مقالات

الثورة السورية في عيدها العاشر 2

أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس

سياسي وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

ما الثـــــــــــــــــورة؟

          الثورة في اللغة: من ثَار الشيء ثورا وثؤورا وثورانا، وتثَّورَ: هاج، وأثرته، وهثرته وثوَّرته، وثور الغضب: حدته، والثائر: الغضبان، ويفال للغضبان أهيج ما يكون: قد ثار ثائره، وفار فائره، إذا غضب وهاج غضبه.

       وثار إليه ثورا وثؤورا وثورانا: وثب. ويقال: انتظر حتى تسكن هذه الثورة، وهي الهيج، وثار الدخان والغبار وغيرهما: يثور ثورا وثوورا وثورانا: ظهر وسطع، ورأيت فلانا ثائر الرأس إذا رأيته قد اشعانَّ شعره؛ أي انتشر وتفرق، وفي الحديث: يقوم إلى أخيه ثائرا فريصته؛ أي منتفخ الفريصة قائمها غضبا، والفريصة: اللحمة التي بين الجنب والكتف لا تزال ترعد من الدابة، وأراد بها هاهنا عصب الرقبة وعروقها، لأنها هي التي تثور عند الغضب. ويقال: ثارت نفسه إذا جشأت؛ أي ارتفعت، وجاشت، أي فارت. وثار به الدم، وثار به الناس: أي وثبوا عليه، وثوَّر البرك واستثارها: أي أزعجها وأنهضها، وفي الحديث: فرأيت الماء يثور من بين أصابعه: أي ينبع بقوة وشدة .

       والثورة اصطلاحا تعني: الهيجان، والفوران، والغليان، وزيادة الشيء حد الطفح والخروج على المألوف، وكسر للقيود.

       وتعني الانفجار، وتعني خروج الشيء من مكمنه، واندفاعه بقوة بعد انحباس شديد، بطريقة عفوية غير منظمة، وبعنف وشدة، تجرف وتدمر كل شيء يقف أمامها، ويعترض سبيلها، حتى تصل هدفها..

        وهي خروج الجماهير على جلاديها وطغاتها ومستبديها وظالميها بشكل عفوي، وبعد ظلم كبير وقع عليها، وبعد إذلال ومهانة واحتقار وتجويع، وانتهاك للمقدسات والحرمات، وتجاوز على كل الأعراف والتقاليد والقيم النبيلة التي يؤمن بها ويقدسها المجتمع.

        وبعد أن يستشري الفساد استشراء لا إصلاح فيه، ولا علاج؛ فساد سياسي واقتصادي واجتماعي، وعسكري وأمني ومدني، وصناعي وزراعي وتجاري، وأخلاقي وديني وقيمي، ومادي ومعنوي، ونفسي وجسدي، وتاريخي وجغرافي، ووطني وقومي وإنساني.

         أي باختصار شديد: فساد في كل شيء، وعند ذلك لابد من ثورة لتغير هذا الواقع الفاسد، إلى واقع جديد مختلف عنه تماما، ومناقض له في كل شيء، بعد أن فشلت كل محاولات الإصلاح، ووصلت الأمور لدرجة من اليأس لا مثيل لها، واستسلم الجميع لواقع مرير بانتظار ساعة الخلاص، وانفجار الثورة بطريقة من الطرق، وعلى يد نوع متميز من  البشر، مختلف تماما عمن تطبّع وتدجن ورضخ لذلك الواقع، واستسلم له، وصار جزءا منه، فيحصل نتيجتها تغيير جذري لواقع فاسد، وصل إلى درجة من التردي، لا أمل يرتجى في إصلاحه. وعند ذلك تحصل الثورة..

        فالثورة هي خيار ومطالب محقة، وهي صرخة من أجل الكرامة الإنسانية، وإعادة الوطن إلى أهله، بعد أن سرقه عصابة من اللصوص.

         الثورة هي فعل بشري يأتي نتيجة ظلم متراكم، تهدف في جوهرها للتغيير الشامل، وليس لها نظام خاص بها، وضابط يضبطها، ومنهل واحد ينهل منه الثائرون، ولا يمكن تفصيلها وفق الأهواء والخيالات، فلكل ثورة ظرفها ومناسبتها وطريقتها وأسلوبها، ورجالها أيضا، وكذلك نتائجها.

        الثورة قرار حاسم نحو التعافي من إدمان الذل والخنوع والخضوع والركود والركون، إلى صحة الحرية، ونسيم العدالة، وجمال الدنيا، وحلاوة الحياة.

