أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / قراءة في خطاب أنطوني بلينكن عن السياسة الخارجية في عهد بادين

قراءة في خطاب أنطوني بلينكن عن السياسة الخارجية في عهد بادين

د. عثمان محمد بخاش

باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة
عرض مقالات الكاتب

قدم وزير الخارجية الامريكية أنطوني بلينكن خطابا مطولا في وزارة الخارجية الأمريكية في 3-3-2021، ملخصا فيه أهم معالم السياسة الخارجية لإدارة بايدن الجديدة في البيت الأبيض. وفي اليوم ذاته كشف الرئيس الأمريكي بايدن عن وثيقة ”التوجيه الاستراتيجي المؤقت”[1] بشأن الأمن القومي والسياسة الخارجية الأمريكية، في حين يتواصل وضع استراتيجية أكثر عمقًا للأمن القومي على مدى الأشهر القليلة المقبلة.

واضح أن خطاب بلينكن والوثيقة هما وجهان للعملة ذاتها،أي رسم معالم رؤية ادارة بايدن لأولويات السياسة الأمريكية. ولنا الملاحظات التالية على أبرز ما جاء في خطاب بلينكن، واللصيق الصلة بوثيقة التوجيه الصادرة عن مكتب الرئيس بايدن:

  1. كان لافتا التشديد في النصين على مخاطبة الجمهور الأمريكي الداخلي، وذلك بالتركيز على أن منطلقات السياسة الأمريكية تهدف دائما إلى خدمة رفاهية الشعب الأمريكي، بالعمل على تحقيق مصالحه خارجيا وحمايته من الأخطار التي تؤثر على ذلك. وهذا أمر مفهوم لمحاولة كسب الجمهور العريض الذي صوت لصالح ترامب في الانتخابات الأخيرة (72 مليون ناخب). هذا الجمهور الذي أيد دعوة ترامب إلى جعل “أمريكا أولا” وذلك بالتخفيف من أعباء الالتزامات الدولية و الضغط على الشركات الكبرى بإعادة مصانعها الى الداخل الأمريكي، و التخفيف من عبء الانفاق العسكري على القوات الأمريكية في الخارج وهذا لا يناسب  لا قادة البنتاغون ولا المجمع الصناعي العسكري.
  2. وفي خطابه حذّر بلينكن من مغبة التفكير بالانسحاب من العالم (مقولة ترامب) :”وسواء شئنا أم أبينا، فإن العالم لا ينظّم نفسه. وعندما تتراجع الولايات المتحدة(عن قيادة العالم)، كثيرًا ما يحدث أحد أمرين: إما أن تحاول دولة أخرى أن تأخذ مكاننا لملء الفراغ، ولكن ليس على نحو يعزز مصالحنا وقيمنا، أو، ربما بنفس القدر من السوء، لا  أحد يتصدى لذلك، ومن ثم نجني الفوضى وما تخلقه من مخاطر. في كلتا الحالتين، هذا لا يعود بالخير على أميركا”[2]. “وثمة مبدأ آخر ثابت وهو أننا بحاجة إلى تعاون البلدان، أكثر من أي وقت مضى. ولا يمكن لأي دولة تعمل بمفردها أن تواجه تحديًا عالميًا واحدًا يؤثر على حياتكم- ولا حتى دولة قوية مثل الولايات المتحدة. وليس هناك جدار عال بما فيه الكفاية أو قوي بما فيه الكفاية لوقف التغيرات التي تحول عالمنا”.
  3. بمراجعة  تقرير مراجعة استراتيجية الأمن القومي لسنة 2010 الذي صدر في 2/6/2010 في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، والذي كان بايدن نائبا له،  نجد ما يلي: « في مطلع القرن الحادي والعشرين، تواجه الولايات المتحدة الأميركية مجموعة واسعة ومعقدة من التحديات لأمننا القومي. وكما أن أميركا ساعدت على تحديد مسار القرن العشرين، علينا أن نبني الآن مصادر قوة أميركا ونفوذها، وأن نصوغ نظاما دوليا قادرا على التغلب على تحديات القرن21». وفي فقرة أخرى يقول التقرير: « سيكون من المدمر لكل من الأمن القومي الأميركي والأمن العالمي، إن استخدمت الولايات المتحدة ظهور تحديات جديدة وعيوب النظام الدولي كذريعة للانسحاب منه».[3] هكذا يظهر جليا أن ما جاء في خطاب بلينكن ووثيقة بايدن هما استنساخ للرؤية في عهد أوباما، وليس صحيحا ما زعمه بلينكن في خطابه أن ما يقدمه من رؤية تختلف عن 2017 وعن 2009، بل تعكس المتغيرات التي استجدت على المسرح الدولي.
