أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / مناقشة مقولة : الإسلام لم يحدد نظامًا للحكم ! 3من 3

مناقشة مقولة : الإسلام لم يحدد نظامًا للحكم ! 3من 3

د. عثمان محمد بخاش

باحث في الفكر الإسلامي والقضايا المعاصرة
عرض مقالات الكاتب

عود على بدء:دوائر الاستعمار هي مصدر الشبهات المثارة

كيف نفهم هذه الشبهات التي تتحرك من حين لآخر؟ كان علي عبدالرازق  أول من تجرأ على فرية نفي وجود نظام حكم في الإسلام في كتابه (الإسلام وأصول الحكم) وتساءل:”إذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أسّس دولة سياسية، أو شرع في تأسيسها فلماذا خلت دولته إذن من كثير من أركان الدولة ودعائم الحكم؟ ولماذا لم يعرف نظامه في تعيين القضاة والولاة؟ ولماذا لم يتحدث إلى رعيته في نظام الملك وفي قواعد الشورى؟ ولماذا ترك العلماء في حيرة واضطراب من أمر النظام الحكومي في زمنه؟؟ ولماذا ولماذا؟ نريد أن نعرف منشأ ذلك الذي يبدو للناظر كأنه أبهام أو اضطراب أو نقص، أو ما شئت فسمه، في بناء الحكومة أيام النبي ﷺ، وكيف كان ذلك وما سره؟”

وهكذا خلص عبدالرازق إلى أنّ الإسلام بريء من السياسة، وأنه لم يأت بنظام للحكم، ولا علاقة للشرع بمعالجة شؤون الناس والمجتمع والدولة،فيقول:”هيهات هيهات، لم تكن ثمة حكومة ولا دولة، ولا شيء من نزعات السياسة, ولا أغراض الملوك والأمراء([1]) ….”والحق أنّ الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيئوا حولها من رغبة ورهبة ومن عزة وقوة. والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة. وانما تلك كلها خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وانما تركها لنا لنرجع فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة”([2]).

وقد أحدث  هذا الكتاب جلبة مدوية في الوسط الفكري والسياسي حين صدوره (1925) ما دفع بهيئة علماء الأزهر لمحاكمة عبدالرازق، و”قد تمت مواجهته بما هو منسوب إليه في كتابه، واستمعت المحكمة لدفاعه عن نفسه، ثم وقد أعلن شيخ الأزهر محمد أبو الفضل بعد المحاكمة من قبل الهيئة طرد علي عبدالرازق من زمرة العلماء: «حكمنا، نحن شيخ الأزهر، بإجماع أربعة وعشرين عالماً معنا من هيئة كبار العلماء بإخراج الشيخ علي عبد الرازق أحد علماء الجامع الأزهر والقاضي الشرعي بمحكمة المنصورة الابتدائية الشرعية ومؤلف كتاب(الإسلام وأصول الحكم) من زمرة العلماء»([3])، كما حكم مجلس تأديب القضاة الشرعيين بوزارة الحقانية(العدل) بالإجماع بفصله من القضاء الشرعي”([4]).

ورغم أن قرار مشيخة الأزهر بالتصدي لفرية عبدالرازق جاء صادما له منعه عن المضي في غيه طيلة حياته، إلا أن دوائر المستشرقين تكفلت بالترويج لمقولته تحت اقنعة شتى وعلى لسان عدد من “المفكرين” المنضبعين بسمومها. وهكذا حاول بعض الأفراد هنا وهناك بعث فرية عبدالرازق([5]).

 و قد أثبت الدكتور محمد عمارة([6]) أن طه حسين ساهم في صياغة كتاب الاسلام وأصول الحكم. بينما ذهب آخرون إلى نشر مقولة إن الإسلام إنما جاء بقيم عليا و مثل متى تحققت فيصح اعتبار النظام السياسي، مهما كان شكله ولونه وخلفيته الايديولوجية، “نظاما إسلاميا” يحقق مقاصد الشريعة.

