أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / ثُلاثية الشقاء في ذكري التنحي

ثُلاثية الشقاء في ذكري التنحي

محمد علي الباز

كاتب وباحث في العلوم السياسية
عرض مقالات الكاتب

فى مثل هذا اليوم قبل عشر سنوات ، أعلن اللواء عمر سليمان نائب رئيس جمهورية مصر العربية بعد عصر الجمعة الحادي عشر من فبراير 2011 تنحي مبارك عن منصب رئيس الجمهورية ، لتبدأ جولة جديدة بين القائم والقادم تضع أمامنا ثلاثية من الإشكاليات والتحديات .

الأولى – المطالب :

كانت الرغبة فى تنحية مبارك وعزله من منصبه من مطالب الثورة التي تطورت بسرعة خلال ثمانية عشر يوماً ، تطورت المطالب من الاعتراض على ممارسات الشرطة القمعية إلى المطالبة بعزل الرئيس ، فالمطالبة بمحاكمته و المحاكم الثورية و الدولة المدنية و و و و و مطالب لا نهاية لها ، تلك المطالب التي لم يكن لها مُنطلق إلا العاطفة والحماسة والرغبة فى التمتع ما استطعنا بالحرية التي عشنا نعيمَها ساعتئذ فى نشوة المنتصر .

إن إشكالية المطالب والرغبات التي لا تنتهي ، بل تتنامى وتتضاعف ، مع عدم وجود رؤية تُقدِرُ تَناسُبَ هذه المطالب مع القدرات والتحديات تخلق ما نسميه ” ثلاثية الشقاء المركب “ , يقول جان جاك روسو ” إنّ المُخيلة التي تُجَسِمُ لنا رغباتنا خطرة غاية الخطورة ” إميل ص 83 .

ولكن كيف كان ممكناً لنا هذا  التوازن والتعقل والحكمة ؟ فى هذا التوقيت ؟ كانت المعارك طاحنة والبلايا نازلة فى أحداث متسارعة متراكبة بعضها فوق بعض – بين القائم والقادم وداخل كلاً منهما – لا تعطي عاقلاً مجالاً للتعقل ولا حكيماً فرصة للتمهل والتفكر ، كانت كل الأمور والأحكام والقرارات على كل الأصعدة من كل التيارات تسير من مُنطلق مُلاحقة الأحداث ومُواكبة التطور وإثبات الذات والوجود ، بعيداً عن توازن المطالب مع القدرات ومع التحديات .

إنّ ما تبين للجميع بلا مجال لشكٍ أو ريبة بعد عشر سنوات من التنحي ، أنه أساء عندما أطلق العنان لمخيلته لِتُجَسِمَ له رغبات ومطالب لم يكن مُؤهلاً لها حق الأهلية ولا مدركاً لتحدياتها ومخاطرها تمام الإدراك .

الثانية – القدرات :  

 إذا تناولنا المطالب التي تستلزم عملاً يعتمد أصلاً على القدرة فى أداء العمل وتحقيق الهدف ، فإن هذه المطالب والرغبات تُصبح أماني فارغة بل مطالب مُهلِكة إذا لم تتوفر القدرة علي تحقيقها والقيام عليها ومواجهة تحدياتها .

إن الشقاء الذي يَحياهُ الأشقياء من أمانيهم ورغباتهم التي لا تتوقف ولا يملكون قُدرات وأدوات الوصول إليها ، لا دواء له سوي تقييد المخيلة وامتلاك القدرة .  وبالطبع لا نريد بهذا أن نُحطِم الأحلام أو نُقيد الرغبات ، بل نلفت النظر إلى ضرورة العمل على امتلاك القدرات والأدوات والوسائل التي تتحقق بها المطالب والرغبات .

لقد كشفت لنا الثورة المضادة على مدار عشر سنوات أن جميع رفقاء الثورة بأطيافهم المختلفة لم يكونوا يمتلكون هذه القدرة ، ولا الرؤية الشاملة للوصول لهذه المطالب المتفجرة ، وخير دليل على هذا العجز والضعف ، تعذُر تحقيق مطلب واحد ينادي به الجميع منذ يناير 2011 ، وهو وحدة الصف الثوري فى مواجهة القوي القائمة القديمة ، وهو مطلب متجدد  فى الداخل والخارج حتى اليوم  .

إنّ عناصر القدرة وتفصيلاتها أكثر من تُذكر أو أن يُشار إليها هنا فى مقال ، ولكن ما لا يَسعُنا تركه ، هو امتلاك الرؤية الفكرية الشاملة التي تنطلق منها مسارات المشاريع الحضارية التي ننشُدها ، فى كل المجالات والقطاعات والمؤسسات .

الثالثة- التحديات :

تُمثل التحديات الركن الثالث من أركان الشقاء فى مشاريع التغيير الكبرى  ، إننا إذا تناولنا المطالب والرغبات وما يستلزمها من قدرات وإمكانات فإنه لابد ألا ننسي أن هناك آخرون فى الطرف آخر لهم رغبات مغايرة وعندهم قدرات وإمكانات أكبر أو أصغر ، ما يضعنا أمام تحديات متفجرة بقدر مطالبنا المتفجرة.

إنّ عاقلاً لا يعرف حقيقة التحدي أو المخاطر التي هو مُقدِمٌ عليها حريٌ به أن يتراجع أو على الأقل يتوقف ، فكيف به إذا كان يعرفها مخاطرها ويدرك مفاوزها .

إن التحديات التي وقف أمامها الكثير منذ عشر سنوات حتى اليوم لا تعدو كونها سطحية تبسيطية ، لما تحمله كلمة تحدي من معاني فى مثل هذه المراحل الحرجة من التغيرات الكبرى ، ما نسميه ” تحدي الكتل “ ، إن كتل التحدي فى مراحل المطالبة بتغيرات كبرى ، من عسكري لمدني ، من قمع لحرية ، من ظلم لعدالة ، من جهل لعلم …….، تظهر وتتشكل وتتحرك بين مساحات الضغط والخلخلة ، ما يستلزم مرونة وخطة ومهارة .

إن كتل التحدي تلك لم تأخذ حقها حتى اليوم من التفكيك والتحليل والبحث والدراسة ، فضلاً عن إعداد القدرات الفكرية والتخطيطية والكوادرية لمجابهتها والتصدي لها .

معادلة الفوز والخسارة فى مثل هذه المعارك الطويلة ، يحسمُها مَعقُولُ المطالب ورائيها  ، حائز القدرات ومُنظمها ، مُدرك التحدي و ماهِرهُ .    

التوازن المطلوب بين هذه الأضلاع الإشكالية المنتجة ل ” ثلاثية الشقاء المركب ” ، لا تمثل فقط مُقومات الفوز والمنافسة بين الأطراف ، بل تشكل معيارية التماسك والنجاح والاستمرارية داخل كل فريق من أطراف المنافسة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الإجرام الأبكم!

محمد علي صابوني كاتب وباحث سياسي. تحدث المهندس “فليب شنايدر” (وهو عالم جيولوجي …