أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / لماذا لم ننتصر؟ من مذكرات ثائر سوري4

لماذا لم ننتصر؟ من مذكرات ثائر سوري4

محمد حساني

ناشط ثوري
عرض مقالات الكاتب

خرجنا في الثورة التي انتظرناها كثيرًا ،وكان يجب أن تخرج قبل عقود لطرد حافظ الأسد من الحكم لأنه ماكان يجب أن يحكم سوريا بأي حال من الأحوال .
لا أخفيكم بعظيم الفرحة التي أحسسنا بها بهذه الثورة المباركة ،وكأننا في عرس حقيقي، وما شعرنا يومًا بقيمتنا كآدميين نستحق الحياة كما شعرنا يومها ،حيث تملكنا شعورغريب يطول وصفه..
كان المكان المناسب لرفض الذل والقتال لأجل الحرية والكرامة وحرب الفساد والفاسدين ساحات المساجد، هتفنا للحرية والكرامة.. هتفنا لله والوطن.. غنينا أجمل الأغاني ،ورقصناعلى أنغام الحرية
حاصرنا آكلو لحوم البشر، وأمطرونا برصاصهم الجبان، وسقط منا الشهيد تلو الشهيد ،وما كان يزيدنا الموت إلا إصراراُ لأننا استنشقنا عبير الحرية ونسيمها..
بدأنا اجتماعات سرية مبسطة ،ثم تطورت أكثر وأكثر إلى أن وصلت ابداعاتنا لتشكيل التنسيقيات.


