أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / معركة كسر الظهر، مذكرات ثائر سوري – ٩-

معركة كسر الظهر، مذكرات ثائر سوري – ٩-

محمد حساني

ناشط ثوري
عرض مقالات الكاتب

تكلمت في المقال السابق عن حافظ الأسد ومشروعه المُكلَّف به من قبل مشغليه، خاصة بعد أن استولى على السلطة بانقلابه العسكري مستعيناً بطائفته وحثالة الطوائف الأخرى.

كانت معركته المفتعلة مع الأخوان المسلمين، والتي قضى من خلالها على كل مثقف أو مفكر حر، فامتلات السجون منهم، وكان الهدف من هذه المعركة القضاء على أي منافس محتمل للوصول إلى معركة كسر الظهر والتي هي هدفه النهائي.

ولتحقيق هذا الهدف كان لابد من القيام بالمعركة، فكانت مدينة حلب أو مدينة حماة، وبعد دراسات واستشارات اختار مدينة حماة؛ لاعتبارات وأسباب خاصة بنجاح عمليته، فما الذي جرى يا ترى؟

بتاريخ 2- 1- 1982 استفاق أهل مدينة حماة، وإذا بشوارع المدينة قد تم احتلالها من ميلشيا “سرايا الدفاع” التي أذاقت الناس الويلات، وانتشروا في الشوارع والدوائر الحكومية وكأنهم وحوش ضارية، وعاملوا الناس كأنهم مجرمون؛ فقد أهانوا الكبار والصغار، وكان من الواضح عليهم الخوف والإجرام، مما يدل دلالة واضحة على التحريض وغسل الدماغ لتهيئتهم لما هو قادم ومُعد.

ليس المجال مهيأ لشرح تفاصيل الإذلال والقهر الذي مارسته تلك القطعان على الناس؛ لدفعهم لما هو مخطط مسبقاً.

بعد شهر وفي تاريخ 1- 2- 1982 استفاق أهل مدينة حماة، وإذا بالشوارع قد فُرِّغت من “سرايا الدفاع”، وانسحبت خارج المدينة. وعند منتصف الليل تقريباً دخلت عدة شاحنات، كل شاحنة توقفت بجوار مسجد وهي مليئة بالسلاح؛ ليتم توزيعه على أهل المدينة.

ثم نودي على مكبرات الصوت من المساجد (حيَّ على الجهاد)، هنا انطلت اللعبة على البعض فذهبوا للمساجد وأخذوا السلاح، فقد أوصلتهم “سرايا الدفاع” لحالة استوى الموت مع الحياة من شدة الإهانة التي لاقوها من قطعان السرايا. وما إن جاء الصباح حوالي الساعة الثامنة صباحاً إلا وقد استولوا على المراكز الحكومية والمخافر والحزب، وهنا تقدمت السرايا والجيش الذي كان ينتظر قريباً هذه الساعة حسب الخطة المدروسة، فطوّق المدينة تطويقاً كاملاً.

هنا تنبّه بعض الناس للعبة، وتسربت أخبار، وفكّر الناس كيف دخلت الشاحنات التي تحمل السلاح والجيش يطوق المدينة من جميع أطرافها؟ وهنا علم الكثيرون وتيقنوا أنهم أُسقط في أيديهم، وأن هذا الأمر دُبِّر بليل، كما تبين بعد ذلك أن المشرف على توزيع الأسلحة على أبواب المساجد رئيس المخابرات العسكرية العميد يحيى زيدان بالتنسيق مع حافظ الأسد ورفعت؛ لتصوير المسألة على أن الأخوان المسلمين تمرّدوا على الحكومة الشرعية، وتدرعوا بالمدنيين، ولا بد من تخليصهم.

أمام هذه الحالة وضِع الحمويون أمام خيارين؛ إما الدفاع عن أنفسهم حتى الموت، أو انتظار السكين تحز رقابهم. لذلك نجد أن منهم من قاوم، ومنهم من جلس في بيته ينتظر الذبح.

