أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / معاناة السوريين تتضاعف نتيجة الأزمة الاقتصادية

معاناة السوريين تتضاعف نتيجة الأزمة الاقتصادية

المرصد الاستراتيجي

نشر مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CSIS) دراسة (18 فبراير 2021) بعنوان: “معالجة أزمة الجوع المتفاقمة في سوريا” (Addressing the Growing Hunger Crisis in Syria) أعدها باحثان متعاونان مع منظمة “ميرسي كوربس” الأمريكية العاملة في مجال دعم المجتمعات التي تعاني من الحروب ومعالجة أزمات الجوع المرافق لحالات الصراع.

ورأت الدراسة أن السوريين يحتاجون اليوم -أكثر من أي وقت- إلى مصادر مستقرة للغذاء، حيث قدّر برنامج الغذاء العالمي في العام الماضي معاناة نحو 9,3 مليون سوري من انعدام الأمن الغذائي، بالتزامن مع تراجع القطاع الزراعي الذي كان يُعدّ أحد أعمدة الاقتصاد السوري، إذ كان يشكل نحو 14 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، ويعمل فيه نحو 20 بالمائة من القوة العاملة السورية قبل اندلاع الثورة عام 2011.

وكانت الدولة قد سيطرت في العقود الماضية على سائر المنتجات الحيوانية والمحاصيل الإستراتيجية، وقسمت البلاد إلى خمسة مناطق زراعية، وعملت على؛ منح القروض، ودعم مدخلات الإنتاج، وتوفير الإرشاد الزراعي، ومن ثم شراء المحاصيل من المزارعين بأسعار تفضيلية، الأمر الذي ساعد في تلبية سوريا معظم احتياجاتها الغذائية محلياً.

إلا أن أداء ذلك القطاع تراجع في الفترة التي سبقت عام 2011، حيث تدهورت اقتصاديات المناطق الريفية نتيجة؛ خفض الدعم، وسوء إدارة المياه الجوفية، وما حل بالبلاد من جفاف كبير خلال العام 2008/2009، ما دفع بالفلاحين الذين فقدوا محاصيلهم للهجرة إلى المناطق الحضرية.

ونتيجة لذلك الإهمال؛ فقد تضررت البنية التحتية الزراعية في سوريا، لا سيما قنوات الري، والسدود، وأنابيب المياه، وازدادت الأمور سوءاً نتيجة ظروف الحرب والتغيير المناخي عقب عام 2011،  وأدت تلك العوامل (إلى جانب الانهيار الاقتصادي وتأثير جائحة كورونا والقيود المفروضة على التوريد والتجارة) إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية لدرجة لا يمكن لمعظم العوائل تحملها، حيث ارتفع متوسط سعر السلة الغذائية بنسبة 251% منذ نوفمبر 2019، ودفع ذلك بالمواطنين للشراء بالدين، وتقليص حجم الوجبات، وتقليل استهلاك الطعام، ومعاناة الأسر السورية من سوء التغذية.

وأكدت الدراسة أن التوصل إلى حل سياسي هو أمر ضروري لوقف العنف وتحقيق الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي، مُقدمةً مجموعة من التوصيات لمعالجة تلك الأزمة، أبرزها: 

1- زيادة تمويل البرامج التي تدمج بين التدخل الطارئ والتعافي المبكر، وذلك من خلال دعم المزارعين، وتلبية الاحتياجات الغذائية الفورية للفئات الأكثر تضرراً، وتوفير الاحتياجات اليومية الطارئة والمهارات والموارد اللازمة لمعالجة الآثار السلبية للنزاعات والكوارث المناخية.

2- دعم منظومات السوق الزراعي المحلي وخاصة منها البرامج ذات القيمة الإنتاجية، والصناعة الزراعية، ورفع القيود على المنتجات الأساسية كالقمح والمواشي، وإنشاء الأسواق التي تعزز استدامة القطاع الزراعي.

3- معالجة تحديات تحسين الإنتاج الزراعي، وخاصة منها ما يتعلق بصعوبة الحصول على البذور والأسمدة والمبيدات، وتوفير خدمات الإرشاد الزراعي، وإصلاح البنية التحتية للري، وإصلاح أراضي الرعي، وبناء القنوات والسدود السطحية والمراعي العامة في المناطق التي يمكن العمل فيها. 

