أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الفرد والمجتمع والثورة: خمس مقاربات سوسيولوجية في الفضاء السيبيري 1من 2

الفرد والمجتمع والثورة: خمس مقاربات سوسيولوجية في الفضاء السيبيري 1من 2

أكرم حجازي

كاتب وباحث أكاديمي
عرض مقالات الكاتب

مقدمة

ثمة أسطورة إنسانية قديمة لعلها يونانية، على الأغلب، تعتقد أن الكرة الأرضية مستقرة ومتوازنة دون حراك في الوقت الذي ترتكز على قرن ثور واقف، ولكن ما أن يشعر الثور بالتعب أو التململ حتى يأخذ بالتهيؤ لحركة أو اهتزاز ما تخفف عنه وِزر ما يحمل أو يتجه نحو حركة جذرية فينقل الأرض على القرن الثاني لتتسبب بين الفينة والأخرى بوقوع الظواهر الطبيعية المدمرة كالزلازل والأعاصير وغيرها، ولعلها مفارقة أن نقارب حالة الكرة الأرضية، ونحن نعيش ثورات علمية ومعرفية فريدة في التاريخ الإنساني، بأطروحات ميتافيزيقية، أليست الكرة الأرضية مرتكزة اليوم، بما يشبه تبادلا بالأدوار الوظيفية، على جهاز الحاسوب؟ ألا يؤدي خلل تقني أو فني بتوقع كوارث إنسانية بما أن العالم اليوم يجري ربطه من أقصاه إلى أقصاه وحتى ما بين أعماقه الجيولوجية والفضائية بواسطة الحاسوب بما يوحي باضمحلال متغيري الزمان والمكان؟ ولنتساءل ببساطة: ماذا لو توقف الحاسوب عن العمل؟ فهل ستستأنف البشرية حياتها كما لو أن شيئا لم يحدث؟ وإلى أي مدى ستقودنا الصناعات الثقيلة لتكنولوجيا الاتصال والمعلومات؟ أي مجتمع وأي نظام وأي إنسان ستخلفه العلوم الرقمية؟ وما هي مكانة العالم العربي من هذه العلوم؟ الحقيقة أنه ثمة عشرات التساؤلات التي تتدافع مخلفة وراءها فيضا آخر من التساؤلات بلا توقف وبلا رحمة. وقبل الإجابة عن بعضها يحسن بنا تأطير هوية هذا البحث:

  • فهو بحث يندرج في إطار مقولة الباحث الفرنسي جان كلود غيبو المهتم بالعلوم الرقمية والذي يعتبر النشاط الإنساني الرقمي هو عملية تدريب صعبة على المفاهيم الافتراضية التي نعيشها في عالمنا الراهن.
  • كما يندرج فيما يسميه البعض بعلم المستقبليات؛ وهو علم حديث لا شك أن لكل العلوم الأخرى ذات الطابع الإنساني سيكون لها حصة معتبرة فيه وعلى الأخص ما يمكن تسميته بعلم الاجتماع الرقمي في هذه اللحظات الثمينة من الزمن بما أن ما يجري من تحول غير مسبوق في تاريخ البشرية هو نوع مختلف عما أسماه كارل مانهايم في يوم ما من منتصف القرن20 بالقطيعة الابستيمولوجية تعقيبا على حالة البشرية بعد الثورة الفرنسية 1789 والتي غيرت وجه أوروبا والعالم بانتقاله من مراحل التفكير الماورائية إلى مراحل التفكير العقلية واحترام الإنسان كصاحب عقل مبدع ينبغي أن يُدعى للقيام بدوره ومسؤولياته.

          هكذا، على الأقل، فنحن، إذن، على مشارف قطيعة معرفية تامة مع الماضي. فالرقمية، عبر وسائلها التقنية ومناهجها، باتت تشكل منذ الآن الحد الفاصل بين الحاضر والمستقبل، وكما يقول أحد الباحثين: ” فلو تموقعنا في أية نقطة زمنية لاحقة من القرون المقبلة لصار وقتنا الحالي لحظة مرجعية لإحدى أكبر الثورات التي عرفتها البشرية … وشهود عيان لحدث تاريخي اجتماعي عظيم” (محمد اسليم أ rhttp://aslimnet.free.f). ومن المؤكد أن المجتمع وكذا الإنسان القادمين لن يعودا المتغيرين المعرفيين اللذين أنجبتهما عصور الميكانيكا في القرن19 أو الثورات الصناعية والتكنولوجية في القرن20. فمن يكونان إذن؟ وما هو محتواهما؟ وأي مستقبل ينتظر البشرية في العصر الرقمي القادم بسرعة تكاد تلغي الزمن؟

