أخبار عاجلة
الرئيسية / ثقافة وأدب / قراءة في قصة (دعاء الكروان ) لطه حسين

قراءة في قصة (دعاء الكروان ) لطه حسين

نعيم مصطفى

مدير التحرير
عرض مقالات الكاتب

الشخصيات: الأم زهرة – الأختان هنادي وآمنة – خديجة  – المهندس – البستاني – زنوبة – خضرة – نفيسة- عبد الجليل- ناصر – سكينة.

المكان: أرض مصر – بني وركان.

ثمة رجل شهواني مسرف على نفسه ماجن يقضي جلّ وقته في إشباع غريزته الجنسية، مدبر عن أسرته التي تتكون من  زوجته زهرة، وابنتيه هنادي وآمنة، وقد دفع ثمن تهوره ومجونه وانتهاكه لأعراض الناس بأن قُتل على أيدي أناس لم يحتملوا تماديه في انتهاك أعراضهم.

وقد كانت إحدى ضحاياه من بعد موته  أسرته التي طُردت من البادية التي كانت تقطنها معه، فتوجهت إلى المدينة، لتبدأ مرحلة جديدة مغموسة بالمعاناة الشديدة من أجل تأمين لقمة العيش.

ما إن وطأت أقدام الأسرة المدينة حتى شرعت الأم بالبحث عن عمل لها ولابنتيها، فظفرت بأعمال متفرقة للجميع، وكان نصيب الأم الخدمة في بيت موظف من موظفي الدائرة السنية، رجل معتدل الحال متوسط العيش، أميل إلى حياة الريف، وأحرص على تقاليد الفلاحين.

أما هنادي فعملت في بيت مهندس الري، ذاك الشاب الوسيم الذي كان يعيش وحيداً في دار واسعة ،ولا يعيش معه إلا خادم ريفي يحرس الدار، ويُعنى بالحديقة، وكان العمل الذي أُسند إلى هنادي، هو تنظيف الدار، والعناية بمتاع الشاب.

أما آمنة فكانت أكثر الثلاث حظاً، فقد قُدر لها أن تخدم في بيت مأمور المركز، حيث كُلفت أن تصحب صبية من بنات المأمور، تقاربها في السن، ما لبثت أن شعرت بطي الفروق الاجتماعية بينهما، فشاركتها في جدها وهزلها وتعليمها…فكانت مغمورة بالسعادة والحبور.

وكان الثلاث يقضين ليلهن ونهارهن في العمل، باستثناء يوم الجمعة الذي كان يجمعهن في حجرتهن المتهالكة، التي استأجرتها الأم في أطراف المدينة، حيث يقضين ليلة رضية مع بعضهن.

ولكنَّ أمراً خطيراً قد حدث مع هنادي مما دفع بالأم إلى العودة قافلة إلى القرية.

بعد إخبار أخيها ناصر بأن عاراً قد مسها هي وابنتها، فما كان من ناصر ذاك الإعرابي الغليظ الخشن القاسي القلب، والجافي الطبع، إلا أن أضمر في نفسه، أن يتخلص من ابنة أخته، وذلك ليغسل العار الذي حملته، فتوجه مباشرة لملاقاة النسوة الثلاث، وهن في طريقهن أثناء استراحاتهن التي تتخلل طريقهن، ثم أزمع بمصاحبتهن في جوف الليل حيث ارتكب جريمته النكراء دون رأفة، ولا رحمة، ولا شفقة، ودون أن ترف له عين، فقد أرسل خنجره في بطن ابنة أخته هنادي وسط ذهول الأم، وآمنة، زاعماً أنه بذلك قد دفن العار وغسله.

لكن هذه الجريمة النكراء التي ارتُكبت بدم بارد لن تمر دون عقاب كما ترى آمنة، فقد وضعت نصب أعينها الثأر لأختها، وهجران أمها وخالها.

هاتان الصورتان اللتان تتمثلان لها بالشيطانين القبيحين اللذين يجب الفرار منهما.

ما إن سنحت لها الفرصة بمغادرة القرية والتخلص من تلكما الشخصيتين  حتى اغتنمتها، والتحقت ثانية بالمأمور وابنته خديجة، حيث لاقت ما كانت تلاقي من حسن الاستقبال، والضيافة، والكرم، ثم تتنامى الأحداث على غير ما تشتهي آمنة، ويتناهى إلى مسامعها أن المهندس الذي أغوى أختها الضحية يريد الزواج من خديجة، فيثير هذا الأمر حفيظتها، فتسعى جاهدة لإجهاضه، وتفلح في ذلك، ثم تصنع مكيدة بالاتفاق مع البستاني حتى يتخلى المهندس عن خادمته سكينة لتحلّ محلها، فتنجح في خطتها، ثم تبدأ بالمناورة، والمداورة مع ذلك الشاب، فتغريه وتثيره دون أن تسلم نفسها له، كما أنه يعجز عن تطويعها، وإذعانها لرغبته الجامحة، إلى أن نُفاجأ في نهاية القصة بأن شهوانيته تحولت إلى حب حقيقي لآمنة، ويطلب منها الزواج، والاقتران بها على الرغم من الفوارق الاجتماعية المتباعدة بينهما.

