أخبار عاجلة

الإجازات العلمية بين تهاون العلماء، واستهانة الطلبة، واستغفال العامة!

مصعب الأحمد

كاتب وباحث وشاعر سوري
عرض مقالات الكاتب

“الإجازة” مصطلح أطلقه علماء الإسلام على نوع من الإذن والسماح للطالب بالرواية والمشاركة في الأوساط العلمية، وكشهادة له بأنه مؤهَّل وحقيق بحمل العلم، مأذون بنشره، ورأوا فيها الخير والمصلحة التي تضبط علوم الدين وأساليب النقل، وطرق التحري؛ ليقطعوا الطريق على الأدعياء والدخلاء وأشباه طلاب العلم. ويحفظوا الكتاب والسنة بأشد ضوابط النقل والتلقي، وقد كان ذلك.
وكانت الإجازات إذ ذاك لا تُعطى إلا لمن هو حقيق بها وأهل لها، ممن توثقوا من علمه وحفظه، وأهليته المعتبرة.
ثم توسع الناس بها فصارت تُعطى في عدد من الفنون والعلوم، وصارت لها مسميات عدة.
لكنها حافظت في الصدر الأول على معناها السامي ومقصدها النبيل، وأهلية المجاز والمجيز.
ثم جاء من بعدهم فتهاونوا بها وصاروا يعطونها لمن يشمّون منه رائحة العلم، أو سلك طريقه؛ تحفيزاً له على الطلب.
ثم جاء من بعدهم ففرطوا فيها أيَّما تفريط، وصاروا يعطونها كنوع من البركة والتشريف والتحبب، دون أن يكون لدى المُستجيز أهلية معتبرة.
بل زاد الأمر حتى صارت تُعطى عامة وتُعطى للأطفال تيمناً، وللحمل ببطن أمه تنذراً، ولذريته أملاً ورغبةً، إلى آخر تلك الطرق.
والداهية أن استعملها هؤلاء بطريقة استغلالية، لا تمت إلى الأمانة العلمية بصلة، وبالغوا في امتهانها، من (طلبة علم) لا لهم بالعير ولا بالنفير.
وصار جمع الإجازات نوعاً من الهواية لدى الكثيرين (كهواية جمع الطوابع والعملات النقدية والآثار الفنية).
وغرروا بطلاب العلم ممن ليس لديه الأهلية على التفريق بين العالم والمتعالم، بين الفقيه والدَّعي، بين الصادق والكاذب.
واتفق أن وقع في يدي ترجمة لأحد هؤلاء وقد كتبها عن (نفسه) وذكر فيها شيوخه في الإجازة. وسطور الترجمة، وهي تطفح بنوع من التيه والعجب والكذب والتدليس، وكل من يعرفه يعرف أنه دعيٌّ أفّاق، إذا التقى بشيخ في السوق يستجيزه، وإذا صادف عالماً لا يحترم علمه دلَّس عليه وتعالم، واستجازه دون أن يقرأ عليه كتاباً أو بحثاً أو حتى مسألة، ولا يراه بعد ذلك أبداً، وكان يطوف البلاد ويزور العلماء لهذه الغاية فقط.
وكل ما في الأمر أنه هاوٍ لجمع الإجازات، والألقاب، وليس عجيباً فقد يكون مثل هذا في كل زمان ومكان (وجود الأدعياء).
لكن الداهية الدهياء أن يستيقظ ذات صباح، فينتفش انتفاشة الديك، ويطلق على نفسه -أو يشير إلى طلابه أن يفعلوا- ألفاظ المحدث! والمسند! والمجيز! وربما الإمام، والعالم…
وكأن هذه الألقاب نوع من الزينة أو العطور يتزين بها، وهو لا يحسن قراءة الفاتحة ولا يتقن أبسط أبجديات العلم، ما يثير العجب والقرف والغثاء.
واتفق أني جلست إلى بعض الشباب الهاوي لجمع الإجازات، وإحراز الألقاب، والسعي وراء العلامات التجارية الرائجة!
لا عجب أن نسميها (علامات تجارية).
