أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / داعش خلل سيكولوجي لا مشكلة دينية وأغلب الإيدلوجيات فيها نكهة داعشية

داعش خلل سيكولوجي لا مشكلة دينية وأغلب الإيدلوجيات فيها نكهة داعشية

د. موسى الزعبي

كاتب وباحث سوري.
عرض مقالات الكاتب

يعتقد غير المطلعين على المجال النفسي وتركيبة النفس البشرية ،أن داعش وأخواتها هي مشكلة دينية أو حتى مذهبية داخل النسق السني  ناتجة عن بعض النصوص المؤسسة للإسلام أو فتاوي بعض علمائه ،والحقيقة النفسية أن في ذلك تسطيحًا كبيرًا للأمور، وجهل بالواقع السيكولوجي و الغرائز المحركة للسلوك البشري ،فالإحصائيات التاريخية ولغة الإرقام تثبت خروج الفكر الداعشي من مختلف الجماعات البشرية والدينية  ولكن ارتكاز داعش على نصوص دينية وإخفاء الإعلام لكثير من الحقائق وعدم المقارنة بينها وبين المجموعات الإرهابية اليسارية واليمينية المتطرفة والدينية الأخرى كالشيعة والبوذية مثلا جعل الصورة ضبابية وتختلط على الكثير فالفكر الداعشي يسعى للسيطرة بقوة السلاح وقتل الآخر المخالف له والمعارض له سياسيا حتى يتفرد بالزعامة ، حيث شرعنة القتل من خلال تلك النصوص وتأويلها حسب الأشخاص المسيطرين على تلك الجماعات ،ولو قارنا سلوك داعش وفعلها فإنه يتشابه مع كثير مع الأنظمة المستبدة والجماعات والأحزاب الدينية ،أو الجماعات القومية ولكن الخلاف بينهم يكون بالنصوص التي ترتكز إليها تلك الجماعات بشرعنة القتل – أو لنقل تأولها كما تهوى – أما جانب الاتفاق بين جميع تلك الجماعات هو إقناع قاعدتها وحاضنتها بمشروعها بينما الهدف لجميع زعامات  تلك الجماعات هو الوصول للسلطة وإلفاء الآخر أو إخضاعه وتطويعه ،ولكن لماذا تلجأ تلك الجماعات والأحزاب الدينية والقومية لشعارات دينية وقومية وسرديات لتحقيق أهدافها لماذا لا تفعل ذلك بدون شعارات مثلا من خلال العمل السري؟!

الحقيقة أن زعماء تلك الجماعات بحاجة دائمة ومتجددة للخزان البشري، كي تستخدمه بالصراع مع الخصم ومحاربته بجميع الوسائل سواء عمليات انتحارية أو انغماسية أو تشويهه لدى حاضنته ليسهل قتله ولا يكون هناك ردة فعل إنسانية  لذلك تحتاج وقود بشري لمخططها بشكل مستمر بينما يبقى الزعماء منفردين بالسلطة فالإرهاب  هو استخدام العنف للوصول السلطة ولكن زعماء تلك الجماعات كي لا تهتز ثقة الأتباع بهم  من خلال الإعلام الموجه ضدهم فإنهم يستخدمون نصوص وشعارات تحاكي غرائزهم  وبحسب نوعية الغرائز يتم التحكم بالقطيع وتسييره فالجهاز النفسي للإنسان يتكون من ثلاث مجموعات من الغرائز هي الغرائز الحيوانية والغرائز العقلية والغرائز الفطرية ،وبحسب سيطرة أحد هذه المجموعات على الجهاز النفسي للإنسان يكون سلوكه ،فالغرائز الحيوانية تتسم بالطبيعة المادية ؛أي تخضع للتأثير المادي المدرك سواء المغريات أو الترهيب  وهؤلاء من السهل سوقهم سواء بالإغراء المادي أو الجنس أو منحهم أي مركز وهمي أو تهديدهم والنوع الثاني من الناس تكون السيطرة عنده لصالح الغرائز العقلية المعرفية التي تطلب دائما الحجة والدليل المادي والمعنوي وعدم التناقض مع البدهيات العقلية وهؤلاء الناس يحتاج سوقهم مهارة كبيرة بالهندسة البشرية والمعرفة والإعلام لأن خداعهم يحتاج تشويهًا معرفيًا واستغلالاً بعض الثغرات المعرفية لدى هؤلاء لتمرير الأجندات ،أمّا النوع الثالث ؛فهو من يسيطر عليه الغرائز الفطرية والتي تمثل القيم الإيجابية والمثلى بالحياة، وتقوم على المحبة وحب الفضيلة والتسامح والارتباط بالذات الخالقة ،والخضوع لما خلف الوجود الذي يحرك هذه الحياة  حيث يخضع أغلب البشر بسهولة لمن ينادي بهذه الشعارات لأن طبيعة الواقع يتسم بالظلم والقهر وغياب العدل والإنسان بهذه الغرائز يدرك أن هناك ذات عليا لها حكمة بكل ذلك ولا بد من يوم ما ينصف فيه الجميع !! وهذه الغرائز دائما تثير هذه التساؤلات وتبحث عن العدالة المطلقة !!
والطريق الملكي للغرائز  الفطرية هو الأديان السماوية والشعارات الإنسانية الجامعة ، لذلك تلجأ الجماعات والأحزاب الدينية لاستخدام الشعارات الدينية – المشوّهة بالتأويلات البشرية المنحرفة وليس الدين القويم – لاختراق الغرائز الفطرية التي تقوم بتعطيل الغرائز العقلية للإنسان، والحقيقة وتوجيه سلوكه بتلك الشعارات ، إن تلك الأحزاب والجماعات الدينية والقومية يلجؤون للتشويه المعرفي الفطري لخداع القطيع خلفهم  فزعماء تلك الجماعات يكون مهيمن عليهم الغرائز الحيوانية كحب السيطرة والمال والنساء والتسلطة والعقد النفسية وغير ذلك كما فعل زعماء الحركات الباطنية كالحشّاشين- ولكن يستخدمون كلمات مفتاحية تخدع العقل والفطرة حسب سيكولوجية اللغة مثل استخدام كلمات :محاربة الإرهاب ومحاربة الكفار ومحاربة المنحرفين ، الدفاع عن الدين محاربة الفساد محاربة الفقر محاربة الليبرالية محاربة الشيوعية والإلحاد محاربة العنف الديني ،العدالة الاجتماعية ،تحقيق الخلافة وغيرها من شعارات تخدع أغلب البشر اللذين يفتقرون لهذه الحيل بسبب الجهل ويقدر أن أكثر من ثلثين البشر وحتى خمسة وتسعين بالمئة منهم يخدعون بتلك الحيل مهما وصلوا من شهادات تعلم لأن الأمر يحتاج ثقافة عالية ومعرفة بسيكولوجية النفس البشرية وخلال ثورات الشعوب وانهيار وصعود الدول يتم استخدام شعارات تناسب كل مرحلة ولكنها جميعا تتقاطع بالغاية والهدف السياسي والنزوات الشخصية .
خلق الإنسان ووضع له دينًا ونظامًا ، فالدين جاء لرفع الظلم عن البشر وتفعيل الغرائز الفطرية لهم وتخفيف وطأة الغرائز الحيوانية ،كي تعيش البشرية بسعادة وخير ما أمكن بعيدًا عن الحروب  التي أغلبها بسبب جشع الغرائز الحيوانية ولم تكن غاية الأديان السماوية فرض الإيمان على أحد بالقوة كما تزعم تلك الجماعات، فالسيد المسيح “عليه السلام” دعا إلى المحبة بين البشر ،وصهر النبي عليه الصلاة والسلام  سيدنا علي رضي الله عنه أعلن الحرب على الخوارج- دواعش اليوم – ولاحقهم وقضى عليهم بمعركة النهروان ،رغم أن هؤلاء كانوا يطبقون شعائر الإسلام من صلاة وصيام وغيره بينما كان اليهود والمسيحيين يعيشون بأمان رغم مخالفتهم لعقيدة المسلمين !

