أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / محاسبة بشار الكيماوي لا تتم إلا بمحاسبة أوباما الكيماوي!

محاسبة بشار الكيماوي لا تتم إلا بمحاسبة أوباما الكيماوي!

د. عثمان محمد بخاش

باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة
عرض مقالات الكاتب

تفاءل كثيرون بالمقابلة التي بثتها قناة سي بي اس (CBS) الامريكية في البرنامج الشهير 60 دقيقة (60 Minutes)(الأحد 21 شباط 2021)[1] مع  كل من قيصر ورفاقه سامي ومعاذ، بالإضافة إلى السفير الأميركي السابق لقضايا جرائم الحرب ستيفن راب. وذكر “راب” الذي يشغل منصب رئيس الهيئة المستقلة للعدالة والمحاسبة الدولية، أنهم أرشفوا أكثر من 900 ألف وثيقة تدين نظام الأسد، بينما تحدث فريق قيصر عن رحلة آلاف الصور من معتقلات النظام إلى الكونغرس الأميركي.

وقد أقر (راب) الذي كان مدعيا في جرائم الحرب في رواندا وسيراليون بأن الأدلة الدامغة التي تدين بشار الأسد هي اقوى بكثير من الادلة التي استخدمها الحلفاء في محاكمة النازيين في نورمبرغ، ومع أن النازيين عرفوا بتويثقهم لجرائمهم ضد ضحاياهم، إلا أن الأمر لم يصل بهم إلى أخذ صور فردية للضحايا مع توثيق كامل لكل ضحية. مما قاله (راب)” نحن أمام عمليات قتل، إعدام، إبادة، تعذيب، اغتصاب، وعمليات تعدي جنسية، واحتجاز تعسفي وتتقطيع وتمثيل بالضحايا” و” ولا شك في أن الأدلة تثبت ضلوع الرئيس الأسد في قرارات التعذيب والقتل…عندنا دلائل واضحة دامغة ضد الأسد و رجاله تفوق ما كان عندنا ضد ميلوسوفيتش في يوغوسلافيا، بل أحسن مما كان عندنا من ادلة ضد النازيين في نورمبرغ، لأن النازيين لم يأخذوا صورا لكل ضحية من ضحاياهم مع ارقام توثيقية لهم”، كما روى المصور العسكري المعروف باسم قيصر بعضا من مشاهداته عن آثار التعذيب من قلع للعيون و آثار الحرق الكهربائي على جثامين الضحايا وغيرها مما يشيب له شعر الولدان.

دفعت هذه المقابلة ، وما سبقها من عدة تحقيقات في القضاء الاوروبي التي تستهدف ادانة نظام بشار فيما ارتكبه من جرائم و أهوال في سوريا، البعض الى التفاؤل بأن زمن تحقيق العدالة والاقتصاص من المجرمين قد أزف.

لا اريد إحباط هؤلاء ولا التقليل من أهمية تحقيق العدالة الناجزة بحق المجرمين في الدنيا قبل الآخرة، ولكن أرى من قصور النظر حصر المحاسبة على من نفذ التعليمات دون “سيده الذي أعطاه التعليمات”، او ما يسمى ب”رخصة القتل” وب “سيده” أعني حاكم البيت الأسود المسمى بالأبيض. نعم اوباما سيء الذكر.

وكان اوباما قال في لقاء اجراه البرنامج ذاته (60 دقيقة) في 15-1-2017،أي في الأسبوع الأخير لولايته في البيت الأبيض[2]، “لست نادما على الإطلاق على القول أنه إذا رأيت بشار الأسد يستخدم أسلحة كيميائية ضد شعبه، فإن هذا يمكن أن يغير من تقييمي فيما يتعلق بما كنا مستعدين أو غير مستعدين لفعله في سوريا”.وتابع أوباما، “أعتقد أنه من المهم بالنسبة لي كرئيس للولايات المتحدة أن أبعث برسالة مفادها أنه في الواقع هناك شيء مختلف بشأن الأسلحة الكيميائية”. وتابع، “على الرغم مما انتهى إليه الأمر في الإعلام، أعتقد أنه في عالم واشنطن السياسي، ما هو حقيقي هو أن الأسد تخلص من أسلحته الكيميائي…”