4- التركيز على البرمجة الذكية للتعامل مع التغيرات المناخية، وخاصة فيما يتعلق بمعالجة أزمات ندرة المياه، والمشكلات الناتجة عن الاحتباس الحراري، ودعم مصادر الطاقة البديلة، وأنشطة الحفاظ على المياه، وتوفير خدمات المعلومات المناخية، وتقنيات التعامل مع حالات الجفاف.

وحثت الدراسة الإدارة الأمريكية على اتخاذ خطوات طارئة للتخفيف من أزمة الأمن الغذائي التي تهدد الحياة، باعتبار أن التسوية السياسية تبدو بعيدة المنال في الوقت الحالي، ومن الضروري توفير الإمكانيات اللازمة لمعالجة الأزمات، والحد من الجوع، وتمهيد الطريق للانتعاش طويل الأجل.

وألقى تقرير آخر نشره الموقع (18 فبراير 2021) بعنوان: “انهيار الاقتصاد السوري وتأثيراته على الضعفاء” (Syria’s Economic Collapse and Its Impact on the Most Vulnerable) من إعداد منظمة “وورلد فيجن”، الضوء على الدمار الذي لحق بالاقتصاد السوري خلال عشر سنوات من العنف، وما نتج عن ذلك من؛ تدمير البنى التحتية، ومقتل أكثر من 400 ألف مدني، وهجرة ونزوح نصف السكان، ما أدى إلى تقلص الاقتصاد السوري بأكثر من 60% عما كان عليه قبل عام 2011، وارتفاع التضخم، وزيادة الأسعار بنسبة 300%.

ورأى التقرير أن أسباب الأزمة الاقتصادية في سوريا لا تقتصر على الفساد وسوء إدارة النظام فحسب، بل إن الأزمة النقدية اللبنانية قد سارعت من تدهور الاقتصاد السوري، حيث اضطرت السلطات المصرفية اللبنانية إلى فرض قيود على السحوبات والحوالات النقدية، ما شكل ضغطاً هائلاً على السياسة الاقتصادية الفاشلة  للحكومة السورية  وعلى القطاع الخاص الذي ارتبط لعقود طويلة بالمؤسسات المالية اللبنانية. 

يضاف إلى تلك العوامل؛ ما يتعرض له النظام من عقوبات دولية، وعجز السلطة عن توفير الدعم للمواد الأساسية كالخبز والمحروقات، وفقدان العملة قيمتها، وانعدام الوظائف، ما يعني عدم قدرة العوائل السورية على إعالة نفسها، وتنامي مظاهر انعدام الأمن الغذائي، حيث تتكدس طوابير الخبر والوقود، ويضطر أولياء الأمور إلى إخراج أولادهم من المدارس نتيجة عجزهم عن تحمل مصاريف التعليم في مناطق سيطرة النظام، وعدم وجود مدارس كافية في مناطق النزوح، حيث تبرز المظاهر المروعة لسياسات التهجير القسري وخاصة منها الهشاشة الاقتصادية شمال غرب سوريا، ويعتبر الأطفال المتضرر الأكبر من استمرار الصراع. 

وحثّ التقرير الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، والجهات المانحة الأخرى، على تمويل برامج الدعم في الداخل السوري، وخاصة في المناطق الأكثر تضرراً كالمخيمات، وإعطاء الأولوية لتوفير الأمن الغذائي وبرامج التنمية المستدامة، وحماية الأطفال من الزواج القسري ومن العنف، والتأكد من أن العقوبات المفروضة على النظام لا تتسبب بأضرار على معيشة المدنيين وخاصة منهم الأطفال الأبرياء.

وفي دراسة رديفة بعنوان: “سوريا في ظل الأسد تعاني من الجوع مثل العراق في ظل صدام” تحدثت مجلة “فورين بوليسي” عن تدهور القطاع الزراعي في سوريا التي كانت بلداً مصدراً للقمح، لكنها باتت اليوم تعتمد على الإمدادات الروسية التي أخفقت في توفير حاجة السوريين، حيث خفضت موسكو مبيعات الدقيق في الخارج للحفاظ على الاحتياطي في الداخل خلال الأوقات غير المستقرة التي تسبب بها وباء كورونا. 

