أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / طحالب ثورية

طحالب ثورية

مصعب الأحمد

كاتب وباحث وشاعر سوري
عرض مقالات الكاتب

الحرية والكرامة قبلة كل ثائر ، ومقصد كل حر ، ومرتجى كل كريم  يطلبها الإنسان، فيبذل لأجلها أعظم الأثمان ، ويسلك أوعر الطرق ..
في كل الثورات هناك ثلاثية بشرية تتمثل ” بماء جار ، وماء راكد ، وطحالب رخوية “..
ما تراه أمامك ليس  ماءً جارياً فحسب ، ولا حتى راكد ، كثير منه من تنامت الطحالب فيه حتى لم يعد للماء فيه مكان ..
الحرية، والعدالة، وتطبيق الشرع ، وعبارات الثورة مقصدك، ولكن ؟
كيف تطلبهما في دمشق وتتخلى عنهما في أوربا ؟
كيف ترفض الذل في حلب، وتقبله في الخليج ؟
كيف ترفض مصافحة الأسد الموكَل، وتصافح كل خنازير الأرض من الموكِلين؟
كيف تسجد لله في حمص وتسجد لغيره في لبنان، والأردن  ؟
كيف تأبى المساعدة والسؤال في بلدك، ثم تجلس في طوابير الأمم المتحدة مع النساء، و الضعفاء، والعجزة تنتظر كرت المساعدات ، لتتفضل عليك جمعيات كنسية، وتنفق عليك محافل يهودية، وتشغلك أيد هي ذاتها من تقصف إخوتك في بلادك  ؟
الثائر الحر : حر في كل ناد ، حر في كل مجلس ،  في كل بلد ،أينما توجه ..
لا يقبل أن يكون عبدًا لزيد ، فكيف يقبل أن يكون عبدًا لعمرو، وقبيلته  ..
فما تفسير ما يحصل ؟
عندما أناس لبسوا ثياب الثوار ، وحملوا الأكفان في طلب الحرية، كيف طالت عليهم الأيام، واشتدت النكبات، وضربتهم خلافات التيارات، و المذاهب، فتهجنوا، وتحولوا لكائن عجيب لا ينتمي لأي فصيل معروف ؟ ..
هل استساغوا أن يعيشوا أذلاء  والآن يريدون تغيير الكفيل، فقط .
لعلهم ألفوا أن يعيشوا عبيدًا والآن يريدون تحسين ظروف العبودية ..
أم لعلهم ظنوا أن المغنم لا يحتاج كل هذا المغرم ، وأن الأمور لن تستغرق كل تلك الأشلاء، ولا نزف تلك الدماء، ولا كل ذاك الزمن ..
هذا الصنف عبارة عن ( طحلب ) لم يعرف الكرامة، ولا الحرية، ولا العدالة .. ولم يتنسم منها شيئًا ، ولا يحق له أن يتصف بالثورية ..
قطٌّ جائع أهمله صاحبه فموى عليه ولما فقد الأمل هرب؛ ليطعمه غيره .
يقول بعض الشر خير من بعض ، هو ذاته لا يرى مضاضة في الجلوس على الخازوق لكن يختلف في مادته ..
كيف لثائر عرف الحرية، وتنسم عبيرها أن يضع يده في يد قاتل أشد نكالاً من المجرم الذي ثار عليه ؟
لم يصبر على النكبات ..
خرج فقال هي لله ثم صارت لكل شيء إلا لله ..
خرج فقال نريد أن نحكم شرع الله، فقبل حكم كل شريعة في الكون إلا شرع الله ..
خرج، فقال نريد عدالة، ثم مارس الإقصاء، و الاستخفاف، والعنصرية، والطبقية مع جميع الناس .. 
خرج، فقال لن نتراجع، ولن نستسلم، فما ترك مقصدًا إلا، وتراجع عنه، ولا راية إلا، وسلمها لأعدائه ..
خرج يريد الحرية، والعدالة، والعزة، فقطعوا عنه المواد فصار لا يريد إلا الجبن، والخبز والكعك ..
صلى الله على خير، وأعظم الثائرين، وأصحابه الميامين ، كان ثائرًا على الظلم ، على الكفر ، على الجهل على العنصرية بأبهى تجلياتها على الطبقية ،  على الاستعباد .. قال (يا عَمَّاهُ، واللهِ لو وضَعوا الشَّمسَ في يميني، والقَمرَ في شمالي، على أنْ أَترُكَ هذا الأمْرَ حتَّى يُظهِرَهُ اللهُ أو أَهلِكَ دُونَهُ ما تركْتُهُ) .