فهو اعتبر أنه حقق انجازا سياسيا مهما لواشنطن باجبار نظام الأسد على التخلص من الاسلحة الكيمائية فهذا هو المهم في حساباته السياسية، وليس الجعجعة الاعلامية التي ضجت بها الدنيا يومها. ولكن اوباما  أكد في المقابلة  ذاتها أنه “ارتجل العبارة التي لم تكن موجودة في النص المكتوب، وكان الصحفي جيفري غولدبرغ ذكر هذا الامر في مقالته في مجلة اتلاتنيك مونثلي في ابريل 2016 بعد مقابلته للرئيس اوباما.

فأولا اقر اوباما الكيماوي بأن عبارة “الخط الأحمر” كانت “زلة لسان” ولم تكن مكتوبة في خطابه…ولكنها “زلة” وقانا الله شرها…والمعروف، لمن كان يتابع تفاصيل الاحداث ان وزير الخارجية جون كيري ومعه وزير الدفاع يومئذ تشاك هيغل كانا غادرا البيت الأبيض بعد أن اتخذ القرار بتوجيه ضربة ضد أهداف حيوية لبشار الكيماوي، في سبيل لحفظ ماء وجه اوباما الكيماوي، وهو رئيس الدولة العظمى على المسرح الدولي، الذي وجد نفسه في ورطة أمام “زلة لسان” وفي الانجليزية مثل يقول: slip of the lip sinks the ship أي”زلة لسان تغرق السفينة”، وهذا ما ادركه المستشار الواعي الحريص على قيم امريكا الديمقراطية وتمثال الحرية المرفوع امام شواطيء نيويورك، دنيس ماكدونو فقد عرف جيدا ان ذيل امريكا بشار الكيماوي لا يحتمل ان تنفخ عليه أمريكا بعض زمجرتها، كما ذكر السفير الامريكي في دمشق روبرت فورد بأنه حين تم حشد السفن الحربية استعدادا لشن الضربة الصاروخية ضد بشار سارع كبار الضباط (من عظام رقبة بشار الكيماوي) للاتصال بفورد طالبين نصيحته بعد ان جهزوا الشنط لهم ولعائلاتهم للقفز من سفينة بشار التي أوشكت على الغرق…فأدرك ماكدونو خطورة هذه الخطوة (في حينه 2013 كان النظام يجهد للتمسك بقشة الهواء كيلا يتحطم تحت كيل الضربات الموجعة) وسارع،كما نقلت النيويرك تايمز في حينه، للاستفراد باوباما الساذج ليشرح له اولا ان القيم الامريكية العليا هي مجرد شماعة صورية وليست جدية ولا بأي معنى من المعاني، وانما ترفع ستارا وذريعة متى خدمت المصلحة الامريكية ويداس عليها متى صارت عقبة وعبئا ثقيلا يعرقل المصالح الامريكية، كما نوه الى ذلك من  قبل الاستراتيجي جورج كينان صاحب نظرية الحرب الباردة. وبعد أخذ ورد استغرق ساعة من الزمن في حديقة البيت الأسود، تمكن ماكدونو من اقناع اوباما الكيماوي بالمخرج: نوعز الى طرطور روسيا بوتين بالتصريح بانه تم الاتفاق على نزع الاسلحة الكيميائية من بشار، و”يا دار ما دخلك شر” ووقى بوتين بشار الكيماوي شر اهدار ماء وجه اوباما الكيماوي فهذا مخرج معقول يظهر اوباما فيه بأنه حقق انجازا استراتيجيا لامريكا…رغم ان جون كيري صرح في حينه بأنه بعد ان عاد الى بيته وكان يترقب سماع خبر وقوع الضربة إذا به يصعق بان اوباما الكيماوي بلع لسانه و سار في المخرج الذي دبره ماكدونو، فقال كيري” وي ار فاكد We are f**d”         وعذرا من القراء الكرام.