        إن الثورة لم تعد ترفا فكريا ينحصر في رفع سقف الحرية للمترفين، بل أصبحت ضرورة ملحة لتعديل ميزان العالم الذي اضطربت فيه المنظومة القيمية، وتبدلت فيه القواعد الأخلاقية لمجتمعاتنا، حتى وصلت الى مرحلة الترهل والسقوط بما لا ينفع معه أي محاولة إصلاح أو ترقيع.

         إن العفن وصل إلى العظم، فلم تعد تنفع معه السلمية، ولا الثورات البنفسجية، ولا تنفع معه شعارات أهل التنظيرات ممن يتاجرون بالقلم، لتسويق أنفسهم كطبقة نبلاء، في قصور السلاطين.

          إننا نحتاج إلى مثقف ثائر، وثائر مثقف على غرار صعاليك الجاهلية، وجنود الفتح الإسلامي، الذين كانت صهوات الخيول أوطانهم، وهامات الطغاة مهوى سيوفهم، والفقراء أهلهم، والأيتام أبناءهم.

        فالثائر: لا يسأل عن مصيره، ولا عن مستقبله، ولا عن الناس أتستحق الثورة؟ أم لا؟ ولا ماذا سيكسب؟ ولا ماذا سيخسر؟.

        والثائر: له هدف واحد، ورسالة واحدة: محاربة الظلم، وإقامة العدل، وهذا هو الجهاد الذي أمره الله به، وأجره على الله، وليس على الناس.

         والثوري: هو من يقرن القول بالعمل، ويكون قدوة حسنة، وأخلاقه عالية، ملتزما بالقيم، مقاوما، بطلا، شريفا نزيها، يتمثل كل قيم الرجولة، ومعاني البطولة، ومقتضيات الشهامة، يغشى الوغى ويعف عند المغنم.. 

           وعادة ما يكون قادة الثورات من الأنبياء والرسل والأولياء والصالحين والمصلحين والمجددين، أو ممن اقتدى بهم، واهتدى بهديهم، وهذا النوع من البشر قليل ونادر.. ولو أردنا أن نضرب أمثلة، ونذكر أشخاصا، لما تعدى العدد أصابع اليد الواحدة، أو الاثنتين على أبعد تقدير..

         ولما كان الواقع السوري مختلفا عن كل واقع، والحالة السورية متفردة عن كل حالة، فقد كانت الثورة السورية، مختلفة عن كل ثورة، في واقعها، وفي تنظيرها، وفي طريقة تفجرها، وفي نوعية قادتها، وفي مجريات أحداثها…

         الثورة: لا تؤمن بالحلول الوسط، ولا بتقاسم السلطة، ولا بهيكلة الفساد، ولا بتدوير النفايات وإعادة إنتاجها من جديد.. ولا بد لكل ثورة من تضحيات، مهما كانت كبيرة… ولا بد لكل حالم بالحرية أن يدفع ثمنا، مهما كان غاليا… وقد دفع الشعب التضحيات الجسام، والثمن الباهض جدا..

        ولكن المؤلم أن كل هذه التضحيات الجسام، وهذه الأثمان الباهظة، قد تذهب سدى، أو على الأقل لا تحقق الهدف المطلوب… فلا يعاقب الجاني، ولا يحاسب المجرم، ولا يفضح الخائن.. ويتساوى القاتل والمقتول، والجلاد والضحية، والمجرم والبريء، والشريف والوضيع، والأمين والخائن، وتنتهي الثورة بنصف ثورة، ولا غالب ولا مغلوب، ويصبح القاتل بطلا، والسارق شريفا، والمجرم بريئا..

         وعند ذلك تخرج الثورة من كونها ثورة، إلى كونها حركة إصلاح وترقيع وتقاسم للسلطة، وتطهير للفاسدين، وتدوير للنفايات، وإعادة إنتاج للمتسلقين ..

         ثم لا يلبث الشرفاء أن يخسروا الجولة، ولا يلبث الجبناء أن يلتفوا على الثورة، عن طريق دولتهم العميقة، وعملائهم المشرشين، ليقفزوا على السلطة من جديد، ويستولوا عليها بطريقة شرعية، بعد أن كانوا اغتصبوها عنوة، واستولوا عليها عدوانا.. فتعود الأمور على ما كانت عليه وأسوأ.. فلا يستطيع الثوار الشرفاء مجاراة اللقطاء الخبثاء بالنذالة والخسة، والخديعة والمكر مهما حاولوا، فلهم حد يقفون عنده، وليس لأولئك حد ولا رادع ولا وازع..

        فلا ثورة بلا قضاء على رموز الفساد والاستبداد، واقتلاع جذورهم، وتطهير الأرض منهم.

         السؤال الذي يطرح نفسه: هل وصل الوضع في سورية قبل الثورة إلى درجة من التردي والسوء، وأصبح الإصلاح فيه مستحيلا، أو، لا؟..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى