أخبار عاجلة

احتجاجات آذار 1980 ( دور النقابات المهنية) 1 من 3

معاذ السرّاج

باحث في تاريخ سورية المعاصر وشؤون الحركات الإسلامية
عرض مقالات الكاتب

كان عام 1980 حافلا بالأحداث الكبيرة, وكانت البداية من خطاب رفعت أسد في المؤتمر القطري الذي انعقد في الفترة ما بين 22 كانون الأول 1979 و6 كانون الثاني 1980, الذي رسم ملامح المرحلة القادمة المقبلة, وتلته مباشرة حملة شعواء من الملاحقات والاعتقالات, والاغتيالات العشوائية, والمذابح الفردية والجماعية.

وبالمقابل تصاعدت الاحتجاجات القوية شملت في أكثر المحافظات, ووصلت في حلب وحماة وحمص وربما غيرها, إلى مستوى العصيان المدني, فتعطلت الدوائر الرسمية وتوقف الدوام في المدارس ونزل الناس إلى الشوارع احتجاجا على سياسة السلطة واستفزازاتها. وكانت ذروتها إضراب 31 آذار الشهير الذي أجمعت عليه القوى المدنية كافة, تقودها النقابات المهنية التي أبلت بلاء حسنا في تلك الفترة.

والواقع أن نضالا صامتا كان ينشط في الأوساط الاجتماعية منذ أواخر عام 1978. وبحلول أواخر عام 1979 كانت القوى الاجتماعية المتمثلة بالنقابات المهنية على وجه التحديد, تستعيد الكثير من قوتها وتأثيرها الشعبي, وتخرج تدريجيا عن هيمنة السلطة وأذرعها الحزبية والمخابراتية, لتقود الحراك الشعبي ضدها, كما أنها تمكنت من إبعاد المقربين من السلطة خارج منظمات المجتمع المدني, وتسترد بذلك شيئا من التوازن الاجتماعي الذي فقده المجتمع السورينتيجة سياسات السلطة منذ انقلاب آذار 1980.

–       الاحتجاجات والتظاهرات:

في تحليل دوافع الاحتجاجات الشعبية يشير بعض الباحثين ومنهم ميشيل سورا, إلى العمليات الانتقامية التي شنها مسلحون إسلاميون, كسبب رئيسي في كسر حاجز الخوف من بطش السلطة وإرهابها, الذي أسكت السوريين سنوات طويلة, وأدى إلى تراجع القوى السياسية وانكماشها على نفسها, وكان لسان حال الجميع, يتحدث بتجنب الاصطدام بالسلطة خشية نتائجه للمعرفة المسبقة بنتائجها الكارثية نتيجة التجارب المتكررة منذ البطش بالناصريين في أعقاب حركة 18 تموز 1963.

لكن الأحداث المستجدة كان لها أثر مغاير, إذ رسمت مسارا جديدا ومتصاعدا للاحتجاجات, وخاصة بعد الاستفزازات المتواصلة للأهالي في المدن والأحياء التي كانت تتعرض للتمشيط والتفتيش المتواصل من قبل المخابرات والميليشيات الطائفية منذ عام 1978, بحجة ملاحقة المسلحين الإسلاميين.

في دمشق على سبيل المثال, استمرت أول موجة تمشيط قرابة العشرة أيام, وشملت مناطق العدوي وشارع بغداد والديوانية وباب الجابية وحي الأكراد.

مصطلح “التمشيط” يعني تطويق الأحياء المستهدفة, ومنع حركة الدخول والخروج منها وإليها, ومداهمة البيوت بحثا عن السلاح والناشطين, ويرافق ذلك بطبيعة الحال اعتقالات عشوائية, وانتهاك للحرمات, وسرقات وتخريب متعمد للأثاث والممتلكات, الأمر الذي كان يثير الرعب والخوف بين الأهالي, ويستثير إلى جانب ذلك مشاعر السخط والغضب تجاه السلطة.