  4. وقد حشد بلينكن طائفة من الشواهد ليؤكد ارتباط السياسة الخارجية برفاهية الشعب الأمريكي في الداخل، ومن ذلك الحاجة الماسة إلى مواجهة وباء كوفيد 19 (كورونا) والحاجة الى التعاون الدولي في مكافحة التغير المناخي. فجائحة كورونا،بحسب بلينكن والوثيقة، أثبتت الحاجة إلى جهد دولي مشترك يستهدف معالجتها كما يستهدف التصدي للأخطار المماثلة في المستقبل، جاء هذا ضمن عنوان :”الأمن الصحي الدولي”، وهي عبارة شبيهة ب “الأمن الدولي”؛ أما التغير المناخي فمما قاله بلينكن إن امريكا تنتج 15% من غاز الكربون في العالم، وحتى لو نجحت في تخفيضه إلى الصفر فيبقى هناك 85% مما يؤثر سلبا على التغير المناخ الدولي، بعبارة أخرى لا غنى  لأمريكا ولا مفر من المشاركة في الجهود الدولية لمعالجة التغير المناخي، وهو التغير الذي صارت آثاره ملموسة عند الكثيرين من كاليفورنيا إلى الولايات التي شهدت أعاصير مدمرة.
  5. 5-     وقد كرر بلينكن مغازلته للجمهور الأمريكي بإظهار الحرص على تحقيق مصالحه :”..إنني أعني وظائف جيدة، ودخول جيدة، وتكاليف معيشية أقل للعمال الأميركيين وأسرهم.نحن نبني على الدروس الصعبة المستفادة. لقد جادل البعض منا في وقت سابق في اتفاقيات التجارة الحرة لأننا اعتقدنا أن الأميركيين سيشاركون على نطاق واسع في جني المكاسب الاقتصادية وأن هذه الاتفاقات ستشكل الاقتصاد العالمي بالطرق التي كنا نريدها. لقد كانت لدينا أسباب وجيهة للتفكير في تلك الأمور. لكننا لم نفعل ما يكفي لمعرفة من الذي سيتأثر سلبًا وما هو المطلوب لتخفيف آلامهم، أو لفرض الاتفاقيات التي كانت موجودة بالفعل أو مساعدة المزيد من العمال والشركات الصغيرة على الاستفادة منها بشكل كامل .نهجنا الآن سيكون مختلفا. سنناضل من أجل كل وظيفة أميركية ومن أجل حقوق جميع العمال الأميركيين وحمايتهم ومصالحهم. ..وستحتاج سياساتنا التجارية إلى الإجابة بشكل واضح للغاية عن الكيفية التي ستقوم من خلالها بتنمية الطبقة الوسطى الأميركية، وخلق وظائف جديدة وأفضل، وتحقيق الاستفادة لجميع الأميركيين – وليس فقط لأولئك الذين يعمل الاقتصاد بالفعل من أجلهم.”
  6. في قوله هذا يعتذر، أو بالأحرى يبرر، بلينكن عن سياسات العولمة التي اتبعتها الحكومات الأمريكية منذ عهد بيل كلينتون في تسعينيات القرن العشرين، والتي جعلت من الصين مصنع العالم، ما مكّن الشركات الرأسمالية من مضاعفة الأرباح الخيالية التي جاءت على حساب العمال الامريكان.و أصحاب الرأسمال لا يوجد في قاموسهم غير جشع  الربح المادي اللامتناهي، دون أي اعتبار آخر. وفي كلامه هذا يبدو بلينكن وكأنه وزير العمل أو الاقتصاد أو التجارة، ولكن خطابه هذا يبرره الحاجة إلى اقناع جمهور ترامب بتقبل السياسة الخارجية التي يرسم معالمها المجمع الرأسمالي في الوول ستريت وبحماية المجمع العسكري.
  7. وختم بلينكن خطابه بالقول: “هذه الأولويات كلها قضايا محلية وقضايا خارجية في آن واحد. ويجب علينا أن نتعامل معها بتلك الطريقة، وإلا سنكون مقصّرين.إن التفرقة بين السياسة “المحلية” و”الخارجية” قد انتفت حاليًا أكثر من أي وقت مضى في تاريخي المهني- وربما طوال حياتي. إن التجدد والإصلاح على المستوى المحلي وقوتنا في العالم مرتبطان ومتشابكان تمامًا. وإن أسلوب عملنا سيعكس تلك الحقيقة”.