فسوق الحديث واللغة يروج بين الأعاجم، والفقه يروج في بلاد أكثر من أخرى، وبضاعة العقائد تروج في أوساط دونها فيما سواها، وتناولنا هذه الطامة التي تحيق بالأمة وتزري بها. وقد كان أن ذهب أحدهم إلى بلد عربي فرأى أن السوق الرائج هناك الفقه فاشتغل به، وهو ليس من أهله. وهكذا يفعل كثير من مؤلفي الكتب البياعة (أي التي يطلبها السوق).
أهكذا صارت العلوم تتناول؟ والمعارف تؤخذ؟
نعم (الإسناد من الدين)، ولكن أي إسناد أراده الأكابر؟ وأي إسناد أراده هؤلاء؟
الإسناد الذي أراده السلف هو إسناد اليقين، والعلم، والتحري والتثبت، المبني على النقل الصحيح والفهم
السليم، بعد أن يمتلك الطالب الأدوات اللازمة التي تمكنه من سبر أغوار العلم ومجالسة العلماء.
ولو علم (علماء السلف) ما سيصير إليه شأن طالب الإجازات الحديثة لأفتوا بحرمتها، ولقطعوا كل لسان ينطق بإجازة أو يعطيها قبل أن يتوثقوا من ورعه وتقواه وعلمه، ولأمروا بجلد المُجيز قبل المُستجيز تعزيراً له.
أي علماءنا:
(أنزلوا الناس منازلهم) عدل وحكمة وإنصاف.
لا خلاف في قيمة الإجازات العلمية وضرورتها، وضرورة ضبطها بصورة تمنع العبث، وتشذب الكيان العلمي؛ لتخرج منه ما ليس منه.
نفهم قلة السالكين، نفهم انصراف الطلبة، نفهم الغاية من الإجازة وترغيب الطلاب، نفهم حرصكم على إحياء السنن، وترغيب الناس، نفهم أن الإجازات صارت لغة تخاطب وأسلوب ترويج، وضرورات ملحة، ومصدر رزق، لكن ما لا نفهمه هل يكون كل ذلك بلا ضوابط ولا نظر في المآلات؟!
نرجوكم رجاء المستغيث: لا تعطوا إجازة لمن ليس حقيقاً بها، ولا الثناء لمن ليس أهلاً له.
لا مجال هنا للاستحياء، والملاطفة، والمؤانسة، والتشجيع؛ لأن الكثير جداً من الطلبة يبني صرحاً من الهبل والتدليس على الأمة وخداع الناس، ويقدم نفسه وهو أجهل من صنم، على أنه مجاز مأذون منكم، ولو سئلتم لأجبتم بنعم أجزناه، ولا يشرح للناس ظروف وملابسات الإجازة، وأنها إجازة تبرُّك، لا ترفع جهلاً، ولا تفيد علماً، ولا تسد ثلمة.
وإن لم يكن بد منها فأعطوها لمن يستحقها إن كانت للتبرُّك فبينوا فيها أنها كذلك، وأنكم لا تعلمون عن هذا الطالب شيء، أو امتحنوه فإن كان أهلاً فأهلا.
لا يقبل عاقل في الأرض أن يعطى إنسان إجازة في الطب والهندسة والاقتصاد دون أن يكون مؤهَّلاً جديراً بها، لما في ذلك من إتلاف الجسم، والبناء، والصناعة، والمال.
فإن لم نقبله في أمور الدنيا فكيف نقبله في أمور الدين؟
كيف ((يتخذ الناس رؤوساً جهالاً)) إلا هكذا؟
وقد اتفق أني حضرت مجلس قراءة صحيح البخاري، وفيه الآلاف من الطلاب يسجلون أسماءهم عند الدخول ويخرجون بعد دقائق، ونظرت في الجمهور منهم؛ هذا النائم وذاك المتشاغل وآخر يعبث بالمحمول، وغيره يثبّت حضوراً ويذهب.
يا لله!!
لا نتكلم عن حفظ وشرح ودراية واتقان، بل عن (قراءة) فقط، حتى القراءة لا يصبرون عليها ولا يتأدبون لها، فهل هؤلاء أهل لنعطيهم إجازة رواية أم إجازة منع وحجب عن الناس؟
جدير بكم أن تأمروهم بتعلم اللغة حتى يتقنوا القراءة والإملاء أولاً، ثم يُقبل على القراءة إن لم يُقبل على العلم.