طبعا الخط الأحمر لوباما الكيماوي يدينه ادانة بالغة لا تقل عن صور قيصر ،التي رغم معرفة مخابرات امريكا ودوائر الكونغرس بها منذ أب 2014 إلا أن اوباما الكيماوي، ونائبه يومئذ بايدن، قررا “الاحتفاظ بحق الرد”، أي الاحتفاظ بالصور الدامغة في الادراج، مشغولين بتسويق بعبع داعش، الذي في سبيل مقارعته تهون كل الات القتل واساليب التعذيب والحرق والغرق والتدمير والبراميل المتفجرة، وحتى حين لم تكفي  هذه كلها، فأعطت واشنطن الضوء الأخضر لأذنابها في طهران، وعصاباتهم في الضاحية الجنوبية لبيروت، للاسراع لانقاذ زينب، الطاهرة من جرائمهم، من ان تسبى مرة ثانية، وذلك بمد بشار الكيماوي بما يحتاجه من الة الحرب…ولكن مع مراعاة خاطر اوباما، فبدل الكيماوي تم جلب سفينة النيترات المتفجرة (روسوس) من روسيا ووضعها في مرفأ بيروت بحيث صارت المستودع الذي يتم منه شحن البراميل المتفجرة التي لا تدخل تحت الخط الاحمر لاوباما الكيماوي..فاوباما رجل انساني يعتز بقيم العدل والحرية وحقوق الانسان (طبعا الانسان هنا لا يشمل الهنود الحمر ولا الزنوج الذين خانهم ابن جلدتهم، ومن  باب اولى لا يشمل المدنيين في مضايا والزبداني وداريا وحمص والقصير وحلب ودرعا)..فالبراميل المتفجرة تحفظ ماء وجه اوباما الكيماوي الذي أخفى صور قيصر في درجه. طبعا قد يقول قائل ولكن ترامب استعرض عضلاته ب 59 صاروخا على مطار الشعيرات، فكان رجلا يحترم تعهداته، ولكن هذا تشويش في غير محله وقياس مع الفارق…فزمان نيسان 2017 غير آب 2013…فالتدخل الروسي جاء وقلب الموازين بشدة…ورغم الضربة المذكورة عاود المطار عمله خلال ايام…وأهمية ضربة 2013 ليس في الاهداف العسكرية يومها بل في كون النظام لا يتحمل نفخة هواء أو ض طة من صاحب البيت الأسود، كما بدا واضحا من تصريح روبرت فورد.

وعليه أختم بنصيحة للاهثين وراء سراب تحقيق العدالة بأيدي أمريكا، واوروبا معها فليست أفضل حالا. فاوروبا هي التي فرضت منظومة سايكس بيكو وهي التي فرضت لعنة الانظمة الوظيفية التي لا تبالي بتدمير البلاد والعباد بغطاء تام من عواصم الغرب (في سوريا وفي مصر وليبيا واليمن على حد سواء). وهذا ما لم يدركه جل الثوار: بشار الكيماوي، مثله مثل السيسي، ما هو الا شعرة من آثام الغرب بقيادة امريكا، ولا معنى للمحاسبة إن لم تبدأ براس الأفعى: هم العدو فاحذرهم.


[1] https://www.syria.tv/أشهر-برنامج-تحقيقات-أميركي-يفتح-ملف-جرائم-الأسد

[2] https://www.france24.com/ar/20170116-أوباما-سوريا-روسيا-أسلحة-كيميائية-خط-أحمر-الولايات-المتحدة 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

حدث في رمضان 10

أ.د. أحمد رشاد أكاديمي مصري حدث في 10 رمضان سنة 3 قبل الهجرة …