المقاربة الأولى: حالة علم الاجتماع

     منذ ولادة علم الاجتماع الحديث في النصف الأول من القرن19 على يد العالم الفرنسي أوجست كونت مهر علماء الاجتماع في تعريف المجتمع والظاهرة الاجتماعية، ولئن كان لمفكري العقد الاجتماعي رأي في تكون المجتمعات منذ فجر التاريخ فقد حسمت الوضعية ابتداء من سان سيمون وكونت وإميل دوركايم الأمر باعتبار المجتمع ظاهرة طبيعية تتواجد بمعزل عن إرادة الأفراد وتنتج بفعل تفاعلهم وأنماط حياتهم ظواهر يمكن السيطرة عليها بشرط اكتشاف القوانين الخاصة بها. وفي هذا السياق كانت الماركسية محملة بثقل الاقتصاد بوصفه القانون الذي يفسر الصراع الاجتماعي على الدوام وقانون الحالات الثلاث لـ أوجست كونت الذي يفسر مراحل تطور البشرية وانتقالها من نمط تفكير ما ورائي إلى أخر عقلاني وقانون تقسيم العمل الاجتماعي لـ إيميل دوركيم الذي يفسر حالة المجتمعات البسيطة التركيب مقابل المجتمعات المعقدة التركيب. وغداة الكفاح المرير الذي خاضته المدرسة الدوركيمية، لتثبيت علم الاجتماع علما وموضوعا ومنهجا، تطورت النظرية الاجتماعية بمعدل عقد أو عقدين لميلاد النظرية الواحدة أو أقل من ذلك متجاوزة كثيرا الأطروحات الوضعية كما فعلت النظرية الوظيفية التي رأت في المجتمع عبارة عن أنساق تنعم بالاستقرار والتوازن، فالظواهر والبنى الاجتماعية كلها تؤدي وظائف لتحقيق الأمن الاجتماعي، وكذا الحديث عن الصراع الاجتماعي والحاجة إليه لتحقيق الوفاق بتعبير داهرندوف. ومع مطلع خمسينات القرن20 انفجرت سلسلة من النظريات الاجتماعية كتيار علم الاجتماع الدينامي الذي قاده ألن تورين ونظرته إلى المجتمعات من خلال مفهوم التاريخانية التي تميز كل مجتمع سواء كان متخلفا أو متقدما محملة إياه المسؤولية عن اختياراته. وكذلك تيار البنيوية التقليدية وما بعد التقليدية خاصة أبحاث العالم الفرنسي الراحل بيير بورديو.

كل هذه النظريات ظهرت بالتوازي مع التيارات الأنثروبولوجية التي اهتمت بعلم الإنسان وجعلت من ثقافته وعاداته وسلوكياته وقيمه ورموزه موضوعا لها، وتزعمها في حينه كلود ليفي شتراوس وراد كليف براون وبرونيسلاو مالينوفسكي ورالف لنتون وجورج هربرت ميد وتشارلز كولي وغيرهم.

      والحقيقة أن معظم نظريات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا إن لم يكن جميعها بنيت وصيغت على أساس الجماعة وليس الفرد حتى لو كان الفاعل فيها فردا إلا نظرية واحدة نحتها عالم اجتماع فرنسي آخر هو ريمون بودون في أعقاب النقد الذي تعرضت له العلوم الاجتماعية والإنسانية في أربعينات القرن20 والذي قاده آنذاك الفيلسوف الراحل كارل بوبر على خلفية الحاجة إلى التنوع النظري ورفض الأطروحات الوضعية التي تحصر العلوم الإنسانية والاجتماعية في أطر نظرية جامدة تعرقل التطور العلمي والمعرفي. هذه النظرية تعرف بـ” الفردوية المنهجية ” والتي تصر على اعتماد المناهج الفردية في علم الاجتماع وتفصح عن الظاهرة الاجتماعية باعتبارها منبثقة عن سلوك فردي وليس جماعي، إذ إن تفسير ظاهرة معينة يعني الأخذ بعين الاعتبار أنها نتيجة للأفعال الفردية. وهذه الأفعال هي المواقف والآراء والسلوكات (بيار أنصار،1992: 76 و79).هذه النظرية تبدو وكأنها تحاول إثبات ما ذهبت إليه منذ عقود لتقول ها هو الفرد يتمركز الآن في صدارة الفعل والاهتمام في العصر السيبيري CyberAge “.