أما الأخوان المسلمين الذين فهموا اللعبة والمؤامرة بشكل أكثر وضوحاً فقد قرروا الدفاع عن أنفسهم وعن المدنيين، ولم يكن عددهم يتجاوز الثمانمائة شخص، فقد قاوموا حتى الموت وكان يقودهم الأستاذ عمر جواش.

بدأت المعارك على أشدها واستمرت بجميع أنواع السلاح ثمانية عشر يوماً لم تهدأ المدفعية والدبابات عن قصف المدينة ثانية واحدة إلى أن أُخمِدت المقاومة، وقُتِل غالبية المقاومون.

هنا دخل الجيش و”سرايا الدفاع” إلى المدينة، وبدأ الذبح وخاصة لفئة الشباب حتى لو كان بعثياً أو عسكرياً.

كانت السرايا تدخل الشوارع وتمشطها شارعاً شارعاً، وتُنزل الشباب من عمر خمسة عشر عاماً وحتى الخمسين، وتصفَّهم على الجدران، وتقتلهم جميعاً.

نعم قتلوا الشجر والحجر والبشر وحتى الأطفال ذبحوا منهم الآلاف، فكانت مقتلة عظيمة لا يمكن تصور وحشيتها. ولدينا من الحوادث الإجرامية مالا يمكن تصورها، ولم يبق نوع من أنواع الجرائم إلا وتم ارتكابها؛ من التمثيل والتفنن بل التلذذ بالقتل والاغتصاب والسرقة. واستمرت عملية التصفية والإعدامات الجماعية ستة أيام، وكانت حصيلة الشهداء ما يقارب الأربعين ألفاً.

تم أيضاً اعتقال عشرات الآلاف وسيقوا إلى مدرسة الصناعة والمدارس الأخرى، ومُورِس التعذيب الوحشي والتصفية، وقُتل الآلاف في مراكز التجميع، ومن تبقّى حياً سِيق إلى سجن تدمر.

صحيح ذُبحت مدينة حماة من الوريد إلى الوريد، وارتُكب بحقها مجزرة لا أظن اُرتِكب بوحشيتها مجزرة خلال التاريخ، ولدينا من القصص والمشاهدات ما تضيق بها المجلدات ولا مجال لذكرها الآن.

نعم ذُبحت حماة بوحشية مطلقة، ولكن باقي المحافظات السنية كلها دفعت ثمن هذه المعركة المُخطط لها من قبل نظام طائفي.

كما أسلفت كان مخطط حافظ ونظامه النصيري القيام بمعركة فاصلة، معركة كسر الظهر لإخراج أصحاب البلد، وأقصد هنا أهل السُنة الأكثرية من معادلة الدولة، واستئثار وتجيير الدولة لصالح الطائفة النصيرية. وللأسف نجح في ذلك وسُرقت الدولة بالكامل، وتم استعمارها من قبل هؤلاء المتخلفين، وصارت الدولة تُكنَّى باسمه واسم عائلته حتى صار اسمها “سوريا الأسد”.

ولم يبقى للسُنة أي فعل في الدولة، إلا من بعض الحثالات بأسماء متفرقة لا يملكون أي شرف ولا ضمير، وكانوا أخلص لسيدهم من أبناء طائفته، وتدريجياً أُبعد السُنة عن مركز القرار والسيادة والفعل، وصاروا مواطنين من الدرجة الثانية إن لم نقل من الدرجة الثالثة، وكان هذا هو المقصود من افتعال هذه المعارك والأحداث. وهُمِّش أهل السنة من الدولة، وأُحصي على الناس أنفاسهم وملئت السجون بالمعتقلين، ومن لم يُقتل منهم تحت التعذيب والمحاكم الصورية التي أعدمت عشرات الآلاف، مات من الأمراض.

أمام احتلال سوريا وتسلط “العلوية السياسية” على حكم البلد جاءت الثورة استحقاقًا لإنقاذ سوريا، وتخليصها من هذا النظام المجرم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

فلسفة الإسلام في العلم والتعلم للارتقاء بحياتنا

د. جمال نصار أستاذ الفلسفة والأخلاق في جامعة اسطنبول صباح الدين زعيم كثيرة …