وهنا تنتهي القصة، دون أن تكتمل كما لاحظنا، وإنما ترك القفلة مفتوحة ليشاركه المتلقي في رسم النهاية.

تنوعت نتاجات الدكتور طه حسين بين النقد تارة، والفلسفة طوراً، والتاريخ حيناً…

حتى نكاد نراه يجول ويصول في جميع حقول المعرفة، فقد أفرده هذه المرة للقصة.

إن (دعاء الكروان) فنٌّ نثريٌّ جميلٌ يمكن أن نلبسه صبغة القصة كما ارتأى صاحب العمل لهذا التجنيس، أو نقول عنه رواية قصيرة.

هذا النتاج من ناحية المضمون قصة مأساوية مؤثرة مفعمة بالأحداث، والتفاصيل الأصلية والفرعية، والجانبية، ولكن خلاصة القصة هو قتل فتاة ارتكبت فاحشة الزنا، ولكن المسؤول الأول عن ارتكاب هذه الجريمة الأخلاقية هو المجتمع والأسرة الذين مهدوا الطريق لارتكابها، وعندما حصلت حملوا كل المسؤولية لتلك الفتاة المسكينة الضعيفة(الضحية) وصبوا جام حقدهم وتهورهم عليها وأنزلوا بها أشد العقوبة، فبدل أن يعالجوا القضية بالإصلاح والرحمة، عالجوها بجريمة أكبر منها، وهي القتل.

وأراد الكاتب من خلال هذه القصة التي رصدها في المجتمع المصري أن يسلط الأضواء على هذه الجرائم المتكررة، والكثيرة، والمنتشرة في جسم المجتمع المصري، والتي ينبغي معالجتها وإيجاد الحلول لها، حقناً للدماء الغزيرة التي تسفح من أجلها.

وعلى الرغم من أن  الأدب هو مرآة الواقع ، ومن أن الأديب لا يُطلب منه أ ن يقدم الدواء، أو أن يصنع المصل الشافي لتلك الأمراض الاجتماعية، إلا أننا نرى أنه  ينبغي أن يشارك المجتمع في البحث عن العلاج، وعن الحلول حتى يساعد في  التخفيف من آلامه، والرسم المستقبلي لأحلامه وآماله.

فهذه القصة تدعو بطريقة التلميح دون التصريح إلى معالجة داء الفقر الذي يُعدّ أكبر باب من أبواب دخول الفاحشة إلى البيوت، كما تدعو القصة إلى محاسبة الرجل على أخطائه وتهوره  كما تحاسب الفتاة.

فالرجل القيم على العائلة التي هي بطلة القصة  (زهرة وهنادي وآمنة) كان رجلاً ماجناً يقضي وقته بين أحضان النساء مديراً ظهره لعائلته، وكأن أمرهم لا يعنيه، مع أن ضياعهم وتمزقهم يتحمل مسؤوليته الأولى هو، ولكن المجتمع الظالم يُشيح بوجهه عن تلك العائلة أثناء غرقها بدل أن يمد لها حبل النجاة والإنقاذ ، وعند حصول الغرق يغرز مديته في فؤادها.

أما لغة الكاتب فقد كانت لغة سلسة طيعة جميلة، حاول الكاتب أن يصبها في قالب فصيح وبليغ فنجح وأجاد في الأولى، ونجح في الثانية دون الأولى، فصور الكاتب وتشبيهاته متواضعة إلى حدٍّ ما، لكن ألفاظه وتراكيبه مأنوسة وواضحة إلا ما خلا بعض الألفاظ.

ولم يكن يسرف في الوصف أثناء السرد، وإنما كان معتدلاً يأتي بالألفاظ القليلة التي تعبر عن معان كثيرة، فيكتفي مثلاً بوصف الخال(بالشيطان) ويترك لنا العنان كي نتصور هذا الوصف القبيح المنفر الذي يلف الكلمة .

ويلاحظ من خلال هذه القصة أن الكاتب ركز ريشته على الأحداث والحركات السمعية، والمعنوية وبالغ فيها ، في حين أنه أغفل تقريباً المشاهد البصرية، وهذا يعكس واقع الكاتب لأنه كما نعلم كان ضريراً.

واستطاع الكاتب أن يذهب بنا إلى نهاية القصة بترقب، وشوق، وألم، وغضب من خلال تنامي الأحداث التي وصلت إلى الذروة، وإلى العقدة عند ارتكاب جريمة القتل، وسفح الدم.        

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

سيرحلون وتبقى

الشاعر إسماعيل حقي رئيس التجمع العربي لشعراء العمود والتفعيلة. سيرحلونشعر اسماعيل حقي حسينالاهداء …