في حلب, عاصمة الشمال السوري, دفعت السلطة بسرايا الدفاع والفرقة الثالثة المدرعة بقيادة شفيق فياض لمحاصرة المدينة منذ صيف عام 1979, وتمشيط الأحياء والحارات بحجة البحث عن المسلحين, الأمر الذي تسبب أيضا في اندلاع التظاهرات ضد السلطة. وفي إحدى الحالات خرج آلاف المتظاهرين من جامع الروضة في أواخر تشرين الثاني عام 1979, احتجاجا على عنف السلطة ومحاولة اعتقال إمام المسجد الشيخ طاهر خير الله, فأطلقت أجهزة القمع الرصاص عليها فقتلت وجرحت عشرات الأشخاص.

أما في حماة المعقل الرئيسي للاحتجاجات, فكان الأمر أشد وأعتى, وكانت أحياء المدينة ومساكن المواطنين تتعرض بشكل دائم للمداهمات والتفتيش منذ بداية السبعينات ولاسيما منذ عام 1977, ولم تتوقف الاعتقالات بين أبنائها ولاسيما الإسلاميين على مدار تلك الفترة, وإلى ذلك أشار ميشيل سورا: “عام 1977 تم الاستيلاء على كامل ثروة آل العلواني في حماة, من أموال منقولة وغير منقولة بتهمة التعامل مع العراق ثم تحولت لاحقا إلى التآمر مع الإخوان المسلمين.. نحن نتكلم عن 70 شخصا أعمارهم بين ستة اشهر غلى 78 سنة..”

منذ صيف عام 1978 تصاعدت موجة الاعتقالات في حماة, قبل أن تزج السلطة بالوحدات الخاصة “الطائفية” التي يقودها العميد علي حيدر, وببعض أفواج الجيش لتحاصر المدينة وتبدا بعمليات مكثفة من التمشيط والمداهمة, تفجرت على إثرها عمليات الاحتجاج التي بلغت أوجها في شهر تشرين ثاني عام 1979, ونجحت في تحفيز المدينة على الانتفاض, جاءت الأولى ردا على مقتل سائق سيارة شاحنة على يد عناصر مدعومة من السلطة من قرية “ربيعة” المجاورة, والثانية في كانون الأول ردا على مقتل تلميذ مدرسة في سن السادسة عشرة, برصاص أجهزة القمع, وشارك في التظاهرتين أعداد كبيرة من الأهالي الغاضبين.

في اللاذقية وفي شهر أيلول من عام 1979, حدثت أيضا اضطرابات واسعة نتيجة هجوم مجموعات من مدعومة من السلطة على أحياء في المدينة بعد اتهامها بقتل الشيخ العلوي علي صارم الذي تبين فيما بعد أن جماعة رفعت هم المسؤولين عن مقتله, وسقط عدد من الضحايا نتيجة ذلك الهجوم, الذي تخللته اعتداءات على المساجد, ودوس المصاحف بالأقدام, وإطلاق عبارات الكفر والشتيمة المقذعة, وسجلت حالات اختطاف واعتداء على بعض الفتيات. مما أشعل فتيل التوتر وأثار غضب الأهالي.

في تلك الأثناء, كانت عمليات الاغتيال التي بدأت في صيف عام 1976 بعد وفاة مروان حديد, في تصاعد مستمر, وكانت المنشورات والقصاصات الورقية تُلقى في أحياء العاصمة دمشق وحماة وحلب ومدن أخرى, وتحمل شعارات وعبارات مختلفة من بينها عبارة “نعم للحرية, نعم للديمقراطية, نعم لوحدة الشعب, لا للخيانة, لا للعمالة, لا لحافظ أسد”, لكنها لم تتضمن أي إشارة إلى الجهات التي تقف خلفها. وفي أواخر عام 1978, نشرت السلطة لائحة بأسماء وصور ثمانية عشر ممن وصفتهم بالمطلوبين, ونعتتهم بالعمالة والخيانة, والعمل لصالح جهات أجنبية, دون أن تشير إلى انتماءاتهم الفكرية أو التنظيمية, ووضعت جائزة مالية 100 ألف ليرة لمن يساهم في القبض عليهم.

