أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الشرعية اليمنية: أسباب النصر وعوامل الهزيمة!

الشرعية اليمنية: أسباب النصر وعوامل الهزيمة!

أ.د فؤاد البنا

أكاديمي ورئيس منتدى الفكر الإسلامي
عرض مقالات الكاتب

من المعلوم أن الانتصار أو الهزيمة في أي معركة، إنما يتم وفق سنن محايدة لا تحابي ولا تهضم أحدا، ثم إنها لا تتخلف ولا تتبدل في أي عصر أو مصر.
وبالنظر في ما تحوز الشرعية اليمنية من سنن الانتصار نجد أنها تمتلك عددا منها، وأهمها:
١- قيمة الحق الذي تنتمي إليه وتناضل من أجله وتحشد جميع اليمنيين للانضواء تحت رايته.

٢ – المشروع الذي تدعو إليه والمتمثل في مخرجات الحوار الوطني، وأهمها الحكم الاتحادي القائم على ستة أقاليم تجسد حقوق الناس في الحرية والتنمية واختيار من يريدون لحكمهم وتحترم حقوق المواطنة المتساوية بين كافة أبناء الوطن الواحد بعيدا عن العصبيات السلالية والمذهبية والمناطقية والقبلية والحزبية .

٣- المشروعية السياسية التي تجعلها كيانا معترفا به أمام المجتمعات المحلية والإقليمية والدولية، بوصفها السلطة الناتجة عن الشرعية الثورية التي أسفرت عنها ثورة ١١ فبراير والشرعية الانتخابية والشرعية التوافقية التي تجلت في مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، هذا بجانب امتلاك القرارات الدولية التي تجعل الانقلاب أمرا مجرما ينبغي محاربته حتى تعود الشرعية إلى حكم سائر أرجاء اليمن من العاصمة صنعاء، وعلى هذا تضافرت القرارات الأممية (مجلس الأمن الدولي) والإسلامية (منظمة التعاون الإسلامي) والعربية (جامعة الدول العربية) والخليجية (مجلس التعاون الخليجي).

٤- العدد الكبير من الجنود الذين ينضوون تحت لواء الجيش الوطني، والذي يتكون من سبع مناطق عسكرية، وتتكون كل منطقة من عدد من الألوية، وبعدد إجمالي يناهز نصف مليون مقاتل.

٥ – العدد الكبير من المناصرين والموالين السياسيين، والذين يتمثلون في العدد الأكبر من الأحزاب السياسية اليمنية والمتمثلة بالتجمع اليمني للإصلاح والفصيل الأكبر من كل من: المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني والحزب الناصري وحزب البعث وحزب الرشاد وحزب السلم والتنمية وحزب العدالة والتنمية وحركة النهضة، بجانب الحاضنة الشعبية العريضة والممتدة في كل أرجاء الوطن من أقصاه إلى أقصاه.

٦- المساحة الكبيرة من الأرض والتي تبلغ نحوا من ٨٠% من مساحة اليمن الكلية، بما تمتلك في باطنها من ثروات طبيعية أهمها المشتقات النفطية والغاز، ولكن تآمر الإمارات وتخاذل الشرعية منع من استثمار هذا العامل القوي لصالح التنمية وتطبيع الأوضاع.

٧- دعم ما يسمى بالتحالف العربي ولا سيما الطيران الذي يمثل نقطة تفوق كبيرة لو تم استثمارها على نحو أمثل، ولكن المشكلة في أحسن الأحوال تكمن في عدم وضوح العلاقة بين الطرفين، مما جعل التدخل على المدى البعيد يصير سلبيا، حيث كبح من جموح الشرعية وارتكب أخطاء فادحة جعلت يمنيين غير قليلين ينتقلون إلى مربع معارضته والنظر إليه كمحتل، بينما استفاد الحوثيون من التحالف، على الأقل في إذكاء النزعة الوطنية المعادية للتحالف والتي استحالت عند كثيرين إلى معارضة للشرعية برمتها!

▪️أهم عوامل الضعف:
وفي المقابل تفتقد هذه الشرعية لسنن النصر الآتية:
١- الوحدة بين الفصائل المنتمية إليها، حيث ينتمي للشرعية شركاء متشاكسون، أظهرت الوقائع أنهم ينقسمون إلى ثلاثة معسكرات كبيرة: معسكر الرئيس عبد ربه والذي يتحكم بالمناطق المحررة في مأرب وتعز والجوف وشبوة والمهرة وجزء كبير من أبين وحضرموت، ومعسكر المجلس الانتقالي الجنوبي الذي يتحكم بمقاليد الأمور في عدن والضالع ولحج سقطرة وجزء من أبين وحضرموت، وقوات طارق عفاش التي تسيطر على أجزاء من محافظتي تعز والحديدة وترفض الانخراط في الجيش الوطني والاعتراف بالشرعية، وذلك بتوجيه من الإمارات العربية المتحدة كما هو الحال مع المجلس الانتقالي الجنوبي رغم أنها جاءت في الظاهر المعلن من أجل استعادة الشرعية!
والمصيبة الأكبر أنه وسط كل معسكر من هذه المعسكرات الثلاثة التي تعادي الانقلاب، توجد رؤى متعددة إلى حد التباين في بعض الأحيان، بينما يبدو الانقلابيون على قلب رجل واحد في هذا المضمار، وهذه هي المفارقة العجيبة التي غيرت موازين القوة، حيث بدت الدولة كأنها فصائل ومليشيات بينما ظهرت المليشيات الحوثية في مظهر دولة واحدة!

