكنَّ هٰذه الآلية ذات تجليات عدة وأنماط عدة منها ما يرتد إلىٰ البيئة والحاضنة الثقافية والظرفية وهٰذا ما كان موضوع كتابي فلسفة أخلاق التخلف، ومنها ما يعود إلىٰ غباء لا غبار عليه… أي الغباء الشخصي الذي تبرأ منه الظروف والمعطيات الاجتماعية والبيئية المحيطة. إِنَّهُ الغباء الذي يعشقه صاحبه ويتغنى به ولا يريد الفكاك منه ولا الانعتاق منه ولا الابتعاد عنه.

من أبرز تجليات هٰذه الآلية الخرندعية في التفكير وحَتَّىٰ السلوك والأفعال الحكم علىٰ الفكرة من خلال الشَّخص. الفكرة ذاتها بالجملة ذاتها إذا سمعها الخرندعي من شخص يحبه أو يعرفه أشاد بها ومجَّدها، وإذا سمعها أو قرأها من شخص لا يعرفه ثلَّبها وطعن فيها وجرَّحها وجرَّح صاحبها علىٰ الرَّغمِ من أنَّه قد يكون أهم بمليون مرة من ذاك الذي مدحها عنده… وفي هٰذا الشأن بحر من الكلام والقصص والحوادث لا شاطئ له.

وفي الوقت ذاته تجد  الشخص يشيد بفكرة ما عند شخص ما ويطعن بالفكرة ذاتها عند شخص آخر، وهنا لا علاقة ربَّمَا للمعرفة بالقائل في الحكم، وإنَّمَا المشكلة في العقل الخرندعي للشاخص الذي يحكم ويناقش… إِنَّهُ لا يميز ولا يدرك أَنَّهُ يتناقض مع نفسه، لا يميز وى يدرك أَنَّهُ كان قد أشاد بالفكر ذاتها من قبل ليعود ويطعن فيها، أو كان قد طعن فيها من قبل ويشيد بها الآن إشادة كبيرة أو صغيرة… حَتَّىٰ في الظرف والحال والمعطيات ذاتها، مع عدم وجود ما يدعو إلىٰ تغيير القناعات الشَّخصية بهٰذه الفكرة أو المسألة.

وللطرافة والتاريخ أذكر هنا حادثة وقعت قبل نحو من ثلاثين سنة، لا أذكر الأسماء سوَىٰ أن الكبيرين ماتا. شكا لي رئيس قسم في كليَّةٍ ما من محاربة زملائه له، وأَنَّهُ يريد أن يقيم مؤتمراً والكل يساهم في إفشاله. فقلت له:

ـ اجعل كبيرهم يشاركك في العمل والتخطيط بأي طريقة… اجعله هو يقترح ويضع الأساسات…

ففعل ووضعا مخطَّط العمل والبرنامج وهلم جرًّا. فسألني وماذا بعد ذٰلك: قلت له:

ـ ما زال كبيرهم الأخطر صاحب القرار، اذهب إليه بهذا المشروع واجعله شريكا في صنعه.

وشرحت له بعض المقترحات كما فعلت مع كبيرهم السابق. فذهب إلي وعندما التقينا في اليوم التالي قال:

ـ دخلت إليه وسلمت عليه، ومدحته، وقلت هٰذا مشروع المؤتمر أتمنى أن تعطينا نصائحك وتوجيهاتك… فنظر نظرة عابرة في المشروع وقال لي بالحرف الواحد: «من الحمار الذي وضع هٰذا المشروع». فقلت له علىٰ الفور من دون تردد: «صديقك الدكتور فلان»… فأسقط في يده، وأخرج غليونه وأشعله وقال: «مهما يكن… هٰذا ليس مقبولاً».

قصص من هٰذا القبيل كثيرة جداً، ولٰكنَّ في هٰذه القصة الأخيرة تبرز أن الحقد والكراهية العمياء تولد تفكيراً خرندعيًّا لا يدرك صاحبه أحياناً أن يفكر تفكيراً خرندعيًّا. أما إذا أدرك أن يفكر ويمارس سلوكاً خرندعيًّا فإِنَّهُ والشيطان سواء.

قالت العرب قديماً: «يُعْرَفُ الرِّجَالُ بالحَقِّ ولا يُعْرَفُ الحقُّ بالرِّجَال». الذي يقول الحق ويفعل الحق ويعرف الحق هو الرجل، وليس الحق هو ما يفعله هٰذا الرجل أو ذاك… بل إن في العبارة دلالة خطيرة تذهب إلىٰ تأكيد نظريتي عندما سميت هٰذا التفكير بالخرندعي، فهٰذه العبارة تقول: من لا يقول الحق، من لا يعترف بالحق ليس رجلاً.