إن ما نعيشه في أيامنا هذه وسنعيشه في العقود اللاحقة إن لم تكن السنين القادمة هو عصر الإنسان/الفرد والمجتمع الافتراضيين اللذان يمثلان الآن بعضا من أبرز ظواهر العصر الرقمي. لقد خرج مؤتمر مدريد للسوسيولوجيا سنة1994 بنتيجة مؤداها أن السوسيولوجيا في خطر وفي أزمة كونها عاجزة الآن عن ملاحقة التسارع الكبير في التحولات الاجتماعية، فإذا كان كل شيء تغير أو في طريقه إلى التغير فهل سيكون بمقدور السوسيولوجيا ملاحقة ما ينتجه العصر الرقمي من ظواهر تمس صميم السوسيولوجيا كالفرد والمجتمع والعلاقات الاجتماعية؟ بل حتى التراث السوسيولوجي برمته؟ فما الذي باستطاعة السوسيولوجيا أن تفعله في مجتمع يتميز بوقع سريع للخطى غير معهود؟ ونحن في زمن التحول الجذري الذي بات يقاس ببضعة سنين وليس ببضعة قرون، فما الذي تحضر له السوسيولوجيا العالمية لهذا التحدي؟ أم أنها واقعة كغيرها تحت هول الصدمة؟ أسئلة نقترحها للتأمل دون الإجابة عنها في الوقت الراهن.

المقاربة الثانية: ثورات دونها كل الثورات

          اتخذ مفهوم الثورة ومشتقاته السياسية (حركات التحرر الوطني) والعلمية (الحركات الاجتماعية) على الدوام صيغة سجالية ذات طابع أيديولوجي سواء من قبل المنظرين الليبراليين أو من قبل المنظرين الماركسيين. ولكن ثمة إجماع لدى الطرفين لاسيما الأميركي والأوربي- الغربي والشرقي- على أن الثورة هي حادثة اجتماعية يمكن أن يكون لها أثر إنساني ذو بعد تراكمي، وعلى هذا الأساس فالثورة كالعاصفة تقاس بالآثار التي تخلفها على أمة ما ومدى ما تقدمه من إسهام في خدمة البشرية. وبالمعنى المقترح؛ ثمة أربع أو خمس ثورات عالمية هي: الثورة الإنجليزية (1660) التي انطوت على حدث فريد تمثل بمحاكمة الملوك وإعدامهم بواسطة عامة الشعب. والثورة الأميركية (1775) التي استنت قاعدة جديدة في العلاقة بين الحكام والشعوب” لا ضرائب بلا تمثيل. والثورة الفرنسية (1879) التي جاءت بميثاق حقوق الإنسان والمواطن والذي أصبح ميثاقا عالميا. والثورة الشيوعية في روسيا(1917) التي شددت على أن المساواة السياسية بمعزل عن المساواة في فرص الحياة تعني أنها مجرد حق. والثورة الصينية (1949) التي قدمت فئات الفلاحين كرواد للنضال والحرب الشعبية طويلة الأمد(عبد الوهاب الكيالي،1986، سعد الدين إبراهيم وآخرون،1982: 8).

          ومن الملاحظ أن كل واحدة من الثورات المذكورة مثلت واقعة اجتماعية وتاريخية وقومية ذات بعد إنساني ولكن تراكمي، وهذا يعني أن التغير الواقع هو تغير محدود، أي أن قيمته تتحدد بالإضافة إلى قيمة ما سبقه من تغيرات. ومع ذلك ظلت هذه الثورات متنافسة ومتخاصمة أو متجاورة في أحسن الأحوال ولم تمتزج في يوم ما بالرغم مما قدمته من مكاسب ومنجزات إنسانية جذرية للمجتمعات المتقدمة ونسبية للمجتمعات المتخلفة.

          وفي إطار ثورة العلوم الرقمية أو ما يسمى بالفضاء السيبيري “CyberSpace”  فنحسب أن هذا المفهوم تغير تماما وإلى غير رجعة. صحيح أن الثورات العلمية أشمل وأبعد تأثيرا من الثورات السياسية والاجتماعية وبالتالي يصعب المقارنة بين العلمي والسياسي، ولكن ما نحن بصدد الشهادة عليه في المستقبل القريب أننا نعيش ثورة هي الأشمل إنسانيا والأشد وقعا على الحضارة من أية ثورة سابقة علمية كانت أو سياسية أو النوعين معا حتى لو كانت الثورات الراهنة تشي باستحضار بعض ملامح القرون الماضية أو حتى تطويرها لميراث بغيض. فآثار الثورة الرقمية في طريقها إلى القضاء تماما على المفاهيم التقليدية والتي من بينها مفهوم الثورة ذاته لأن منجزاتها لم تعد تقاس لا بالحقوق ولا بالمكتسبات ولا بحجم مساهمة هذه الثورة أو تلك في تيسير الحياة الإنسانية وتحقيق سعادة الإنسان بل بتغير حضاري جذري على مستوى الإنسانية برمتها لا على جزء منها وكأننا على أبواب خلق جديد إما أن ننجح في معايشته وإما أن نسلم للأجيال الجديدة من الخلق الجديد.

