بحوث ودراسات

‘‘جمهوريَّة كأنَّ’’: نموذج واقعي لتحقُّق أهداف الماسونيَّة 4من 5

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

تفاصيل مؤامرة إبليس الثَّوريَّة

منذ نزوله إلى الأرض، لم يدّخر إبليس جهدًا في سبيل وإخراج البشر من طاعة ربّهم من خلال التَّمرُّد على مشيئته وقضائه، وسبيله إلى ذلك إشعال ثورة تقوّض الشَّرائع السَّماويَّة وتقضي على فكرة الاحتكام إلى ما أنزل الله في تنظيم حياة البشر، سعيًا في النّهاية إلى فرْض أيديولوجيَّته الخبيثة على النَّاجين من الصّراعات الدَّاميَّة الَّتي يشعلها أولياؤه، وهي أيديولوجيَّة تقوم على حُكم مُطلق يُعرف بـ “الدّيكتاتوريَّة الشُّموليَّة” (ص84). من هذا المنطلق، نشَر كنيس الشَّيطان مفهوم العالميَّة في الحُكم، وقد حرص وليام كينج (William Lyon Mackenzie King)، رئيس وزراء كندا على مدار ما يقرب من ربع القرن في الفترة ما بين عاميّ 1921 و1948م، على التَّقدُّم بفكرة تأسيس حكومة موحَّدة إلى أباطرة المال اليهود من عائلة روكفلر، وفي ذلك ما يتَّفق مع مخطَّط، ألبرت بايك، حبر الماسونيَّة في القرن التَّاسع عشر، لتأسيس حكومة عالميَّة وديانة واحدة، هي عبادة الشَّيطان. ومن بين خطوات تنفيذ مخطَّط الشَّيطان قيد الحديث استخدام العمالة المنظَّمة في إحداث الفوضى والاضطرابات، وبخاصَّة في مجال الاقتصاد، لإرغام النَّاس على الالتزام بأوامر أعضاء كنيس الشَّيطان حفاظًا على مصالحهم. ويفترض غاي كار أنَّ المسؤولين عن النّقابات عادةً ما ينتمون إلى جمعيَّة المتنوّرين، بشكل مباشر أو غير مباشر، وعادةً ما تكون العمالة المنظَّمة من أدوات الحركة الثَّوريَّة العالميَّة.

وبعد انتهاء الحرب العالميَّة الثَّانية، وما صاحَب ذلك من انهيار للنَّازيَّة وتصدُّع في مكانة الشُّيوعيَّة بعد ما ارتُكب باسمها من مجازر؛ وكان في ذلك ما شجَّع على تأسيس منظَّمة الأمم المتَّحدة، الَّتي خرجت من رحم عصبة الأمم الَّتي أُسّست بدورها في أعقاب الحرب العالميَّة الأولى (1914-1919م). والمفارقة أنَّ عائلة روكفلر هي الَّتي قدَّمت الأرض الَّتي شُيّد عليها مقر المنظَّمة العالميَّة؛ وكما يذكر غاي كار، “يسيطر كنيس الشَّيطان على الأمم المتَّحدة كما كان يسيطر على عصبة الأمم” (ص86). ويوظّف كنيس الشَّيطان أمهر المتخصّصين في شتَّى المجالات، دون شكّ منهم في أنَّهم يستخدم باعتبارهم أدوات لتنفيذ مآربه، ومن هؤلاء مَن يتظاهرون بأنَّهم “يخدمون الرَّبَّ وبلادهم والإنسانيَّة”، بينما هم “يخدمون خطط إبليس السّريَّة” (ص90). لا يُعقل أن ينفّذ هؤلاء جميعهم مخطَّطات كنيس الشَّيطان دون أن ينتبهوا إلى طبيعة الأهداف الَّتي يخدمونها، ومن المؤكَّد أنَّ منهم مَن يعتنق عقيدة عبادة الشَّيطان، وإن ادَّعى اعتناق ملَّة أخرى. يضرب غاي كار المثل في ذلك بالسّياسي والفيلسوف الإيطالي جوزيبي مازيني (Giuseppe Mazzini)، الَّذي اعتنق عقيدة عبادة الشَّيطان، بوصفه “أمير هذا العالم”، وقد انضمَّ إلى كنيس الشَّيطان بصفة مدير الحركة الثَّوريَّة العالميَّة في إيطاليا، وخلفه على المنصب، بعد وفاته عام 1872م، مواطنه أدريانو ليمّي، وكان من عبدة الشَّيطان لدرجة أنَّه طلب من صديق له تأليف ترنيم لتبجيل الشَّيطان، أُطلق عليها “مرآة صفقة الرَّبّ”.

