أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / حق العودة، من مذكرات ثائر سوري3

حق العودة، من مذكرات ثائر سوري3

محمد حساني

ناشط ثوري
عرض مقالات الكاتب

اتصل أحد الضباط والذي مازال عند النظام في مكان مهم ،حيث كان يقدم لنا معلومات كبيرة ومهمة جدا ،وكالعادة بطريقة مشفّرة كنا قد تفاهمنا عليها وتطورت ،وأخبرني أن ابني البالغ من العمر سنتين ونصف وأمه سوف يتم ايقافهما على الحواجز لكي أسلم نفسي ،فالأمور إذا ماتدهورت تأتي تباعًا فقبل يومين تم الإمساك بخلية قد اخترقت الثوار، وقد كنت أعرفهم شخصًا شخصًا وللإمانة لم أكن مرتاحًا لهم ،ولكن ليس لدي أي دليل عنهم، وأوصيت الثوار أن يأخذوا حذرهم منهم، فأنا غير مرتاح لهم وبعد التحقيق مع هذه الخلية اعترفوا انهم مكلفون باغتيال خمسة عشر شخصية من قبل المخابرات الجوية بتكليف من العقيد إبراهيم عبدالسلام ؛وأول اسم بالقائمة كان اسمي ثم أسماء أولادي الثلاثة وأولاد إخوتي وعمومتي!
كما ذكرت في المقال الفائت عن الحصار الذي تعرضت له ،وإصابتي فقد كانت تلك الأحداث الثلاثة جاءت متزامنة،هنا درست الموضوع بشكل جيد بحيثياته الثلاث ،وأيضا ضغط أولادي ورفقائهم كان القرار أن أذهب إلى تركيا فترة من الزمن.
عندما تدور العجلة للخلف تتابع المصائب! ففي يوم الخروج إلى تركيا مع ابني الصغير وزوجتي التهبت المنطقة بالكامل ،وغادر الشباب للدفاع عن البلد والمعارك على أشدها حول محيط البلد والخروج خطر جدا ،فكيف أخرج بالطفل وأمه إلى مدينة التمانعة حيث ينتظرني رجل بسيارته سيوصلني إلى تركيا؛ ضاقت بي الدنيا لا أحد يستطيع أن يوصلني، فاحتمال الموت كبير جدًا والرجل ينتظرني ماذا أفعل؟
بعد أربع ساعات من البحث، تطوع شاب أن يوصلني وعائلتي رغم الخطر الشديد
انطلقنا ورائحة الموت تملأ الدنيا ،والطائرات تقصف والمدفعية ترمي حممها ،وأبطالنا الأسود كالبرق يتقافزون من مكان إلى مكان يصدون ويحمون ،ويساعدون ويقدمون أرواحهم ..
انطلقنا وسط هذا المشهد المرعب والقلوب قد بلغت الحناجر، والدم قد تجمد في العروق، لكن تمتمات القرآن والأدعية كانت البلسم الوحيد والباعث على الصبر والمتابعة..
اقترب منا بعض الثوار الذين لا اعرفهم ،وسألونا إلى أين ؟ مع نبرة فيها شيء من التوبيخ ألا ترون الحال فكيف تخرجون الأطفال والنساء ؟! فشرحنا لهم الوضع فتطوعوا مشكورين بإيصالنا وحمايتنا
وصلنا إلى التمانعة ،ووجدنا الرجل بانتظارنا فركبنا وانطلقنا باتجاه الحدود التركية ،ولما وصلنا بالقرب من حزانو، لا حظت طائرة هليكوبتر متقدمة باتجاهنا ،فأسرع السائق باتجاه البلدة ،ونزلنا بسرعة من السيارة ،وابتعدنا عنها مستترين ببعض الجدران.
انطلقنا بعد أن غادرت الطائرة ولما وصلنا قرية تبعد عن الحدود التركية حوالي 10 كيلومتر أو أكثر قليلا وبينما نحن نسير وقد ارتحنا قليلا ،وأصبحنا نشعر ببعض الأمان اهتزت بنا السيارة هزة عنيفة وظننت أن السيارة اصطدمت بحجر لكن تصاعد الغبار خلفنا عرفنا أن الأمر غير ذلك
أطفأ السائق السيارة ،وصرخ بأعلى صوته اهربوا من السيارة الطيارة قصفتنا..
حملت ابني لا أدري كيف وانطلقت بين أشجار الزيتون مختبئًا مع عائلتي والسائق لكن كنا متفرقين عن بعضنا قليلا لكيلا لانموت كلنا …
دارت طائرة الهليكوبتر دورتين ثم غادرت المنطقة متوجهة جنوبًا
ركبنا السياره وانطلقنا إلى باب الهوى ودخلت إلى تركيا مع زوجتي وطفلي إلى بيت المختار ابو خميس، الذي أمن لي- مشكورًا – بيتًا استاجرته في الريحانية ..
دارت بي الدنيا وتزاحمت الأفكار في رأسي وسرحت في عالم الخيال ،وماوصلنا إليه فأنا لم يخطر في بالي يومًا أن أغادر سوريا وبخاصة بعد الثورة ،وكنت أنتظر الشهادة لاروي بدمي ترابها فأنا الذي انتظرت هذه الثورة على الأقل ثلاثين عامًا ولم افرح يومًا في حياتي بشيء ولا حتى يوم عرسي على من أحب كما فرحت بانطلاقة الثورة ،حتى أني أذكر في احد الايام كنت جالسًا في البرية في الشهر الثامن من 2011 وحدي حيث كان الجيش والأمن يريدني حيًا أو ميتًا مما اضطرني للتغيب في البراري وحيدًا اتنقل بين القرى وأعود لمكاني ليلاً
نظرت إلى نفسي والغبار يعلوني، والجوع أخذ مني كل مأخذ ،فكتبت على دفتري بالعامية :
أحمدك ربي أنت أحييت شعبنا بعد ما اليأس راودني
صحت بأعلى صوتي وهليت..
بحوايج الله عليها فطرني
الله سوريا حرية بها ناديت…
ومن فرحتي ردت الكون يسمعني
ولما بشعاراتي انتشيت… كلاب لجهنم باتت تحاوطني
إلى أن أقول:
تحت الشجر شربت اني وتغذيت…
من قليل الزاد الي يصلني
وبحر الشمس ياخوي تاذيت..
وذبان البراري كاد ياكلني
صدق احكي لكم كل ماحسيت…
بفرحة عرس اني وللحبيبة يزفني
صرت حر وصوتي للسما وديت…
ورجع صوتك ياخوي يساندني
هذه قصتي الكم رويت…
حباب قلبي مين عالنصر يعاهدني
كنت جالسًا على الكرسي وزوجتي تعلق الملابس ،لكنها انتبهت لزفراتي، فإذا بي أبكي بكاء أم ذبح وحيدها….
استغربت وتركت مابيدها قائلة لماذا تبكي الحمد لله أصبحنا في أمان وارتحنا من الملاحقات ،وتخلصنا من المجرمين فهل هذا وقت البكاء؟!
استجمعت قواي ومسحت الدموع لكن الحشرجة في صدري كادت تخنقني وقلت لها:
ياخوفي أن يأتي يوم نطالب فيه بحق العودة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

عيد جيش “أبو شحاطة”

معاذ عبدالرحمن الدرويش كاتب و مدون سوري يقول أحد العساكر كنت أخدم سائقا …