أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الثورة وأغاليط الجبهات المفككة!

الثورة وأغاليط الجبهات المفككة!

مصعب الأحمد

كاتب وباحث وشاعر سوري
عرض مقالات الكاتب

تدور معارك طاحنة في أروقة المجالس السياسية ، والهيئات ، والسهرات الإخوانية ، وكافة وسائل التواصل بين المعارضين الذين يحملون شعارات الثورة، أو يتصفون بها ..
وتبدأ الأمور بتبادل الآراء بالثورة ، لتنتهي بتبادل الآراء بالأم، والأخت، وتليها اللكمات  .
أهل السياسة يتبادلون (القذف) فيما بينهم وهم كما يُتوهم في (خندق واحد) فيرى فريق:  أن الثائر من كان له تاريخ في سجن “تدمر” فحسب ،  وأن صبيان سجن “صيدنايا” لا يحق لهم الكلام في حضرته ، ناهيك عن (رعاع) سجن “عدرا” ..
ولو لقضايا سياسية لا يحق لهم الحضور والكلام .
وأما موقوفو الرأي في أفرع المخابرات ، ولو لسنوات لا يعني ذلك أنهم حصلوا على شهادة مزاولة المهنة ! الثائر عندهم : هو القديم ، وهو الأعرف، والأعقل والأحكم ، والأنضج ثوريًا ، وغيره يجب أن ينصت ويتبع ..
فمقياس الثائر عندهم ( تقدم السن + قدم الزمن الثوري + سجن تدمر   )!
وينظر إلى غيره ولسانه يقول (من أنتم ؟)
كم سنة سجنتم ؟
كم مرة عذبتم ؟
كم فرعًا دخلتم ؟
ما المدة التي قضيتموها بالمنفردة ؟
كم فلقة أكلتم ؟ وكم كفًا صفعتم ؟

ويرى آخرون: 
أن مقياسها شهرة المعارض، وتصدره لوسائل الإعلام، واستطاعته الكتابة بالصحف، أو رصيده الفكري الثوري من الكتب والمقالات ، فينظر إلى حديثي الأسنان، ويخاطبهم كما فعل القذافي  “من أنتم” ؟
كم كتابًا كم مقالًا كتبتم ؟
كم وسيلة إعلام استضافتكم ؟
ما وزنكم عند المستبد ؟
ما قيمتكم عند الظلمة ؟
هل ضربتم فأوجعتم ؟
وإن كنتم مجاهدين، فأنتم بحاجة لأهل السياسة؛ لأنها أهم من جهادكم ، وإن كنتم علماء دين فمكانكم المحراب، والمسجد وهذا يكفيكم ، مالكم وللسياسة ..
بهذا المنطق حتى الأسد، وإيران يعتبران ثوارً؛ ا لأنهم يدعون أنهم يقفون في وجه أمريكا وإسرائيل!! ..
ويرى آخرون:  أن الثورة هي الميدان !
تقاس بعدد المظاهرت ، والسبق إلى الميادين ، وإشعال الإطارات ، والتعرض للخرطوش، أو حتى للسلاح الحي .
وأهل (السلاح) أيضًا لا يقلون عنهم عبثًا  ؟
يرى السابق أن الثائر هو من جاهد، وحمل سلاحًا، وتصدر بصدره للصواريخ، والدبابات فحسب،  وما عداه وإن كان مخططًا، أو معدًا للسلاح، أو صانعًا له، أو طبيب للجرحى، أو حامل للمؤن، لا يعدوا أن يكون بائع كلام وذَنَب ، وأن الفصائل المسلحة تتفاوت تفاوت القمم والرمم ، وسابقيتها بإعلان التشكيل هو الذي يصدرها للكلام ، وأن مقاس ثوريتها يعرف بكم حرب خاضتها، وكم مفخخة فجرتها ، وكم عبوة نسفتها ، وكم بناية أسقطتها  ..
ويرى الآخر أن مناط ذلك الشهداء،  أو أنه ينبغي الانتماء لعائلة ثورية ، وتقاس تلك بكثرة الشهداء، والجرحى الذين قدمتهم العائلة ، وبحسب العدد تقاس المكانة في الثورة !
وأهل العلم الديني(السلطة الدينية ) حصرًا ،  يرون أن أحقيتهم بالثورة، والمعارضة، فرض عين لا فرض كفاية ، وأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وأنهم أهل الاتباع ، وأنهم أحد أركان الثورة ، وكل مجاهد بلسان، أو سلاح عالة عليهم ، وأنهم أول الأمر ومنتهاه ،  وأن كل ثورة لا تبدأ بهم فهي بتراء، وأن كل ذلك تابع لهم، وأن العلم هو الذي يحرك الجميع، وأن الناس بسياسييهم، وسجنائهم ومجاهديهم يجب أن لا يختلفوا في أحقية الثائر ذو (المنشأ الديني) وإن لم يكتب كلمة، أو يحمل سلاحاً!! يكفي أنه (عالم دين ) ينحاز بقلبه، لينال وسام الثورية ويعتبر ثائرًا . ولو لم يحرك ساكنًا، ولم يقل كلمة حق ،وأيضًا يختلفون فيمن هو الثائر منهم ،  فليس كل عالم دين ، فالثائر الأشعري ليس كالثائر الماتريدي ، والسلفي ليس كالصوفي .
ويرى البعض أن الثائر بحق من خرج في حلقات الاتجاه المعاكس ..
ويتعدى اختلافهم في الثورة والثائر إلى اختلافهم في  من قامت عليه الثورة …
فيرى البعض أن الثورة على رأس النظام فحسب،  وأنه سبب الداء ومنشأ الفساد ، وأن ما دونه ناتج عنه (يصلح لمشاركته مرحلة انتقالية)  !!
نعم والله (هكذا يرون )!!
ويرى آخرون أنها على النظام المستبد في بلدنا  فحسب، فلا مانع أن نذل، ونتضعضع، و نضع أيدينا في يد مستبد أكبر كأمريكا وإسرائيل، والغرب، ليخلصنا من المستبد الأصغر !! 
فهل رأيتم ثائرًا أقذر، وأحمق من هذا ؟
وذهب قوم إلى أنها الثورة على كل ظالم في العالم ! لكنهم اختلفوا في تعريف المستبد والظالم .
فيرى البعض أن الظالم الذي يقتل شعبه ويدافع عنهم خير من الذي يقتلهم ولا يدافع عنهم ..
ويرى البعض أن القذافي أحسن من صدام حسين، وأن حافظ الأسد، أجرم من مبارك !!
واختلفوا في الثورة نفسها !! فريق يرى أنها حراك شعبي ، ولم تنضج؛ لتصبح ثورة ! وآخر يعتبرها فورة جوع وألم أسنان ، وآخر يراها ثورة متكاملة الأركان ، وفريق يرى الثورة كفرًا !
إنما هي جهاد وطلب ، وآخر يرى أنها ربيع عربي ويرى آخرون أنها استدراج وخريف وتدمير …