          وعلى هذا الأساس فـ ” مصطلح ثورة المعلومات ليس هو ذلك المصطلح الذي يمكن الحصول على تعريف له بالسهولة التي يمكن أن تحدث بين الآلية التي يعمل بها … وبين الفهم الإنساني لهذه الآلية، وبحيث يتوافق … مع الطبيعة الثورية فيه. ولذلك سبب … ممثل في مقياس الثورة التي جلبتها التقنية على البشرية بحيث اندفعت المعلومات… في طريق أو منطق اللاعودة …” (عمر بن يونس ب، 2004: 15).

          ومن المؤكد أننا في مرحلة الانفجار العلمي بمستوى يفوق حصيلة كل خيالنا العقلاني الذي سبق وأن خلفته الثورات العلمية التي أعقبت الثورة الفرنسية 1789، وبمستوى من ” العمومية بحيث يكتسح بشكل كامل المجتمع الإنساني جميعه، … فـ، ثورة تكنولوجيا المعلومات ]هي[ ثورة لا ينتهي مدها الثوري عند نقطة أو مرحلة معينة ” (عمر بن يونس أ، 2004: 54-55 ) ، ببساطة لأنها لا متناهية ولأنها، وهو الأهم، ليست الوحيدة. ففي مقالة ثمينة لـ جان كلود غيبو يسبر فيها خطرا محدقا في الإنسانية ولاسيما في العالم الثالث جراء تفاعل ثلاث ثورات جديدة خارقة في عبورها للزمان والمكان، وهي:

  1. ثورة العولمة، وهي الثورة الاقتصادية التي بدأت منذ القرن19 وانفجرت بعد انهيار الحرب الباردة والتي استطاع فيها الاقتصاد العالمي الإفلات من السلطة السياسية والركون فقط إلى معايير السوق.
  • الثورة المعلوماتية(الرقمية)، وهي الثورة التي سيهاجر فيها العالم إلى الفضاء الافتراضي أو الحيز الذي ولدته العلوم الرقمية مولدا قارة سادسة تنضاف إلى القارات الخمس.
  • الثورة الجينية، أو الهندسة الوراثية (جان كلود غيبو أ، 2000) والتي ولدت في في أعقاب الإعلان العالمي عن اكتشاف خريطة الحياة ( DNA ) أو أسرار الجينوم. ولنتبين أهمية هذه الثورة لنقرأ الفقرة التالية في مقدمة مؤلف “العصر الجينومي“:

” في الخامس عشر من فبراير 2001م أنجزت البشرية أهم وأدق مشروع في تاريخها الطويل، هذا الإنجاز الذي يتعلق بسر الحياة ويصف الحروف التي كتبت بها قصة حياة كل فرد من أفراد المجتمع الإنساني ويكون الإنسان ولأول مرة في تاريخ وجوده قد ألتفت إلى نفسه للتعرف عليها والغوص في أعماقها”. ومن طرائف هذه الثورة ما ورد في الفصل الرابع حيث نقرأ:

” من مشروع الجينوم البشري يبدو واضحاً أن البشر يتطابقون وراثياً فيما يعادل 99.9% ونقاط الاختلاف هي 0.1% فقط وهذا يعني أن هذه النسبة البسيطة في الاختلاف بالأحرف التي تشكل مادة الـ(د. ن. أ) هي التي تؤمن وتسبب التنوع الكبير في جماعات وأفراد الجنس البشري” (موسى الخلف، 2003).

  • وهناك ثورة رابعة يقول غيبو: أن أحدا لم يسمع عنها وسيباشر العمل فيها بعد خمس عشرة سنة وهي ثورة ” النانو تكنولوجيا “. هذه التكنولوجيا سوف تمنحنا قدرة التأثير على المادة بذاتها، أي اللعب بجزيئياتها وإعادة صوغها وابتكارها … إن هذه الثورة الرابعة ستكون صادمة أكثر من الثلاث الأولى(جان كلود غيبو ب، 2003).

وفي نقده لهذه الثورات، خاصة الثلاثة الأولى منها، يلحظ غيبو أن مشكلتها تكمن في كونها جميعا في حالة تفاعل وليست مستقلة كما أنها محكومة بقوانين السوق المدمرة التي تجعل من المادة بديلا عن أية قوانين أخلاقية، فهي غارقة بالمال وللمال ومن أجل المال. وفي تمثيله لبعض صور التفاعل هذه يتحدث عن ظهور ملمح يعيد الإنسانية إلى بعض ظواهر القرن التاسع عشر ويؤشر على تراجع تاريخي في مسيرة البشرية يتمثل بإعادة إنتاج أنماط السيطرة التقليدية وأن يبرر التخلي عن الديمقراطية ويؤسس لنزعات مضادة للإنسانية كعودة الاستعمار والعنصرية. وفي نفس السياق يطرح الباحث عدة تساؤلات تهم العالم الثالث على وجه الخصوص من نوع:

  • ألا تشجع التقنيات الإحيائية حاليا الفتح الاستعماري المتجدد؟
  • ألا تنتج الهندسة الوراثية مع معدلات نموها وتقدمها النموذج “السوي” المفترض عنصرية من النوع الثالث؟” من خلال التدخل في الجينوم وإجراء التعديلات المرغوبة؟
  • ·  “ألا يمكن أن تعيد فرضية الاستنساخ البشري اختراع مقولات فكرية للعبودية؟
  • ألا تهدد هذه الوضعية بالقضاء ليس فقط على الديمقراطية بل على إنسانية الإنسان؟” خاصة بعد تحويله إلى مجرد مادة يجري التلاعب بها بمقتضى قوانين السوق؟

          وبعد أن يفصل القول في بعض هذه التساؤلات يجيب بل تردد: “العالم الثالث مهدد بميراثه الجيني المادي” (جان كلود غيبو أ، 2000). ويلاحظ غيبو أيضا أن البشرية كانت تحتاج إلى قرنين أو ثلاثة قرون للتغير الجذري ولكننا اليوم لا نحتاج لأكثر من عقدين وهو ما يؤشر على حالة الرعب والصدمة التي تصيب الناس من السرعة التي يجري بها التغير (جان كلود غيبو ب، 2003).

وفي واقع الأمر فما يبدو عصيا على الفهم والتصور ومثيرا للدهشة والصدمة ليس التحول بحد ذاته، وهو ما اعتادت عليه البشرية بقليل من الألم، ولا بسرعة التحول فحسب بل بمحتواه الذي يحتاج “إلى جيلين من الزمن كي نستوعبه” (جان كلود غيبو ب، 2003). وهذا التوصيف يُقدَّم لنا في الوقت الذي يتحفنا أحد رواد العلوم الرقمية بالقول: “أننا ما زلنا منها في مرحلة نزع القشرة”؟ (مصطفى أبو لبدة، 2004). فما الذي نستطيع تصوره لما نلج لب هذه العلوم؟ إذ حسب دراسة أعدتها جامعة بيركلي فإن ما ينتجه العالم سنوياً من أفلام ومطبوعات ومواد بصرية والكترونية يبلغ ما يعادل 5.1 بليون جيجابايت، أي ما يعادل 250 ميغابايت لكل شخص. ويساوي ذلك كومة ارتفاعها عشرة أمتار من الكتب لكل رجل وامرأة وطفل على سطح هذا الكوكب (أحمد مغربي،2003). المشكلة أن ما نحن في انتظاره أعظم من قدرتنا على التخيل، إذ يشير تقرير علمي سري قدم إلى الحكومة الفرنسية إلى أن طاقة الكومبيوتر ستتضاعف في السنوات القادمة إلى مليون أو مائة مليون مرة(جان كلود غيبو ب، 2003). فأي محتوى كامن لهذه الثورة التي نعيش بواكيرها؟

المقاربة الثالثة: مفهوم الرقمية” الديجيتال”

          لعل مقاربة إجرائية قد تتيح لنا فهم مضمون الرقمية على نحو ما. ففي إطار مفهوم المادية التاريخية الذي صكه كارل ماركس لفهم حركية التاريخ والمجتمع افترض وجود بنيتين إحداهما تحتية تشمل قوى الإنتاج والأخرى فوقية تمثل كل ما تفرزه البنية التحتية من علاقات إنتاج تتمظهر في الأفراد والجماعات والمؤسسات والأفكار والمعارف والفلسفات …إلخ بمعنى أن الحراك الاجتماعي يقع حصرا ما بين تفاعل هاتين البنيتين.