ولعل أول من عمل على “تأصيل” هذا الزعم الفاسد الدكتور عبدالرزاق السنهوري في أطروحته للدكتوراة في جامعة ليون الفرنسية (1926) بإشراف استاذه المستشرق إدوارد لامبير.وقد قدم السنهوري القول باستحالة إقامة دولة الخلافة اليوم، دون أن يبين أي سبب لهذا الإدعاء، واتخذ ذلك ذريعة للدعوة  إلى”إقامة نظام إسلامي يراعي الواقع  وحالة الضرورة للظروف التي يمر بها العالم الإسلامى حاليا”، فهذا قول خطير يفضي إلى تعطيل أحكام الشرع. فالسنهوري بدأ بمقدمة تعريف “الخلافة الكاملة” أي الخلافة الراشدة، ثم وصف العهود التي تلت عهد الخلافة الراشدة ب”الخلافة الناقصة”، حيث ضخّم عيوبها باشكال شتى، ليبرر النتيجة التي خلص إليها بأن استحالة إقامة الخلافة الراشدة اليوم، والتي كررها عشرات المرات في اطروحته([7]) ،هي ضرورة تبرر القبول بإقامة دولة وصفها ب”الخلافة الناقصة”، مؤقتا بينما يبقى الأمل والطموح دوما باستعادة “الخلافة الكاملة” مع الزمن، أي تبقى الخلافة الكاملة حلما طوبايا يتيه في مدافن التاريخ والمستقبل المغيب، بينما يرتع المسلمون في حمأة القوانين والدساتير الوضعية التي كرس السنهوري، بإشراف شيخه واستاذه المستشرق الفرنسي ادوارد لامبير عمره في اقتباس القانون المدني الفرنسي وتكريسه في صلب الدستور المصري ثم استنساخه في بقية الدول العربية من العراق الى سوريا والكويت والاردن…ولم يغفل السنهوري عن أن يُفرغ تصوره  الخلافة_السراب من مضامينه الشرعية بالدعوة إلى إنشاء هيئة كهنوتية تكون اهتماماتها بالاشراف على الطقوس الكهنوتية والشعائر التعبدية التي تجعل من الإسلام صنوا للكهنوت النصراني المفرغ من أي علاقة بشؤون الحكم في الدولة  والمجتمع التي تخضع لسلطة زمنية لا تختلف بشيء عن نظم وشرائع ملل الكفر.

ومفهوم الخلافة الذي طرحه د. محمد عمارة مقتبس من رؤية د. السنهوري  كما صرح بأن السنهوري هو صاحب فكرة “رابطة الشعوب الإسلامية” المشابهة لتجربة الاتحاد الاوروبي، التي يراها عمارة بأنها تشكل صورة الحكم الإسلامي المنشود اليوم([8]).

وقد أكد السنهوري مرارا وتكرارا في ثنايا اطروحته للدكتوراة أن تطبيق الشريعة أمر دونه عقبات كأداء لا تكاد تنتهي. فلا عجب أن أشاد به استاذه المستشرق الفرنسي ادوارد لامبير في المقدمة التي كتبها للأطروحة:”لقد أجاد السنهوري في الإشارة إلى آثار “مبدأ الضرورة” في تطور “النظرية القانونية للخلافة.([9]) وقد قرت عينا لامبير بالتلميذ النجيب، وعبر عن ذلك بقوله: “لقد  وجدت ضالتي المنشودة أخيرا، على يد السنهوري، وهو من أنبغ تلاميذي الذين درست لهم خلال حياتي العملية كاستاذ، إنه تلميذ قد أثبت فعلا أنه جدير بأن يكون استاذا”.([10]) وقد اعترف التلميذ النجيب بفضل استاذه عليه :” اذا كنت حققت نجاحا في هذا الصدد، فإنني مدين بالفضل في ذلك إلى التوجيه المستنير والنصائح الحكيمة لأستاذي البروفسير ادوار لامبير”.([11]فهذا “الشبل المتغرب” من ذاك “الأسد” الصليبي.

أما مقولة  إن “الشريعة الإسلامية لا تفرض شكلا معينا لنظام الحكم وإنما حددت مبادئ ومقاصد، فكل نظام تتوفر فيه المبادئ والمقاصد الثلاثة المميزة للخلافة فهو نظام شرعي وصحيح؛ فالمقاصد هي: (وحدة الأمة، وتكامل دار الإسلام، والتمسك بحاكمية الشريعة الإسلامية في الأمة والدولة معا)، فتنم عن جهل فاحش في طبيعة نظام الحكم في الإسلام. ولا يُقبل التأويل المطروح أن الإسلام قدّم مثلا عليا ومقاصد متى تحققت في أي نظام فهو نظام شرعي وصحيح.  فهذا خلط وتلبيس على الناس لنشر مفاهيم الحضارة الغربية.

كما لا يصح الاحتجاج بأن القرآن الكريم  لم يحدد نظاماً معيناً للحكم لما بعد وفاة الرسول ﷺ ، وإن الرسول لم يحدد طريقة لاختيار من يتولى الأمر من بعده، بل يفيد هذا تقرير قاعدة من قواعد نظام الحكم في الإسلام: السلطان للأمة، فنظام الحكم هو الخلافة القائمة على البيعة من قبل الأمة لشخص الحاكم. ويعود للأمة انتخاب الحاكم الذي تراه أهلا للقيام بشؤون الحكم. وهذا ما جرى عليه الصحابة الكرام في عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم اجمعين.