أيها الطلبة:
طريق العلم طويل وشاق ويحتاج لصبر واجتهاد، فإن حزتم العلم كان أعظم إجازة تنالوها وإن لم يجزكم أحد، ولن يخفى على العلماء مكانكم ومكانتكم وأهليتكم عندما تتكلمون أو تكتبون أو تفعلون، ولا تبحثوا عن هذه الألقاب تحت تلبيس إبليس عليكم، لتتحول من جواز سفر ووسيلة تنقل وأسلوب تحفيز لغاية بحد ذاتها، وتحولكم في نظركم إلى زبيب ولم تكونوا حصرماً في حياتكم.
(الإسناد من الدين) نعم، كلمة حق استعملها المستهبلون بالباطل.
صحيح البخاري لن يضيف إليكم شيئاً، أو تضيفوا إليه إن قرأتموه على صاحب أعلى إسناد في العالم أو أدناه، على صادق أو كاذب؛ لأنه صحيح البخاري، صحيح لا يحتاج إلى تصحيح، وكذا كتب الصحاح وغيرها، فالوقت الذي تقضونه بالقراءة وجمع الإجازات الصورية، اصرفوه في إتقان القرآن الكريم وفهمه وفهم مقاصد الدين وخدمة الإسلام وسبر العلوم، والتعمق في الكتب، والتخصص المحمود الذي يجعلكم علماء تُحمدون عند الله والناس.
أليس استهبالاً أن يقضي طالب السنوات في قراءة صحيح البخاري قراءة مجردة على عشرات الشيوخ؛ ليجمع الإجازات من كافة أطرافها وطرقها، وهو لا يحسن الصلاة، ولا يعرف بسيط المسائل في الفقه والعقيدة واللغة، ولا يفرِّق بين حديث ضعيف أو صحيح، حسن لذاته أو لغيره؟
تراه يروي حديثاً موضوعاً، ثم يريد أن يوثقه فيقول: رواه ابن الجوزي في الموضوعات!
أليس حمقاً أن يسأل أحدهم عن إخوة يوسف، فيقول ذكر القرآن الكريم (نكتل)! ولم يذكر الآخرين، إشارة منه لقوله تعالى: {فأرسل معنا أخانا نكتل}!!
أليس من (علامات الساعات العلمية) أن يشرح أحدهم حديث ((الإيمان بضع وسبعون شعبة))، فيقول: (شعبة) هو شعبة بن الحجاج بن الورد الواصلي التابعي!!
وليست هذه أخطاء من قبيل ما يقع للمحدثين من الوهم والتصحيف وغيره، بل من قبيل الجهل المُركب والحمق المنظم الذي صادف عقلاً خاوياً فتمكن.
ولا يغرنكم بحث كثير من المسلمين عن حملة الإجازات واختصاصهم بالمكانة والوظيفة والتقدير دونكم، فهذا تقدير من (لا قيمة لمن لا قيمة له).
ورزقكم مقسوم، فلا تأكلوا بدينكم فهو أقذر طرق الأكل، وأقذر منه من يأكل بدعوى الدين والعلم سحتاً حراماً، ولا هو من هذا ولا من ذاك.