تطور أداء التنسيقيات بمرور الوقت ومن خلال اللقاءات مالبثنا أن وصلنا التنسيقيات مع بعضها بعضًا للاستفادة من الخبرات المتبادلة ،ولصنع جبهة قوية أمام جبروت وطغيان عصابات النظام.
قمنا في أمر كان في غاية الأهمية أعطى نتائج مذهلة؛ وبخاصة عندما حملنا السلاح للدفاع عن المظاهرات ،وهو ما كان يوعونا لعقد لقاءات كل يوم في قرية يجتمع فيه ثوار القرى المجاورة، يتكلم فيها عن كل قرية احد أبنائها ماشاء من حديث مشجع وثمة من ينظم شعرًا وآخر يقدّم تنظيرًا لفكر الثورة،هذه المهرجانات جعلتنا نتعرف على بعضنا ، ثم مالبثنا أن صرنا كأبناء عائلة واحدة ، وشكل عندنا اصرارًا وعزيمة ومنافسة شريفة ،وفكرًا ثوريًا حقيقيًا ،لذلك كنّا نعرف الثائر الحقيقي من خلال هذه المهرجانات ،وأيضًا انعكس إيجابًا على تصرفاته مستقبلاً.
أمام طغيان عصابات الأمن والشبيحة لم يعد أمامنا من حل إلا تشكيل كتائب عسكرية صغيرة تحمي المظاهرات، زاد إجرام قطعان الوحوش البشرية وبخاصة عندما كانت تطوق القرى ثم تداهمها ، لتنشر الرعب وتحرق البيوت وتعذب وتعتقل الناس،وابدعت المخابرات في أساليبها الإجرامية بحيث كانت تسرب لنا من أقبية السجون مقاطع من التعذيب لا يتصورها عقل بشري ، وكل هذا كان ينتشر عبر الإعلام العربي والعالمي ولكن صمت مطبق تجاه مآسينا !
أمام هذه الحالة كان لزاًما علينا أن نطور العمل المسلح الدفاعي، فقد أصبح كلفة المقاومة أقل من كلفة المداهمة..
لا أخفيكم أن أعدادنا كانت قليلة ،لذلك عوضناها بالمؤازرة ،فكانت كلما أراد الجيش مداهمة قرية ما هبت كل المنطقة بالمؤازرة فاكسبتنا الانتصارات روحًا معنوية قوية؛ ومما أعاننا كثيرًا فقد شكلنا هيئة الحراك الثوري في حماة، ولكن للأسف لم تستجب مدينة حماة بالانضمام رغم مئات الدعوات، فاقتصرت الهيئة على ريف حماة ،وكنا عشرة أشخاص ممثلين للحراك وانقسمنا إلى قسمين، قسم اختص بريف حماة الجنوبي والشرقي، والآخر بريف حماة الشمالي والغربي، ولم تبق قرية صغيرة أو كبيرة إلا وزرناها ،واجتمعنا مع الناشطين فيها لإنشاء شبكة من الثوار ،وأيضًا تقديم المعلومات الضرورية حول الثورة وأدبياتها.
تطورت حركة المقاومة بتطور الوقت والظروف، وصارت أكثر تنظيمًا، وأدّت التنسيقيات دورًا رائعًا إلى أن بدأنا نتفوق على جيوش النظام وقطعانه ،وخضنا معه حرب عصابات كانت في أغلب الأحيان لصالحنا.
صحيح كان في البداية سلاحنا ضعيفًا جدًا، لكنا كنا نملك إيمانا قويًا بعدالة قضيتنا ،وصحيح كانت البداية في التسليح من كان يبيع مصاغ زوجته أو بقرة يملكها ،وغير ذلك ،لكنها كانت أقوى من دبابات النظام ومدافعه..
بدأنا نغنم أسلحة النظام ،وبدأ جيشه وقطعانه تتقهقهر أمام شبابنا شبه العزل مقارنة بما يملك نظام الإجرام من أسلحة .
رأيت بأم عيني من البطولات لو وصفتها لكم لقال الكثيرون إنها مبالغات كبيرة حتى أني والله كنت أشعر كأن الملائكة تقاتل معنا لما أرى من الألطاف الإلهية مالا تدركه العقول حولا أجد تفسيرًا غير هذا لما كنت أراه، بل كنت أبكي وأستغيث بالله عندما تحتدم المعارك ،حتى تصبح السماء كقطعة من الجمر من شدة القصف علينا ،ولا يخطر على بالي وأنا استغيث بالله وأدعوه إلا ماذا أقول لأمهات الأبطال وكنت أظن في نفسي أنه لن يعود معي أحد للبلد فيا رب استرني…
وما أن تنتهي المعركة بالنصر ،حتى يعود الجميع وجوههم أجمل من الشمس في ضحاها ،وأحلى من القمر إذا جلاها فاقع على الأرض ساجدًا..
سأروي هنا لكم قصة صغيرة:
عسكرت كتيبة للنظام بكامل أسلحتها من مدفعية وراجمات ودبابات قرب مدينة اللطامنة حفاجتمعنا ليلا وقررنا اختبارها ،وعند الفجر، أرسلنا أحد عشر شابًا يقودهم الشهيد سارية كشيمة ،وما أن طلعت الشمس ونحن ننتظر الأخبار، فإذا بسارية يعود معه كامل الشباب لم ينقص منهم واحد لكن المفاجأة الكبيرة انهم احضروا معهم إحد عشر أسيرًا أما الباقين فقد لاذوا بالفرار مع دباباتهم!
نعم هذا ما حصل معنا كثيرًا كثيرًا
أمام هذه الانتصارات ،وأمام الإصرار على إسقاط النظام بدات قوات النظام تنهار، ولا يفوتني هنا أن أذكر احيانًا كثيرة كان يتعاون معنا عساكره بأساليب مختلفة بدءًا من المعلومات ،وانتهاء بالتعاون العسكري ،وأيضا كنا نوصي شبابنا الأبطال أن يتركوا لهم جهة يهربون منها دون حصار، وهذه الطريقة وجدت نفعًا وفائدة عظيمة، فالهارب يجعل من خلفه ينهار، وبنفس الوقت كنا نريد إسقاط النظام باقل كمية ممكنة من الدماء .
ارتفع صوت الثوار، وصارت لهم مكانة على الأرض وفي القلوب ،والنظام في انهيار مستمر
هنا للاسف بدأت المأساة تطل علينا برأسها ،واستشعرت ذلك من أول يوم، وتشاورت مع زملائي في ومع الناشطين قبل أن تقع الكارثة، ولم يكن أمامنا إلا تصعيد المعارك والتعجل في إسقاط النظام قبل مضي العام الأول ؛لأنه وبصراحة سألني أحد الأشخاص في ٢٠-٣- ٢٠١١ عدة أسئلة منها متى ننتصر؟ فأجبته معنا فرصة سنة واحدة ،فإن لم نسقطه خلال السنة الأولى، فلن يسقط قبل ١٥ عام!
تتساءلون الآن عن هذه الكارثة ؟ بالطبع سأجيبكم:
عندما بدأ النظام بالانهيار خرج الجيل الثاني من الثوار الذين كانوا يكتبون فينا تقارير للأمن بلبس البدلة العسكرية ،وحمل السلاح والادعاء أنهم من أول يوم هم مع الثورة، وأنهم خرجوا لله…
هذا الجيل جاءنا على عجل ليسألنا أين “المصاري”؟ فقلنا لهم أي مصاري؟ فقالوا التي تأتيكم من السعودية ؛فقلنا لهم لم يأتنا شيء ،وان كان أتى شيء ،فهو بسيط جدًا يكاد لا يذكر، فحسب علمي أن إخوتنا الذين في السعودية شكلوا جمعيتين ،إحداها في الرياض، والثانية في جدة ،وبمجهود شخصي يجمعون من “جيوبهم” بعض الأموال التي لا تغني ولا تسمن من جوع..
عندما لم يحصلوا على أموال اتجهوا للتشليح وقطع الطرقات…
اضطررت لفرز مجموعة من الشباب الأوائل لملاحقتهم ،وتخليصهم السرقات وإعادتها لأهلها، ولا زلت أذكر اني أعدت ٣٦ سيارة وأربعة شباب تم اختطافهم!
وبدل أن نكون يدًا واحدة على النظام، بدأ شيء من الصراع بيننا ،وبكل تأكيد تعرضت لمحاولات اغتيال من قبلهم والتشويه والاتهامات، وفي إحدى المرات قالت لي زوجتي انت خرجت ضد النظام وإذا مانلت الشهادة أفتخر بك واصبر واحتسب اما اذا اغتالك اللصوص ،فكيف اصبر فدعهم وشأنهم فقلت لها – والله شاهد على قولي- إن هؤلاء أخطر من النظام على الثورة، والنظام ساقط وان كان أحد سينقذه فهؤلاء!
ومن الطرفة في مذكراتي ؛قسّمت جيل الثورة إلى جيلين ، أما الجيل الأول، فاسميته جيل بدر، وأما الجيل الثاني، فاسميته اسمًا كوميديا باسم جيل وين المصاري؟
وهكذا ، بدأ الصراع بيننا وبدأ النظام يسترد أنفاسه ويلملم صفوفه….

تعليق واحد

  1. بلى انها ذكريات جميلة ومشرفة حقا…نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهيئ لنا أسباب النصر والتمكين فقوى الشر قاطبة تؤيد عصابة الإجرام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

شعب مصر .. بين مواكب ونوائب

د. عطية عدلان مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول الحمد لله .. …