   ثم إني أتساءل: كيف تتحقق “المقاصد الثلاثة المميزة للخلافة …وهي: (وحدة الأمة، وتكامل دار الإسلام، والتمسك بحاكمية الشريعة الإسلامية في الأمة والدولة معا)؟ هل تتحقق وحدة الأمة إلا بمبايعة خليفة واحد تطبيقا لقول الرسول ﷺ:” إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما”، وغيره من النصوص الواردة عنه ؟ وهل تتكامل دار الإسلام إلا بوجود خلافة واحدة ؟؟ هل منظومة سايكس بيكو التي فرضها المستعمر الغربي تحقق تكامل دار الاسلام؟؟ التي تفرق بين المسلمين وفق خطوط وهمية ما أنزل الله بها من سلطان؟؟ فيصبح المسلم من الشام “مواطنا اجنبيا” في السودان أو في الكويت أو في الجزائر؟؟ بل وتتخذ خرقة من القماش راية يتقاتل المسلمون فيما بينهم في سبيلها ويسفك الدم الحرام؟؟ وكيف يكون التمسك بحاكمية الشريعة في الأمة والدولة معاً؟؟ أليس بتطبيق أحكام الشرع وليس بتطبيق أحكام المستعمر واذنابه؟؟

إنني إذ أخط هذه الأسطر والذكرى المئوية لهدم الخلافة على يد مصطفى كمال (28 رجب 1342 هـ) تظللنا لأدعو كل مسلم غيور على دينه أن يتبصر موضع قدميه في هذا الصراع الشرس الدائر بين الحلف الاستعماري وأذنابه ممن خدعوا بدعايته وضللوا بسموم المستشرقين وبين أبناء الإسلام البررة العازمين على كسر قيود التبعية للغرب وعلى استعادة مجد الأمة بإستئناف الحياة الإسلامية، وسبيل ذلك الوعي التام على رسالة الإسلام التي جعلها الله خاتمة رسالاته الى البشرية جمعاء إلى يوم الدين وشرّف المسلمين بحمل رسالته لتكون رسالة الرحمة والعدل ولإخراج الناس من ظلمات الكفر الى نور الإسلام  ومن جور الحضارة المادية المتغولة إلى عدل الإسلام ورحمته، و أول ذلك الفهم المستنير لواقع الصراع الفكري والكفاح السياسي الدائر، ليتجسد من ثم هذا الوعي في مسيرة العمل على بصيرة وبيّنة لتحقيق المراد، فتعود الأمة كما أراد لها ربها ( كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ).

 والله الهادي إلى سواء السبيل.

د. عثمان محمد بخاش

طرابلس الشام


[1] عبدالرازق، علي، الإسلام وأصول الحكم،  80.

[2] عبدالرازق، علي،م.س.، 103.

[3] الأزهر، رد هيئة كبار العلماء على كتاب الإسلام وأصول الحكم، و انظر محمد عمارة، الإسلام وأصول الحكم- دراسة ووثائق، ص 21-22. ومحمود الخالدي، قواعد نظام الحكم في الإسلام، ص 85-86. وممن رد على عبدالرازق الشيخ محمد رشيد رضا صاحب مجلة المنار، والشيخ محمد شاكر وكيل الأزهر، والأستاذ أمين الرافعي. وقد أفتى بردته كلٌّ من الشيخ محمد شاكر، والشيخ يوسف الدجوي، والشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية، والشيخ محمد رشيد رضا، وقد ألَّف العلماء كتباً في الرد عليه، منهم الشيخ محمد الخضر حسين،  الذي صار فيما بعد شيخاً للأزهر، و الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ،والشيخ محمد بخيت المطيعي، الذي ذكر في رده بأنّ عبدالرازق إقتبس أفكاره عن الخلافة من المستشرق السير توماس آرنولد، ولم تنقطع الكتب في الرد عليه، ومنها كتاب محمد ضياء الدين الريس الإسلام والخلافة في العصر الحديث،الذي ذهب إلى أنّ الكتاب من تصنيف أحد المستشرقين وأن ليس لعبدالرازق إلا وضع اسمه عليه، و الدكتور محمد البهي في كتابه الفكر الاسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي،انظر محمد بن شاكر الشريف، تحطيم الصنم العلماني، ص 14- 15، ويوسف القرضاوي، الدين والسياسة، ص 36-47 حيث قدّم ردًا مفصلاً على مزاعم عبدالرازق.

[4]  عثمان بخاش، الدولة المعاصرة مفاهيم واشكاليات، 54.

[5]  ومنهم فرج فودة في كتابه، حوار حول العلمانية، 15. دار المعارف، بيروت.

[6] في كتابه الإسلام وأصول الحكم- دراسة ووثائق.

[7] السنهوري، عبدالرزاق،فقه الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية ،ترجمة د. نادية عبدالرزاق السنهوري، مراجعة د. توفيق الشاوي، الهيئة  المصرية العامة للكتاب، الطبعة الثانية 1993.

[8] انظر جواب د. عمارة على السؤال “التحدي الأكبر الذي تواجهه الأمة الإسلامية“، على الرابط: https://youtu.be/jMOE4OK5bW0.

[9]  السنهوري، عبدالرزاق، م. س.، ص 32.

[10]  السنهوري،عبدالرزاق، م. س.،30.

[11]  السنهوري، عبدالرزاق، م. س.، ص 36.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

ليلة القدر، من أعظم الليالي قدرًا ومنزلة عند رب العالمين

د. علي محمّد الصلابيّ إنها ليلة الفُرقان والغفران والتوبة والرحمة والبركة والعِتق …