وما لدينا عن الرقمية يكاد يطابق ما فكر به كارل ماركس منذ زمن، بيد أن الاختلاف يكمن في اللغة المستخدمة، ففي حين تتواصل الإنسانية وتبني حضارتها بمنطق لغة الحروف والأصوات وما تخلفه من دلالات ومعاني ورموز وتصورات وتأويلات وتفسيرات وتنوع في المعنى فإن أجهزة الحاسوب على تنوعها واختلافاتها وتطوراتها إنما تشتغل بمنطق لغة الأرقام المجردة. فلغات الحاسوب في حالة الاتصال هي ” أوامر يستقبلها ثم يحولها إلى أرقام بدء من مرحلة 0 – 1 وصولا إلى نظام الـ Bet / Byte /  Mbyteو GByte، وفي حالة الإرجاع هي استقبال المعلومات في هيئة لغة يتعامل بها ويفهمها البشر” (عمر بن يونس أ، 2004: 33-34) الذين يبدو أنهم” يفضلون استخدام الحروف لكونها أبسط كثيرا في التعامل مع الذاكرة الإنسانية… في حين تفضل الحواسيب التعامل مع الأرقام أو أنها هي اللغة التي تفهمها بدقة متناهية” (عمر بن يونس أ، 2004: 51 /الحاشية2 ).بمعنى أن الأوامر التي تعطى للحاسوب بواسطة الحروف يترجمها هذا الأخير إلى أرقام تمثل نظائر للحروف وليست الحروف نفسها (حنا جريس وآخرون،2004: 130 ). فالرقمية هي إذن اشتغال بموجب نظام صارم 0 -1… ليس فيه للوسطية أو المرحلية أو التدرجية أي معنى أو حضور، وليس فيه تأويلات ولا تفسيرات مرنة فكل عمليات الحراك الاجتماعي والعلمي والمعلوماتي والأخلاقي والإنساني من غير المسموح لها أن تتحرك ولا حتى في نطاق الصفر – واحد، بل أن كل النشاطات الثقافية والاقتصادية والسياسية والمعرفية تنتج حاليا على قاعدة الصفر – واحد لتكون مخرجات هذا النظام الشاهد على البواكير الأولى لحضارة إنسانية غير معهودة.

          ولو أسقطنا هذا النظام الرقمي على الحيوية الاجتماعية أو على مكونات “الحقل الاجتماعي” بتعبير بيير بورديو لتبين لنا أن ما هو متاح لنا غير قابل للتعديل أو التبديل أو التحريف أو العبث الأيديولوجي، فالحيز المتاح ليس غامضا ولا عاطفيا ولا يقبل المساومة ولا التدخل في طريقة الاشتغال، فهو إما أن يشتغل دون عوائق تذكر( on) وإما أن يتوقف كذلك ( off). هذا هو الاختيار الموضوع بين أيدينا وأمام ناظرينا للتفاعل مع كل الموجودات والتصورات والأخلاق والقوانين والعلاقات والتركيبات الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية والفن والجمال والطبيعة والمدينة والحي والدولة والمجتمع والأفراد والجماعات والسلوكات والمواقف والآراء والمعتقدات وأنماط التفكير والعلم والمعرفة.

 وبتعبير عالم الاجتماع الألماني جورج زيمل، فإن كل الأشكال الاجتماعية وما يمكن اعتباره منذ اللحظة تقليديا ستتغير أو تتكيف مع المنهجية الرقمية للحياة في كل انسيابيتها، بل أن كل فعل اجتماعي بحسب تعبير ماكس فيبر سيتحول إلى فعل رقمي إن عاجلا أم آجلا. وبتعبيرات الوضعية بدء من أوجست كونت ومرورا بـ، إميل دوركايم وانتهاء بـ، مارسيل موس فالكلية الاجتماعية في طريقها إلى التعبير عن ذاتها بمنهجية رقمية.

 وفي مثل هذه الوضعية حيث تهيمن علوم الرياضيات على كافة مناحي الحياة وتثبت المرة تلو المرة أنها أم العلوم قاطبة ماضيا وحاضرا ومستقبلا ستغدو الرقمية منهجا لقراءة مختلف الأفعال والسلوكيات والمنجزات والأفكار وكل الظواهر الاجتماعية والإنسانية فردية كانت أو جماعية. فالتخلف بمختلف مظاهره، وعملا بدقة الأرقام وحياديتها الصارمة، سيقع في خانة الصفر(off) بينما يوضع التقدم في خانة الواحد (on)، وكذا الأمر لو عاينا مقولات من نوع اجتماعي أو سياسي أو فكري أو حضاري كالأسياد والعبيد والفكر الميتافيزيقي والعقلاني أو الثورة والاستعمار أو الضعف والقوة، وفي هذا السياق من العقلية الرقمية ستغدو مقولات شهيرة مثل مقولة شكسبير( نكون أو لا نكون) وديكارت ( أنا أفكر إذن أنا موجود) وتصريح الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش بعد هجمات 11 سبتمبر على نيويورك وواشنطن ( إما معنا أو ضدنا) هي، بامتياز، مقولات ذات طابع رقمي.