رحم الله “عمر المختار” يوم قال لقادة الاحتلال : (نحن لا نستسلم ننتصر أو نموت) ..
رحم الله “مولاي محمد ” الخطابي كان يقول لأنصاف العبيد ( لا أدري بأي منطق يستنكرون استعباد الفرد، ويقبلون استعباد الشعوب )..
كان يقول انتصار الباطل في أقصى معسكرات الأرض هزيمة لنا ، وانتصار الحق نصر لنا ..
كان يقول ليس هناك نصر، أو هزيمة نجاح، أو فشل هناك واجب وأنا قمت به ..
رحم الله عبد القادر الجزائري : كان يقول : لو جمعت فرنسا سائر أموالها، وخيرتني بأن أكون ملكاً عبداً، أو أكون حراً فقيراً معدماً؛ لاخترت أن أكون حراً فقيرًا
رحم الله حسن البنا كان يقول : (بقدر سمو الدعوة و سعة أفقها تكون عظمة الجهاد في سبيلها، و ضخامة الثمن الذي يطلب لتأييدها، و جزالة الثواب للعاملين)
ولعلي بالملائكة جالسون يختلفون في أي ديوان يسجلونه ، ولعلي بالمؤرخين بعد زمن جالسون يتحيرون من أي الثوار أنت ؟
هل يسجلونك ثائراً للكعك ؟ أم للخبز ؟ أم للحصول على عمل؟  أم حمية جاهلية ؟ أم سائر حسب الظروف ؟  أم لكل ما سبق ؟
أي بني :
لك أن تقول أنا إنسان، وإنسانيتي تجعلني أملّ  ، أضعف ، أخور ، أترك ، أتعب ، لكل عمل نهاية، وفترة تقاعد، وهل المطلوب مني أن أثور كل العمر ، لا تكلفني بما لا أستطيع، ولا يستطيعه أي أحد ..
لك أن تقول:  أنا بدأت، فأكملوا أنتم ..
لك أن تقول : تكالبت علينا الأمم، وخذلتنا الدول ، وفقدنا النصير ، وترمي بالتهم هنا، وهناك ..
ولك أقول :
القيام بنصف ثورة موت، أو سجن أقسى من الموت نفسه ..
الثورة قد تختلف معطياتها ، ووسائلها ، مكتسباتها ، منازلها ، لكن ما لا ينبغي أن يختلف هو أنت في مبادئك ومقاصدك وغاياتك   ..
الثورة فكر، والفكر لا يموت حتى بموت أصحابه  ..
الثورة ليس فيها نهاية خدمة؛ لأن الظلم، والاستبداد لا نهاية لهما ، وما دام هناك استبداد، فيجب أن تكون ثائرًا، ومستعدًا لثورة ..
في الثورات يمكنك أن تترك ، وتسافر ، وترتاح ، وتضعف وتجبن ، لكن لا تجمع مع ذلك الكذب، والتدليس ، والغش لله، وللناس ، لا تتاجر بالثوار، وأنت جالس في الفنادق ، وعلى الشواطئ ، لا تتصدر الكلام عنهم ، لا تقرر مصيرًا دونهم ، لا تتواطأ بحجة الضرورة، فتقبل أن ينفق عليك مجلس، أو هيئة، أو كيان يقتل، إخوانك، ويبيع أحلامهم ، كن رجلًا في الخارج كما كنت في الداخل ، واعلم أنك ما تأخذ شيئًا منهم إلا بثمن تدفع أضعافه ، ولا تتنازل عما لا تملك ، وقل كنت ثائرًا ، وكنت مجاهدًا ، وكنت قويًا، وكنت جسورًا ، ولا تتنازل، ولا تذل، وابقِ الصورة نقية ما كانت نقية  ..
اقرأ الثورات جيدًا  ..
اقرأ عن مدارس الإسلام مدارس العقيدة مدارس علوم السياسة، وكلياتها لتتعلم  معنى الثورة، والثورية؛ لتبني مفاهيم صحيحة ، وسلوكيات نقية ، تتوارثها عنك الأجيال القادمة ، ويتحدث عنها التاريخ،   وكن ماء جاريًا ، أو على الأقل ماء راكدًا، ولا تكن طحلبًا في (زمن الطحالب )..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

حدث في رمضان 10

أ.د. أحمد رشاد أكاديمي مصري حدث في 10 رمضان سنة 3 قبل الهجرة …