أيها الأدعياء..
ليس أحمق ممن يقول: أنبأنا ونبّأنا، وعن فلان وروى فلان، وهو لا يفهم الفرق بينها، إلا من يقول حدثنا وأخبرنا وهو (لم يحدثه ولم يخبره).
يمكن لسوقكم أن يروج حيناً من الزمن وبعض الوقت على كل الناس، لكنكم لن يمكنكم أن تخدعوا كل الناس لكل الوقت، العلماء يعرفون الفرق بين العالم والمتعالم، وطلاب العلم الفطناء أذكى من أن يغيب عليهم جهلكم، ولن يبقى حولكم إلا حفنة من أمثالكم طلاب الإجازات واللاهثين وراء الألقاب المتهافتون تهافت الذباب على الشراب.
وإن أبيتم إلا ما أنتم عليه، فاهتموا للعلم، وأتقنوا بعضه، وإن عجزتم فاختصوا بفن منه، وإن عجزتم فلا تكذبوا على الناس، ولا تمارسوا التقية، فتَضِلوا وتُضِلوا، وهناك ألف باب لخدمة الإسلام -لو أردتم- فاسلكوه، وألف طريق لجلب الرزق فاطرقوه، ولا تغرنكم الحياة الدنيا.

2 تعليقان

  1. لا يدرك الكثيرون في أمتنا وجود حرب شرسة على التعليم الجامعي من طرف أعداء هذه الأمة بهدف نزع الجودة منه . تسير الحرب بحسب المثل الشعبي “البيت بسكانه مو بحيطانه” ، و بما أن محور العملية التعليمية الجامعية هو القطاع الأكاديمي لذلك تتركز الجهود على ضربه و لا مبالغة في تسميتها “حرب الأعداء على العلماء”. المستهدف بالهجمة هم العلماء الحقيقيين الذين لديهم معرفة متعمقة و إطلاع واسع و إبداع و تفكيرهم “من خارج الصندوق أو القالب”. هؤلاء يتلقون الضربات “المفتعلة” تلو الضربات من دون كلل أو ملل من جهات نافذة لشلَ قدرتهم على الإنتاج سواء في التدريس أو الأبحاث التي يمكن أن تستفيد منها أمتنا. قلة العلماء المقهورة هي محلَ إقصاء و تهميش و قمع و ليس مسموحاً لهم برأي مختلف و لا موافقة على مقترحاتهم لرفع كفاءة التعليم . لضمان ذلك ، تقوم الجهات المستبدة –بتنسيق مع مخابرات – بتعيين تافه مثلها على رأس الهرم.وحين يكون الرأس فاسداً ف (قد ضل من كانت العميان تهديه) لذلك الأصل أن لا نغتر بخدعة “جامعات” …جامعات من حيث المظهر و المباني و رياض أطفال من حيث المضمون و هي في الحقيقة المؤلمة “كل شيء إلا جامعات” . فيها ألقاب رنانة ما هي إلا “ألقاب مملكة في غير موضعها” فالترقيات والمكافآت والمنح و إجازات التفرغ تعطى فقط للموالين المتعالمين و من ارتضوا أن يكونوا عبيداً جواسيس على زملائهم .
    البحث في جامعاتنا علمي ظاهرياً ولكنه هزيل و هراء في الواقع و كثير من الأبحاث المنشورة للمتعالمين إما اشتروها من “عصابات أكاديمية” في بلاد كالهند مثلاً أو قاموا بتزويرها عن طريق الكلمات المترادفة و باستعمال ترجمة “غوغل”.. مثل هذه الأبحاث فيها خيانة و لا تستفيد الأمة منها شيئاً ، و المستفيد منها هو من يترقى بالدرجة العلمية بناءً عليها ليحصل على راتب أكبر بالحرام يأكل منه السحت هو و عياله .
    أمام واقع حالي َمزري من إدارات صبيانية و “أساتذة” جامعة أكثرهم تعيَن بالواسطة و تدريس منخفض المستوى و بحوث هابطة و حرب على العلماء الحقيقيين ، صارت الجامعات تقوم بتخريج عاهات فارغة مستهترة أوهمها الانترنت أنها تعلم و هي لا تعلم .
    هذا الواقع البائس لا يدعو للإحباط لأن هذا هو المتوقع في عالمنا العربي الفاسد الإطار الذي يعيش في ظل سيطرة الباطل الحالية المؤقتة “بعون الله”. الأمل بالله أن تعود أمتنا مرة أخرى لتقوم بتعليم العالم .

  2. الكلام من أصله فيه عدم التفريق بين الإجازة الحديثية (التي هي مجرد إذن وإباحة للرواية، ولا يفيد علما ألبتة، ويمكل أن يحصل عليها الكبير والصغير والعالم والعامي) وبين الإجازة العلمية أو إجازة التدريس، وهي التي تحتاج لأهلية. فكل ما بعد ذلك هو خلط بين أمرين، مع عبارات فيها استفزاز وتعالي على علماء الشأن، وطلبة العلم، حتى على العوام ممن يينبغي عدم نزع الرفق في نصحهم، بعبارات استخفاف واستهزاء، ليست من لغة أهل العلم في شيء، مثل: الأدعياء، الاستهبال، الخ.
    فهل يحب الكاتب الكريم وهو لم يفرق بين إجازة لرواية وإجازة الدراية أن يُطبَّق على نفسه قبل غيره عبارته:

    “أيها الأدعياء..
    ليس أحمق ممن يقول: أنبأنا ونبّأنا، وعن فلان وروى فلان، وهو لا يفهم الفرق بينها، إلا من يقول حدثنا وأخبرنا وهو (لم يحدثه ولم يخبره).”

    الذب عن العلم لا يكون إلا بعلم، والغيرة المحمودة تكون وفق الضوابط الشرعية، وأما غمط الناس، والاستطالة على أهل العلم بضده، والتعالم بذكر أمثلة هو يعلم عدم انطباقها على من ينعى عليهم -رغم التخليط- وتحميل الزاورة وزر أخرى: فهذا لا يعالج داء، بل يفتح أبواب شقاق وجدل، والنصح الصحيح يكون بعلم وحلم. فإن فُقد أحدهما أو كلامها كان أفسد أكثر مما يصلح.
    والله يسدد الجميع ويصلح الأحوال، ويلهمنا الصواب في الأقوال والأعمال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

تحول التجارب الاجتماعية إلى ظواهر ثقافية

إبراهيم أبو عواد كاتب من الأردن 1      عمليةُ تَحَوُّلِ التجارب الاجتماعية إلى …