المقاربة الرابعة: الإنسان الافتراضي

يبدو الإنسان، بفعل سطوة العلم والتحول المستمرين، هو الوجه الآخر للمجتمع. وكلاهما مجرد ظاهرة نمطية قابلة للتشكل. ففي كل نمط اجتماعي اقتصادي في التاريخ الإنساني كنا نلحظ تلازما بين الفرد والمجتمع القائم، ففي المجتمع البدائي كان يقبع إنسان الصيد الخائف والمتوحش في نفس الوقت، ثم خلَّف المجتمع الإقطاعي- الزراعي الإنسان العبد، أما في المجتمع الصناعي فكان الإنسان الميكانيكي الذي يهتم بالتراكم الرأسمالي والعلمي ويستعيض عن قوته الجسدية بقوة الآلة، أما في مجتمع الثورتين الصناعية والإدارية  في خمسينات القرن العشرين فقد ظهر الإنسان المنظم، وما هي إلا بضعة سنوات بالكاد تصل إلى العقد حتى ظهر الإنسان الصناعي المبرمج ثم تلاه الإنسان التكنولوجي وما بعد التكنولوجي وها نحن في عصر الإنسان الرقمي ومجتمع المعلومات. فهل يمكن القول أن ” الإنسان الأخير” قضى على أطروحة المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما في كتابه الشهير ” نهاية التاريخ والإنسان الأخير“؟ أم أنه هو ذاته الإنسان الافتراضي الذي روج له؟

          لعله هو ذاته. وهو كالمجتمع أحد منتجات العولمة، وها هو فوكوياما يدلل على ذلك بمقالة حديثة له يقول فيها: ” قبل 10 سنوات جادلت بأننا بلغنا “نهاية التاريخ” ولم أعلن بذلك أن الأحداث التاريخية قد تتوقف لكن ما عنيته هو أن التاريخ الذي يفهم على أنه تطور المجتمعات الإنسانية من خلال أشكال مختلفة من الحكومات قد بلغ ذروته في الديمقراطية الليبرالية المعاصرة ورأسمالية اقتصاد السوق” (فرانسيس فوكوياما، 2001). ولكن موقع هذا الإنسان لا تعني ماهيته حصرا فمن يكون؟

الإنسان الافتراضي هو ذاك الفرد الذي يقبع خلف جهاز الحاسوب في غرفة أو مكتب أو سيارة أو قطار أو طائرة أو مقهى انترنت متصفحا ومتجولا في أنحاء العالم والمواقع ومتواصلا مع عالم من الأفراد والجماعات والمؤسسات يفاوض ويحاور ويفتش عن المعلومات والمعرفة ويقضي احتياجاته دون أن يتحرك من مكانه. إنه بالحقيقة السيبيرية:

 “ أشبه ما يكون بالبرنامج الإلكتروني، فهذا الإنسان سيأكل ويشرب ويحب ويضاجع بطريقة رقمية، وهو سيعيش في مجتمع رقمي بالكامل، وسيعيش في مدينة مفترضة هائلة الضخامة مدينة واحدة تشمل العالم كله، وهذه المدينة موجودة في الخيال فقط، وهذا الإنسان لن يضطر أنْ يذهب إلى مكاتب ليزاول عمله، ولن يضطر للذهاب لمحلات تجارية ليشتري منها ولا إلى مطاعم ليأكل بها ولا إلى سيارات ليتنقل بها ولا إلى نواد اجتماعية ليقابل أصدقاءه بها… هذا الإنسان لن يضطر للذهاب إلى أي مكان، وذلك لأنه ببساطة موجود في كل مكان …

    وسيصبح الإنسان الواقعي موضع تندر وسخرية عندما:

 “سيجلس هذا الإنسان (الافتراضي) يوما ليكتب، أو يدردش مع أصدقائه ليقول، تصوروا أنّ إنسان الزمن الماضي كان يضطر للصحو في الساعة السابعة من صباح كل يوم ليذهب إلى عمله، وكان يضطر أنْ يذهب إلى ما كان يسميه بالسوق التجاري ليشتري ملابسه منها، ويضطر أنْ يذهب إلى ما كان يسمى بالمطعم ليأكل وفي المساء يذهب لمبنى يعرف بالنادي ليقابل أصدقاءه. تصوروا؟” (محمد سناجلة، www.almashreq.org) (1).