وإلى الله المشتكى ..
اختلاف لا خلاف في أصل تعريف الثورة ، ثم في الثائر نفسه ،ثم في من قامت عليه الثورة ،ثم في أسبابها ، ثم في شروطها ، ثم في الثائر نفسه ، ثم في أحقيته وسابقيته ، إلى آخر تلك الخلافات العقيمة ..
ويا الله :
ترك الناس اللب واشتغلوا بالقشور ، أهملوا الحمار، وجروا على البردعة، طال عليهم الجهاد والعذاب فقست قلوبهم وتشتت صفوفهم ، واختلفت مذاهبهم .
وتحولت المفاهيم من سبيل جمع، وإيضاح، ورص إلى سبيل اختلاف وتفرق وتمزق ..
وليت الأمر وقف عند الخلاف بالمصطلحات، فحسب بل زاد إلى أن وصل الى حد الشتم، فالقذف، فالقطيعة، فالهجر ، فالتحريض، فالإسقاط ، فحمل السلاح على بعضهم، وانتهاك الأعراض، وسفك الدماء . وهم بعد ذلك يقولون نحن (ثائرون) و (مجاهدون )…
بعد هذا العرض الطويل للكارثة التي أو صلتنا لما وصلنا إليه، لا بد من تحقيق المناط ، وتحديد أصل الخلاف ، ومنشأ الغلط وتصور الأشياء ليسهل فهمها …