ومن الواجب الإشارة إليه هنا هو أنَّ الفيس بوك وأضرابه التي فتحت الأبواب علىٰ مصراعيها لمن هب ودب أن يحسب نفسه فيلسوفاً وشاعراً وأديباً وهو لا يفقه من اللغة شيئاً حَتَّىٰ بالكاد يكتب جملة من أربع كلمات ليس فيها ستة أخطاء، فصارت النَّاس أكثرها وليس أقلها عندما يفتح أحدها حساباً في الفيس بوك يحسب وربَّمَا يعتقد أَنَّهُ فتح الأندلس من جديد وأَنَّهُ الفهمان الوحيد، ويضع رأسه برؤوس الفلاسفة وكبار العلماء، يريد معاملتهم بالمثل: إذا لم يعجبوا بمنشوراته لا يعجب بمنشوراتهم… وإذا لم يعلقوا علىٰ منشوراته لا يعلق هو علىٰ منشوراتهم…

هٰذا إذا كان يعرف أَنَّهُم علماء وفلاسفة، لأنَّ المصيبة الأعظم من ذٰلك أَنَّهُم يرسلون طلبات الصداقة بناء علىٰ خوارزميات الفيس بوك التي تظهر أمامهم الأشخاص، فيرسلون طلبات الصداقة ولا يعرفون من الأشخاص الذي صاروا أصدقاءهم علىٰ الفيس بوك الذي قد يكون منهم أساتذة جامعات أو إعلاميين أو علماء أو باحثين وغير ذٰلك… وتجد أحدهم، وهم الأكثرية، يريد أن يعلم العالم كيف يكتب وكيف يناقش وكيف يتأدب وكيف يوثق كلامها… ويجادله في صحة كلامه… ويأتون إلىٰ الصادق يريدون منه توثيق كلامه، والمصر الذي نقل عنه… بَيْنَما هم أنفسهم تقريباً يكيلون المديح للمفتري الكاذب في الخبر…

وتكتشف ولا يحتاج ذٰلك إلىٰ جهد يذكر أَنَّهُ بغض النظر ‘ما إذا كان أتم الدراسة الإعدادية أو الثانوية أم لا، تكتشف أَنَّهُ لا يفقه شيئاً، ولا ثقافة عنده، ولا معرفة، ولا لغة سليمة… وعندما (ينكزه) أحدهم ليتأدب مع العلم الذي يقلل الأدب معه في النقاش، علىٰ الأقل من ناحية جهله المخجل الذي يريد به أن يصحح للعالم والباحث، يقول ببراءة خرندعية: «والله ما أعرفه، هو صديق عندي في الفيس بوك…».

ومن التَّجليَّات اللطيفة المؤلمة عن هٰذا التفكير الخرندعي، الحكم علىٰ الفكرة من خلال الشَّخص، القصَّة التَّاريخيَّة التي ربَّمَا يعرفها الكثيرون، وتستحق الذكر وإن أنا ذاتي كررت نشرها مرات منذ نحو عشر سنوات.

تروي الحكاية أنَّ شخصاً مسافراً التقى في الطريق بشخص يسير وراء حماره أو يركبه سيان لا فرق ولا مشكلة. وبعد السَّلام ودوران حديث المسافرين لاحظ المسافر الجديد أنَّ صاحب الحمار يضع في الخرج حجارة فاستغرب وظنه ينقل حجارة مع صعوبة تقبل ذٰلك منطقيًّا في مثل هٰذا الطَّريق والحال. فسأله:

ـ أتنقل حجارة علىٰ الحمار؟

فقال: لا، ولكني أضع في الطرف الآخر الطعام والمؤنة وبعض الأغراض، فوضعت الحجارة في الطرف المقابل حَتَّىٰ يتوازن الخُرج.

فقال له: ولماذا هٰذا العناء؟ اترك الحجارة ووزع مؤونتك علىٰ طرفي الخرج يتوازن الخرج.

سُرَّ الرَّجلُ بذٰلك وتبسَّمَ وفرح وفعل ما اقترحه عليه الشَّاب. وبعد أن أنهىٰ توزيع الأغراض قال له:

ـ شكراً لك أيها العالم الجليل.

فقال الشاب: أنا لست عالماً.

فقال الرجل: إذن أنت إمام.

فقا الشاب: ولست إماماً… أنا إنسان مثل كل الناس.