وفي واقع الأمر هذا هو الإنسان الواقعي ولكن ما يجعله الإنسان الافتراضي هو تفاعل الآخرين معه على الرغم من عدم معرفتهم به، فهو عبر تقنية الإنترنت شخصا ما مفترض وجوده بالنسبة للآخرين. فهو إذن ذلك الإنسان الذي ” يتم سحب البعد الواقعي عنه والذي يحصره في الزمان والمكان إلى بعد آخر هو البعد الافتراضي الذي يقيم فيه داخل الآلة وليس خارجها … هو الإنسان الذي يتحول الجسد فيه إلى ما يشبه النص المتشعب من خلال تواجده في الزمان والمكان” (محمد اسليم أ، مرجع سابق)(2).

          تذكرنا حالة هذا الإنسان بوضعية عالم الجن وتحديدا عالم القصص القرآني خاصة قصة النبي سليمان والهدهد وعرش ملكة سبأ وقدرة عفاريت الجن على تنفيذ مهمات وتقديم خدمات عبر حوار تنافسي أساسه العلم ومفاعيله عابرة  للزمان والمكان: ” قَالَ يَا أَيُّهَا المَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ {38} قَالَ عِفْريتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ {39} قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ …{40}” ( سورة النمل). ففي هذه الآيات الكريمة يبدو أن الزمان والمكان قد توحدا تماما، وهذا ما تقر باحتمال وقوعه أحد قوانين النظرية النسبية وهي تتحدث عن السرعة المطلقة والسرعة النسبية.

أما في عالمنا الذي نفترض أنه لما يزل واقعيا بعد، وفي مقاربة من نوع مختلف، فالإنسان الافتراضي يتنقل عبر أرجاء الكرة الأرضية بسرعة الضوء بحثا عن المعلومات تماما كما هو حال الجان وهو حال يدعو للفزع مما يسميه البعض بعنف وإرهاب المعلومات (نبيل علي وآخرون، 2004)، وهي وضعية تدفع الإنسان الواقعي إلى الإمعان في التخوف من سحب كلي للواقع والتساؤل عما إذا كنا تحت تهديد تلاش تام للثقافة وحتى للهوية القومية؟ أو أننا أمام نوع من التلاشي الكوني كما يوحي به بودريار؟ أو ابتلاع رهيب للزمان كما أعلن عن ذلك بول فيريللو منذ سنوات عديدة؟ (محمد اسليم أ، مرجع سابق) لعل التساؤلات المشحونة بعاطفة الخوف الشديد باتت مشروعة كونها لا تغفل في سياق آخر التساؤل عن مصير الموجودات البشرية الحضارية التي استوجب الوصول إليها آلاف السنين فما هو مصيرها؟ هل هي المتاحف الجديدة للحضارة الإنسانية؟

إن مشكلة الإنسان الأخير تكمن في إرهاصات حضارة جديدة لعله لم يع بعد دوره وماهيته فيها ولا غايته، وهو على العكس من نهايته يبدو في معطيات الزمن القادم مجرد إنسان بدائي متماهيا إلى حد كبير مع نظيره التقليدي. فالإنسان الواقعي وهو في حالة الدفاع عن الذات غدا في موضع تساؤل عما إذا كان يسير على طريق  الزوال ومن ورائه الإنسانية برمتها والتي بات البعض يبحث في مصيرها وماهيتها الجديدة في ضوء التقنية وتقدم العلوم الطبية، فهو في كل الاعتبارات والتصورات إنسان خاضع للآلة وللفعل الرقمي الذي يتيح له كل شئ وبما أن الرقمية هي لغة برمجة في واحد من مناحيها فربما يتحول الإنسان إلى كائن مُبرمَج صاغر تقوده الرقمية إلى حيث تشاء تشكيله، وهو بهذا المعنى جاهل بل غارق في الجهل مسيطَر عليه وهو ما كان قد حذر منه عالم الاجتماع الألماني هربرت ماركوز في النصف الأول من القرن20 من خلال كتابه ” الإنسان ذو البعد الواحد” حينما رأى في الإنسان القابع ساعات طوال خلف الآلة مجرد عبد لها أبعد ما يكون عن العلم بأسرار الجسد، أي الحياة ومضامينها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

تجديد الخطاب الدّيني: مؤامرة متجدّدة لتحريف صحيح العقيدة5 من 6

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. .المعادلة الصَّعبة في تطويع …