  8. كانت العلاقة مع الصين المسالة الثامنة في خطاب بلينكن واعلانه عن لزوم “إدارة أكبر اختبار جيوسياسي في القرن الـ21: علاقتنا مع الصين”. ومما قاله:”إن الصين هي الدولة الوحيدة التي لديها القوة الاقتصادية، والدبلوماسية، والعسكرية، والتكنولوجية التي يمكن أن تمثل مشكلة أو تحديًا جادًا للنظام الدولي المستقر والمفتوح– كل القواعد، والقيم، والعلاقات التي تجعل العالم يعمل بالطريقة التي نريدها، لأنها في النهاية تخدم مصالح وقيم الشعب الأميركي”. وقد أخّرتُ مسألة الصين لأنها هي بيت القصيد في كل ما سبق ،وهي زبدة القول في خطاب بلينكن، فما مغازلته للشعب الأمريكي إلا لإقناعه بالسياسات القادمة تجاه الصين. وهذه السياسات يضعها أصحاب القرار في المجمع المالي العسكري، فيرسمون معالم سياسة البيت الأبيض.
  9. وقد لفت نظري الترجمة إلى العربية التي نشرها موقع الخارجية الامريكية لقول بلينكن ” كل القواعد، والقيم، والعلاقات التي تجعل العالم يعمل بالطريقة التي نريدها، لأنها في النهاية تخدم مصالح وقيم الشعب الأميركي” All the rules, values and relationships that make the world work the way we want it to because it ultimately serves the interests and reflects the values of the American people….وهنا تختلف صيغة الترجمة، والأدق أن تكون: ” كل القواعد والقيم والعلاقات التي تشكّل العالم (أي النظام العالمي) تعمل بالطريقة التي نريدها (لأننا وضعناها)فهذا ما يخدم مصالح الشعب الأمريكي ويعكس قيَمه”…بعبارة أخرى هذا إقرار صريح بأن أمريكا هي التي صاغت النظام العالمي الحالي بعد الحرب العالمية الثانية بما يحقق المصلحة الأمريكية، أي مصلحة الشركات الأمريكية، ومن يعرف تاريخ أمريكا يعرف بدون شك المقولة الشهيرة:”ما يعد مصلحة لشركة جنرال موتورز هو، حكما، مصلحة لأمريكا”.
  10. واضح أن تخوف الساسة الأمريكان من دبيب عوامل الشيخوخة التي تؤثر في الهيمنة الأمريكية على النظام العالمي هو ما يدفعهم إلى التفكر في كيفية إعادة ضبط العلاقات الدولية كيلا تتفلت ادارة النظام الدولي من يد أمريكا، وفي سبيل تحقيق هذا الهدف لا بد من القيام  بحملة دعاية عامة تتقرب من حلفاء  الأمس، ولو ظاهريا، كما تتزلف إلى الجمهور الأمريكي الداخلي الساخط على نتائج سياسات العولمة، أيضا ظاهريا. فمصالح الطبقة الحاكمة لا يثنيها عن أهدافها شيء من معاناة الناس أو القيم الأخلاقية الا ما يلزم للاستهلاك المحلي والعالمي. إذن المعضلة عند فريق بايدن تكمن في الاجراءات والسياسات اللازمة لاحتواء الصين ضمن معادلة المسرح الدولي الجديد بالتعاون مع الحلفاء الذين تريد أمريكا تسخيرهم في السير في تنفيذ رؤيتها للعالم. وهذا ما فطن إليه قادة الاتحاد الأوروبي الذين سارعوا (30-12-2020) بانجاز اتفاقية الاستثمار مع الصين رافضين دعوات فريق بايدن للانتظار إلى حين تسلم بايدن السلطة في 20-1-2021، رغم ان المفاوضات بشأنها بدأت في 2013، ولم يكن من داع للتعجل غير رغبة الصين في التفريق بين موقف اوروبا و امريكا، ورغبة قادة أوروبا في توجيه رسالة الى واشنطن أن “العيال كبرت”.

[1]  نص الوثيقة المعنونة Interim National Security  Strategic Guidance كاملا على موقع البيت الأبيض: https://www.whitehouse.gov/wp-content/uploads/2021/03/NSC-1v2.pdf

[2]  النقولات مأخوذة من صفحة الخارجية الأمريكية:  https://www.state.gov/translations/arabic/خطاب-وزير-الخارجية-أنتوني-بلينكن-مقتط/    وهي مقتطفات من خطاب بلينكن الموجود بكامله على : https://www.rev.com/blog/transcripts/secretary-of-state-antony-blinken-speech-on-foreign-policy-transcript-march-3

[3]  نقلا عن د أكرم حجازي ،واقع النظام الدولي قراءة في الميديا الغربية، : https://resalapost.com/2021/02/16/واقع-النظام-الدولي-قراءة-في-الميديا-ال-4/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

‏للموت هيبته…ولكن للعقيدة مكانها وللتاريخ كلمته

ياسر سعد الدين كاتب سوري ما أن ينتهي أجل شخصية ويقضي الله أمره، …