تتابعت بعد ذلك ملصقات السلطة, التي تشير إلى عمليات الاغتيال, وتندد بمن وصفتهم بالمجرمين الذين تقف وراءهم جهات خارجية.. وكانت تلك الملصقات محل متابعة واهتمام من قبل الأهالي, الذين وجدوا فيها مصدرا للمعلومات التي كانت شحيحة للغاية, ومن الواضح أنها كانت تلقى صدى إيجابيا, على الرغم من أجواء الخوف والحذر والترقب.

ميشيل سورا سجل تلك اللحظات من خلال مراسلاته مع الصحافة الفرنسية (باسم مستعار), قائلا: “في البداية حدثت سلسلة اغتيالات نُفذت بجرأة أذهلت الناس, طالت بخاصة شخصيات بارزة في النظام الحاكم ومن الطائفة العلوية”.

وهكذا فمنذ أواخر عام 1979 وموجة الاضطرابات في سورية تتصاعد بشكل مستمر حتى بلغت أوجها في آذار 1980 عندما شلت الإضرابات والاحتجاجات جميع مدن البلاد نكاية بالسلطة التي فشلت لأول مرة في إحياء العيد السابع عشر لحكم البعث. ولا يكاد يُستثنى من ذلك سوى مدن طرطوس والسويداء, والعاصمة دمشق التي بلغ فيها الاحتقان والتوتر أشده, في ظل الانتشار الكثيف لأجهزة القمع والحواجز التي ملأت أحياء العاصمة وشوارعها.

–       النقابات المهنية تقود الاحتجاجات:

في تحليله للموقف, يرى ميشيل سورا أن ثمة مظهرا آخر لقوة الاحتجاجات واتجاهها, تجلى في نتائج الانتخابات النقابية التي أُجريت أواخر عام 1979, ومُنيت فيها السلطة بخسائر فادحة, في جميع النقابات وخاصة نقابات المهندسين والأطباء والصيادلة والمحامين.

في دمشق, وعلى سبيل المثال, ومن أصل خمسة عشر مقعدا مرشحا للاتحاد النقابي لم يفز أنصار السلطة سوى بثلاث  مقاعد عن المهندسين وواحد عن الصيادلة وصفر عن الأطباء. وفي حمص انتخب بعثي واحد طبيب, ولم يُنتخب أي بعثي في باقي المهن. وفي حماة كانت اللعبة أسهل, لأنه أصلا لم يكن هنالك أي بعثي مرشح في تلك النقابات. وفي دير الزور تحدث بعضهم عن وساطات وتوسلات لدى بعض الشخصيات المعروفة في المدينة لكي تدعم ترشح بعثيين إلى مراكز قيادية في نقاباتها, لكنها فشلت في ذلك بطبيعة الحال.

المحامون بدورهم, والذين لديهم باع طويل وتجربة عميقة في معارضة النظام: ومارست نقابتهم نشاطا عمليا في مجال الدفاع عن الحريات, وشاركتها في ذلك “جمعية حقوق الإنسان” التي تأسست بمبادرة منهم.

وفي شهر كانون الأول أعلن المستشارون القضائيون إضرابا عاما لمدة 24 ساعة.

وفي الجامعات, لم يكن الحال بأفضل حالا بالنسبة إلى السلطة, التي كان ممثلوها الرسميون لا يجرؤون على الظهور علانية خوفا من العمليات الانتقامية, نتيجة العبث الشديد بهذا الصرح الكبير, وعمليات التسريح والنقل التي أدت إلى إبعاد أكثر من مائة عضو من هيئات التدريس.

وبالنسبة إلى العمال, سبق للانتخابات العامة لنقابتهم, التي جرت في تشرين الأول 1978 أن دقت ناقوس الخطر. وفي شهر تشرين الثاني 1979 أضرب العاملون في حقل رميلان النفطي شمال شرق البلاد لمدة أربعة أيام, مطالبين بتحسين ظروف العمل وزيادة الرواتب. وبعد بضع محاولات ترهيب مارستها عليهم المخابرات, خضعت الدولة لجميع المطالب تجنبا لفتح جبهات جديدة. وتكررت إضرابات العمال في بعض المصانع في حمص وفي مصنع السكر في عدرا بالقرب من دمشق, مطالبة بتحسين أوضاع العمال والاستجابة لطلباتهم.