أما تعريف الثائر :
فهو الذي لا يسكت عن شيء حتى يبلغ ثأره …
تعريف الوسيلة :
الطريقة .. فأي وسيلة مشروعة يسلكها لبلوغ ذلك تسمى وسيلة ثورية، ويسمى صاحبها ثائرًا ..
إذًا فالسياسي ثائر ، والمجاهد ثائر ، والكاتب ، والشاعر ، والخطيب ، والمتظاهر ، وكاتب الرقاع، والكاتب على الجدران ، والصارخ في الفضاءات ، والمغمور بين الصفحات ، وسجين السنين، وسجين الساعة ، والمقدم لشهيد، والمقدم لشهداء، وحتى المؤيد لهم، والمحب  وغير المقدم للشهداء لأنه لم يكتب له ذلك، وهو يريده .
كل هؤلاء ثوار ، وكلهم مجاهدون ما صفت النية، وحسن القصد ..
نعم يتفاوتون في المرتبة والمنزلة، والأسبقية والأحقية، وتختلف المنازل ،وأن مكانته في جاهلية الاستبداد كمكانته في يقين الثورة ..
لكن هذا التفاوت لا يعني إلغاء الآخر، وتقليل أهميته ..
بلغ الأمر ببعض الدراويش أن فضلوا ثائر المدينة على ثائر الريف ، وثائر العاصمة على باقي المحافظات، وثائر النبلاء على عامة الناس ، وثائر المسجد على ثائر غيره ، والثائر ( ابن البلد ) على الوافد الغريب ..
لم يبق إلا أن يطلبوا من المجاهد الوافد كفيلًا.!!  أو استخراج إقامة مؤقتة !
طبقية حتى في الثورة …
فصائلية حتى بين أبناء الفصيل ..
عنصرية حتى في أسباب الموت والسجن ..
سلالية حتى في السجون، والمعتقلات ..
نحن دكاترة في الثورة، وأنت لم تزل سنة أولى ! 
يتحامقون فيقولون :
من أنت حتى تُقتل معنا ؟
من أنت حتى تُسجن معنا ؟
من أنت حتى تَجلس معنا ؟
هذه النفوس الخاوية، والرؤوس الفارغة، والسذاجة العجيبة هي من فرقت كلمة الثائرين وشتت شملهم، وأوهنتهم .. 
الأصل أنهم تساووا في أسباب الموت، فيجب أن يتساووا في أسباب الحياة ..
الإسلام رسخ مبدأ العدالة، والمساواة، وأنه لا عرقية، ولا فصائلية، ولا عنصرية، ولا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، وإن كانت له سابقية، فهي بينه وبين الله لا يزهو بها، ولا يفاخر، ولا يمارس الاستبداد على إخوانه، ولا ينتقص، ولا يخون، إلا بدليل ، ولا يعتدي ولا يبغي ..
وأما (الثورة ) فهي أي طلب ..
طلب الثأر. للدين ،للكرامة ،للحرية،للعدالة ،للقتلى ،للشرف، للمكانة، لأي حق ..
ولو بكلمة على جدار ،أو بإشارة نصر على فيسبوك ، أو بلقمة في بطن مجاهد، أو كلمة في خطبة .
لا يذهب الله تعالى مثقال حبة من ثورة ، ولا ينبغي أن  تحقرن صغيرًا فيها ولو كان ذرة ، فالبعوضة تدمي مقلة الأسد ..
لامزايدات ، ولا مناقصات ، ولا حقد، ولا غل، ولا استكبار، ولا عجب ولا صلف ..
الثورة فكر، والفكر لا يموت ..
لا يموت إلا بموت حامليه ، لكنه يمرض ، ويعلّ ، ويَجرب ، ويعمى ، ويصم ، ويكسر ، وينتهك ، ويسرق ، ويفسد ،ويشتت .. 
الثورة روح تنبعث في الروح، فتهز العقل، وتحول الإنسان من خائف إلى جسور ، ومن ذليل الى عزيز ، ومن تابع إلى متبوع ، ومن عبد إلى حر، وإن عاجله الأجل، ولم يحصد نتاج زرعه، وإن لم ينل أسباب الحرية، فهو حر؛ لأنه عرف الطريق، قديهزم ألف مرة لكنه سينتصر ، وإن لم يفعل فقد أضاء شمعة للأجيال الذين سيحصدون ثمار ثورته  ..
لكل شيء آفة، وآفة الثورات أدعياؤها ، ومنجموها ، ومنافقوها ، والمتذرعون فيها ، والمتاجرون بها والوصوليون، والنفعيون .. ثوار الفنادق الذين يمكن أن يبيعوا الثورة بوجبة كنتاكي ..
هؤلاء أولى أن تقام عليهم الثورة ، وتنظف منهم الصفوف، وتمسح بهم الطرقات  ..
ذروة سنام الثورات ، وتاج قبته (حامل السلاح) ، ولا ينبغي لخطيب، أو أريب، أو سياسي، أو منظر، أو أي أحد أن يرتفع عليه ، أو أن يتقدمه وهم جميعًا عالة عليه .
فكما أنه لا يتقدمه بالآخرة فلا ينبغي أن يتقدمه في الدنيا ..فالجود بالنفس أسمى غاية الجود ..
الأصل أن يكون الاختلاف في الزمن، وطريقة الثورة، وسبيل قيامها، وتنوع مواردها قوة لها واتحاد لا تشرذم، إلا في ثورات اللصوص الذين يتقاتلون على المغنم بعد حصوله و(ثوارنا) يتقاتلون عليه قبل حصوله !!!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

شيء من العشق في زمن الكراهية

أنور الغربي الأمين العام لمجلس جينيف للعلاقات الدولية والتنميةمستشار سابق في رئاسة الجمهورية …