فانفعل الرحل وقال له: 

ـ قبحك الله، إذا لم تكن عالماً ولا فقيهاً ولا إماماً فكيف تنصحني؟!

ثُمَّ أعاد الرجل الأغراض كلها إلىٰ طرف واحد من الخرج وأعاد الحجارة إلىٰ طرف الخرج الثاني لتحقيق التوازن، وتابع سيره.

من الطبيعي أن أي قارئ لهٰذا المقال عند هٰذه الفقرة سيجد الكثير من الإسقاطات الواقعية التي مر بها في حياته، إلا أنَّ أكثرها إيلاماً ما مرَّ معنا في ثورتنا السورية وثوراتنا العربية التي بسبب كثرة مثل هٰذا التفكير قادها ذوي التفكير الخرندي والعقول الخرندعية. وبطبيعة الحال مع ربط هٰذا الرجل بما سبق من تحليل للعقلية الخرندعية وتجلياتها.

ومن تجليات الفهم والتفكير الخرندعي، أي العقول الخرندعية بالمجل عندم التمييز بَيْنَ الفهم والقبول. وما نتج عن ذٰلك من مآس وآلام في ربيعنا العربي… وهو سلوك موجود ولا علاقة للربيع العربية بوجوده، سوَىٰ أن انكسار قوة السلطة وسيادتها بسبب الثورات فجر الطاقات الخرندعية وأخرجها من قماقمها… وصار كل واحد دولة؛ يقبل ويرفض ولا يميز بَيْنَ الفهم والقبول فيما يقال وفيما هو ذاته يقول.

علىٰ أيِّ حال، هناك أناس وفرق لا تريد أن تفهم الآخر. تريد أن يظلَّ كما تتصوره في وهمها مهما كان هٰذا الوهم، وتحاربه علىٰ هٰذا الأساس. بل تريد أن تفرض وهمها علىٰ الآخرين.

هٰذا أكثر من جنون.

أمثال هٰؤلاء هم الذين يخلطون بَيْنَ الفهم والقبول يظنون أنَّ الفهم هو القبول ولذٰلك لا يجوز أن يفهموا، وربَّمَا يعتبرون الفهم حراماً… هكذا هم في بنيتهم العقلية والتفكيرية وليس الإدراكية… هم غالباً لا يدركون ذٰلك.

ولذلك تجد كثيراً من الناس وفرقاً بقضها وقضيضها ترفض التَّواصل مع الآخر خوفاً من فهمه. لا يسمحون لأبنائهم وأفراد فرقهم بالتواصل أو الانخراط بالجماعات الأُخْرَىٰ تحت ذرائع مختلفة، ولكن غايتهم من ذٰلك عدم فهم الآخر علىٰ حقيقته. هٰذا ينطوي ضمناً، فيما يبدو أو يظن الكثيرون، علىٰ الاعتراف بضعف الذَّات وقوَّة الآخر في قيمته وعقيدته، ويدركون أنَّ فهم الآخر هو تحطيم لهويتهم الواهنة، الهشَّة… نظن أَنَّهُم يدركون ذٰلك وهٰذا ليس يقينا، ثَمَّةَ أسرار وألغاز في العقول الخرندعيَّة هٰذه.

إِنَّهُم هم أنفسهم تقريباً الذين يختبؤون وراء أصابعهم. ولو أدرك الذين يختبؤون وراء أصابعهم أنَّ النَّعامة أذكى منهم لدفنوا رؤوسهم في الرَّمل فذلك أكثر حماية لهم من الاختباء وراء أصابعهم، دفن أنفسهم في الرمل أو الزبالة أكثر ستراً لعوراتهم من الاختباء وراء أصابعهم.

إنَّ الذين يخلطون بَيْنَ الفهم والقبول أقل من أن يُستمع إليهم. بل إنَّ الرَّدَّ عليهم مضيعة للوقت.

وطالما أنَّ أمثالهم يتكلَّمون وهم كثيرون فلا أمل في الوصول إلىٰ الحقِّ ولا الحقيقة.

وفي هٰذا السِّياق، إلىٰ حدٍّ ما، أقول: 

«الأقنعَةُ سَاقِطةٌ منذُ زَمَنٍ بَعيدٍ، ولٰكن السَّاقِطون لا يرون سقوطها، لأَنَّهُم تحت تحت وهي فوق فوق».

«لا يرى سقوط الأقنعة إلا من هم فوق الأقنعة».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الخطب العنترية “موقف وطني أم احتواء للشارع؟!

د. علاء خير الله – كاتب مصري المتابع للشأن المصري يلاحظ تغير الموقف المصري فجأة …