ومن المؤسف ألا تتوفر المعلومات والوثائق حول تلك الفترة, نتيجة إرهاب السلطة وهيمنتها على وسائل الإعلام, ونتيجة تواطؤ الكثير من الكتاب والإعلاميين معها. ونضع هنا مقتطفات من البيان الذي أصدرته نقابات حمص, وهو يلقي الضوء بصورة جيدة حول الأوضاع آنذاك, والدور المهم الذي اضطلعت به النقابات في أحداث تلك الفترة, ويعطي فكرة عن المطالب الشعبية التي تبنتها النقابات وعبرت عنها في بياناتها.

صدر بيان نقابات الأطباء والصيادلة والمهندسين والمحامين في حمص بتاريخ 9 آذار 1980 , وجاء فيه أن هذه النقابات:

“ترى أن أسباب التردي في الأوضاع الداخلية مرده إلى غياب الحرية والديمقراطية, وسيادة الدستور والقانون, وحلول الإرهاب النفسي والفعلي بحق المواطنين, وانتشار المظاهر المسلحة, وإن توزيع السلاح في هذا الوقت الحرج على بعض الهيئات أمر قد تتمخض عنه مضاعفات تؤدي إلى تمزيق الوحدة الداخلية, وهو وضع لا يستفيد منه إلا الاستعمار وإسرائيل, وخاصة أطراف كامب ديفيد”.

وحددت النقابات مطالبها بالنقاط التالية:

أولاً- تأمين الحرية والديمقراطية للمواطنين كافة, ومنحهم الحق بالتعبير عن معقداتهم السياسية والفكرية وتحقيق ذلك بشكل عملي.

ثانيا – إلغاء حالة الطوارئ في سورية وقصرها على أماكن الحدود والتماس مع إسرائيل.

ثالثا – العمل على سحب السلاح الذي تم توزيعه على بعض الفئات والهيئات, وإننا لنرى أن هذا التدبير قد تكون نتائجه الزيادة في تسعير الأزمة المتفاقمة في هذا الوطن في الوقت الحاضر.

رابعا – إزالة الأسباب الي أدت وتؤدي إلى بروز الممارسات الطائفية من أي جهة كانت, ومهما كان مصدرها, والضرب بيد من حديد على مثيريها ومستغليها ومفتعليها.

خامسا – تقليص أجهزة القمع وصلاحياتها وقصر الملاحقات على رجال الضابطة العدلية ضمن حدود الدستور والقانون.

سادسا – إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين والموقوفين لسبب معتقداتهم السياسية والفكرية, والذين أوقفوا بدون مذكرات قضائية صادرة عن القضاء العادي, وإحالة المذنبين منهم إلى المحاكم المختصة المدنية, وحصر أماكن التوقيف في الأماكن الخاصة بالنيابة العامة.

وإننا لنرى أن تحقيق هذه المطالب كفيل بالقضاء على جميع أسباب هذه الأزمات التي يعاني منها الوطن, كما أننا نعتبر تحقيقها دليل صحة وقوة وليس دليل ضعف, لأنه لا يمكن مجابهة إسرائيل وأعداء الوطن بدعائم لا تتمتع بحدود دنيا من الحرية والديمقراطية والكرامة.

فرع نقابة الأطباء: عبد العزيز الأتاسي

فرع نقابة المهندسين: وجيه السيد سليمان الأتاسي

فرع نقابة المحامين: انطون الطرابلسي

فرع نقابة الصيادلة: خلوصي الأتاسي

في الحلقة التالية سنتناول مواقف القوى السياسية والسلطة والوضع العام في سورية عشية إضراب 31 آذار 1980

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

ماذا ستجني السَّعوديَّة من التَّطبيع مع إسرائيل في عهد ابن سلمان؟

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. برغم النَّفي الرَّسمي المتكرِّر …