٢- القيادة التي تنغرس وسط الناس وتعرف أحوالهم وتدرك كيف تجعل من التنوع عامل قوة لا عامل ضعف. والخلل القيادي في الشرعية شديد السفور في معظم المفاصل، وأول أعراضه وجود معظم القيادات خارج اليمن طيلة السنوات الماضية، بينما تتخندق القيادة الحوثية في الداخل وتدير المعركة بصورة منسجمة متناغمة وتحاول تثبيت الانقلاب بكل ما تمتلك من قوة وبطش وسطوة ومن مكر وكيد وخداع.

٣- القوة المعنوية التي يفترض فيها أن تذكي الطاقات وتعظم الفاعليات، فقد تآكلت معنويات أكثر المنتمين إلى الشرعية بعد سنوات من الشعور بالحرث في البحر؛ وبسبب عدد من العوامل:
أولها: الفساد الذي ينخر بعض مؤسسات الشرعية والذي منعها من تقديم نموذج جاذب في بعض المناطق التي تحكمها كعدن وتعز، وأوصلها إلى حد عدم القدرة على دفع مرتبات الجيش واللامبالاة بمعالجة الجرحى الذين تستنزف وقفاتهم في الشوارع وأصواتهم في وسائل التواصل الاجتماعي، تستنزف الروح المعنوية لمن يقفون في الميدان.
وثانيها: خذلان التحالف العربي للشرعية وارتكابه لأخطاء فادحة دمرت البنية التحتية وقتلت الكثير من جنود الشرعية، مما جعل بعض المحايدين ينتقلون إلى خانة التأييد للمعسكر الانقلابي أو عدم المبالاة بما يرتكب من فظائع.
وثالثها: ضعف وسائل الإعلام المحسوبة على الشرعية في تجسيد القضية الوطنية وتعبئة الطاقات الشعبية وتحريض الأحرار على القتال، حتى صارت الشرعية قضية عادلة بيد محام فاشل!
وفي المقابل يمتلك الانقلابيون روحا معنوية أعلى؛ بسبب التحريض والتعبئة التي يقوم عليها وعاظ وساسة وأدباء ومثقفون وفنانون بطرق احترافية عالية، وبسبب وسائل الإعلام القوية التي يمتلكها الانقلابيون ويضخون لها إمكانات مادية وبشرية هائلة، حيث تزيد قنواتهم الفضائية عن ١١ قناة و٢٨ إذاعة تغطي معظم أرجاء الوطن وعدد لا يحصى من الصحف والمجلات والمواقع والصفحات والحسابات الفاعلة في وسائل التواصل الاجتماعي، وكذا بسبب استلام مقاتلي المليشيات لمرتبات وحوافز عالية وإطلاق أيديهم في أموال وممتلكات المعارضين للشرعية، هذا رغم أن طاقم الدولة في مناطقهم لا يستلمون مرتباتهم منذ بضع سنوات.

ولم تستطع الشرعية أن تستفيد من هذه المفارقة في تقوية مركزها، حيث يستلم موظفوها مرتباتهم بطريقة منتظمة، باستثناء الجيش! – ويعيش المواطنون في أمان على أنفسهم وأموالهم ولا يطالبهم أحد بالنفير إلى المعارك بقوة السلاح ولا يلزمهم بدعم ما يسميه الحوثيون بالمجهود الحربي وبالزكوات والضرائب الظالمة وبالخمس، بجانب أن خدمات المشتقات النفطية والغاز متوفرة في مناطق الشرعية وبأسعار أقل بكثير من مناطق الانقلابيين، وتتمتع كثير من مدنها بخدمات المياه والكهرباء، بينما لا يوجد في المدن التي يحكمها الانقلابيون إلا بعض الخدمات الرديئة وبأسعار سياحية عالية، لكن الإعلام الشرعي لم يحسن استثمار هذا الفرق الجوهري في حياة الناس لتسويق الشرعية وشيطنة المليشيات!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

شعب مصر .. بين مواكب ونوائب

د. عطية عدلان مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول الحمد لله .. …