يضاف إلى ذلك تراجع إمدادات النفط والغاز نتيجة العقوبات الأمريكية، واعتماد النظام على كميات غير كافية من الخام الإيراني، وما ينتج عن ذلك من تأثيرات سلبية على قطاعي الزراعة والطاقة، وتضرر المجتمع السوري، حيث بات أكثر من 80% من السوريين تحت خط الفقر بالتزامن مع ارتفاع معدلات الجريمة وتنامي أنشطة عصابات تهريب البضائع والأسلحة والمخدرات.

وربطت الدراسة مظاهر التدهور الاقتصادي بعقود من الفساد وسوء الإدارة والعنف الرسمي، مُقارنةً تلك المظاهر بمعاناة الشعب العراقي قبل نحو عقدين نتيجة العقوبات الأمريكية، والتي تسببت بوفاة نحو نصف مليون طفل دون أن يتزحزح حكم صدام حسين نتيجة العقوبات.

ونقلت الدراسة عن عدد من الدبلوماسيين الغربيين قولهم؛ إن العقوبات هي آخر وسيلة ضغط تمتلكها الدول الغربية ضد الأسد لدفعه إلى الإفراج عن السجناء السياسيين، وضمان العودة الآمنة للاجئين، والتعاون مع الوساطة الأممية للتوصل إلى حل سياسي، إلا أن مشاعر القلق تتنامى من قيام النظام لممارسة المزيد من القمع ولجوئه إلى سحب الأموال والاستيلاء على المساعدات الإنسانية التي يتم إرسالها للمنكوبين لتمويل قواته والميلشيات التابعة له.

ورأى آخرون أن العقوبات لا يمكن أن تصلح دكتاتوراً غير قابل للإصلاح، بل هي مجرد معاقبة للشعب السوري، بافتراض أن المواطنين السوريين، كما في العراق، يتحملون وطأة العقوبات، بينما لا يواجه الأسد وأعوانه نقصاً في الغذاء والوقود، ونقلت عن العديد منهم مطالبتهم بتعديل تلك العقوبات لضمان تأثيرها على الأشخاص المستهدفين دون الإضرار بالمواطن العادي، ونقلت الدراسة عن مواطن سوري معارض للنظام قوله: “لا أعتقد أن مسؤولي النظام السوري وعائلاتهم سينامون جوعى أو سيعانون من البرد… يستخدم النظام والمافيا التابعة له العقوبات كذريعة لرفع الأسعار واستغلال الفقراء أكثر وأكثر”، وتضاعف تلك المظاهر المصاعب التي يواجهها الرئيس الأمريكي جو بايدن في صياغة سياسة جديدة بشأن سوريا، حيث يتعين عليه إيجاد آلية لإيقاف المجاعة في سوريا ومساعدة المواطنين السوريين دون أن يستفيد بشار الأسد ونظامه من ذلك.

ويتوافق ذلك الطرح مع ما رأته صحيفة “نيويورك تايمز” في مقال نشرته بعنوان: “الأسد ينتصر والسوريون يعانون” (24 فبراير 2021)، حيث ألقت الضوء على مستوى البؤس والفقر المسيطران على حياة الناس نتيجة تدهور العملة المحلية والارتفاع الجنوني في أسعار المواد الغذائية، وانقطاع وقود الطهي والتيار الكهربائي، وتنامي معاناة السوريين نتيجة عجز حليفي الأسد الإستراتيجيين، روسيا وإيران، عن الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية كونهما يعانيان من قلة الموارد جراء العقوبات الغربية وتبعات جائحة فيروس كورونا، حيث أعترف السفير الروسي في سوريا ألكسندر إيفيموف لوكالة الأنباء “ريا نوفوستي” أن: الوضع الاجتماعي والاقتصادي في سوريا اليوم صعب للغاية، لكنه أكد أن إرسال المساعدات بات صعباً للغاية لأن روسيا أيضاً تعاني من الوباء ومن العقوبات الغربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

المربط الصفوي مقاربات عقدية وسوسيولوجية وسياسية وتاريخية 14

أكرم حجازي كاتب وباحث أكاديمي ثانيا:  تاريخية ولاية الفقيه     لا تختلف عقلية …