وختامًا  فإن الفكر الداعشي ليس فكرًا دينيًا” والإسلام بريء منه ” بل فكر بشري يتغلّف بالدين وخلل نفسي هدفه واحد ،و لكن يختلف بأليات شرعنته وأساليب وحدة تنفيذه  فكل جماعة وحزب ديني وقومي وعلماني لائيكي يحمل فكرًا داعشيًا بدرجات مختلفة ، سواء بورفض الآخر بالمطلق أواستخدام القوة لإلغائه ، ولذلك يعتبر أشد أنواع الانحراف النفسي الفطري  لدى هؤلاء ، فمهنم من يرفض أي مظهر من مظاهر الدين ومنهم من يرفض اي مظهر من مظاهر العلمانية أو القومية والحقيقة ، كل هؤلاء بتشريح الجهاز النفسي لهم نفس التركيبة أما ألية تطبيق مخططاتهم أما يكون بالقوة وقتل الآخر بشكل مباشر وهذا ما تتقنه الجماعات الدينية المصنفة كالداعشية أوالشيعية أوالصليبية والبوذية لأن التشويه المعرفي الفطري لدى هؤلاء يكون سهلًا وذلك من خلال شعارات الجنة وقتل الكافر؛ أما الجماعات العلمانية والقومية اللائيكية تلجأ للشعارات الإنسانية لتنفيذ مآربها أما القتل اللامباشر، ومحو الآخر هو ما تلجأ له بعض الأحزاب الدينية وعلماء السلطان ،وهؤلاء يكونون من مذاهب مختلفة ربما طرق صوفية أو أشعرية أو سلفية أو اليساريين المؤيدين للجيش والعنف ضد الدين لأن هؤلاء جميعًا يعانون بالإضافة للفكر داعشي الجبن يجعلهم أقل حدة فليجؤون لتشويه الخصم ،ودعم من يقتله ،وما يحصل من تأييد للنظام بدمشق أكبر شاهد من خلال استخدام الفتوى لقتل الشعب الثائر بوصفه بالإرهابي كي لا يخسر هؤلاء امتيازاتهم وينافسها عليها أحد حيث يكون أغلب قيادات تلك الجماعات والأحزاب عملاء لقوى خارجية يقدمون لهم المعلومات عن خصومهم ليتم قتلهم والتخلص منهم بيد غيرهم لتخلو  لهم الساحة ،ويسيطرون عليها لذلك معالجة الفكر الداعشي سواء الديني أو العلماني أو القومي لا يكون بالقوة العسكرية فقط ، فهذا يجعل أصحاب هذا الفكر يداهنون وينسحبون لتنظيمات سرية ومحاربة هذا الفكر تكون من خلال التخلص من الذرائع التي ترفعها تلك الجماعات مثل العنف المنظم من قبل السلطة والفقر والاستبداد وعدم حرية التعبير إضافة لإصلاح الخلل المعرفي الفطري من خلال محاضرات وندوات وكشف حقيقة تلك الجماعات وأهدافها وهذه برامج تحتاج مجهود دول ومنظمات وليس مجرد أشخاص وغير ذلك فإن البشرية وأرواح الناس ستبقى بيد أجندات حزبية دينية وعلمانية لائيكية تستخدم الناس للوصول لمخططاتها ؛والأمر الأخير؛ يكون بمنع أي أحزاب إيديولوجية لأن طبيعة الحزب الإيدلوجي وبنيته الأساسية سواء دينية أو يسارية فيه نكهة داعشية تقوم على اننقاص الآخر وإلغائه وتشويهه والقضاء عليه حالما تسنح الفرصة واستبدال تلك الأحزاب بتكتلات مدنية وبرمجية كي يعيش البشر برخاء وسعادة ما أمكن ،لا شك هناك منظمات دينية و علمانية هدفها غير سلطوي لا تنطبق عليها حالة الأحزاب بل تعتبر نوعًا من السلام والأمن الأهلي وبث الطمأنينة لدى المجاميع البشرية والمجتمعية ؛وهناك قاعدة طردية بين انتشار الفكر الداعشي وبقاء وانتشار الأحزاب الإيديولوجية الدينية واليسارية أو اليمينية المتطرفة وعلى العالم الحذر من ذلك ووضع حد له فهذه الأحزاب أما تستخدم الفكر الداعشي المباشر واللامباشر  أوتعطي السلطة ذريعة باستخدام الفكر الداعشي للتخلص من أي منافس للسلطة كما استخدم النظام بعض الجماعات شماعة سابقًا وحاليًا ،كما يجب الحذر من اصطياد بعض الأخطاء التي تحصل خلال الثورات ،وتحرر الشعوب من المحتل والأنظمة الاستبدادية حيث يتم استغلال الأخطاء العابرة لتشويه تلك الثورات ووصمها بالداعشية لإجهاضها    …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

يا سفهاء العالم: غزة العزة أم ستالينجراد؟

أ.د. إبراهيم عوض كاتب ومفكر مصري. قلتُ، فى تعليق لى البارحة فى واتا، …