يشير غاي كار إلى أنَّ ألبرت بايك وجَّه إلى 26 من مجالس الطَّقس البالاديني الجديد والمعدَّل بيانًا يحضُّ على استغلال الشُّيوعيَّة والنَّازيَّة والعدميَّة، وغير ذلك من النَّظريَّات المعادية للأديان، في تنفيذ مخطَّطات الشَّيطان وحزبه. وينقل غاي كار عن الكاتب الفرنسي إيه. سي. دي لا ريف (A. C. DeLa Rive) ما أورده في كتابه La Femme et l’Enfant Dans La Franc-Maconnerie Universelle-المرأة والطّفل في الماسونيَّة العالميَّة (1894م)، من نصّ بيان بايك التَّجديفي، الَّذي يذمُّ فيه أدوناي، “ربّ الشَّرّ والظَّلام” الَّذي طرَد إبليس من الجنَّة، ويدعو إلى الالتزام بعبادة إبليس، “ربّ النُّور والخير” الَّذي يقاوم مخطَّطات أدوناي الخبيثة (ص93):

يجب أن نحافظ، نحن جميعًا الَّذين تم إدخالنا في أعلى درجات الماسونيَّة، على الدّيانة الماسونيَّة في نقاء مذهب عبادة إبليس…لو لم يكن إبليس ربًّا، هل كان أدوناي الَّذي تبرهن أفعاله على وحشيَّته وغدره وبغضه للبشر وبربريَّته ونفوره من العلم، هل كان أدوناي وكهنته سيفترون عليه؟ …نعم إبليس ربٌّ. ومع الأسف، أدوناي هو أيضًا ربٌّ. حيث أنَّ القانون الأبدي هو أنَّه ليس هناك ضوءٌ بدون ظلّ، وليس هناك جمال بدون قُبْح، ولا بياض بلا سواد…الدّين الفلسفي الحقيقي والنَّقي هو الإيمان بإبليس، على قدم المساواة مع أدوناي. ولكن إبليس ربُّ النُّور وربُّ الخير، يناضل من أجل البشريَّة ضدَّ أدوناي، ربّ الظَّلام والشَّر.

يستشهد غاي كار في هذا الصَّدد برأي الكاتب دوم بول بينوا في كتابهLa Franc-Maconnerie-الماسونيَّة، عن عبادة الشَّيطان، الَّتي يصفها بأنَّها عقيدة كُفر تقوم على طقوس شيطانيَّة، هي من طقوس السّحر الأسود، وليست من العبادة في شيء. ومن بين الأمور الواجب التَّنبيه إليها أنَّ عقيدة عبادة الشَّيطان تعادي الملَّة المسيحيَّة الكاثوليكيَّة، وقد شنَّ أدريانو ليمّي، خلال فترة رئاسته للمحفل الماسوني الأعظم في فرنسا وإيطاليا، حملة ضارية على الفاتيكان، حتَّى أثناه ألبرت بايك عن ذلك، ليمنع مؤامرة جديدة لتقويض الكنيسة الكاثوليكيَّة. لم يحبط بايك، كما فعل ويفعل أعضاء كنيس الشَّيطان، المؤامرة على الفاتيكان بدافع من احترام العقيدة الكاثوليكيَّة أو تبجيل باباوات روما، إنَّما لإدراكه أنَّ انهيار الكاثوليكيَّة سيحدث لا محالة مستقبلًا، ولكن تزامنًا مع انهيار كافَّة العقائد الدّينيَّة باستثناء عقيدة عبادة الشَّيطان. يوضح غاي كار أنَّ تقويض الأديان سيأتي في آخر مراحل مخطَّط إخضاع العالم لسُلطان كنيس الشَّيطان، وهي المرحلة الَّتي يصل فيها النَّاجون من بني البشر من شتَّى الكوارث الَّتي تقع في آخر الزَّمان، إلى قناعة تامَّة بأنَّ انصلاح الأحوال لن يتأتَّى إلَّا بتوحيد الدّين، وذلك بعد فقدانهم كامل الثّقة في عقائدهم الدّينيَّة المتوارثة. وينقل المؤلّف الكندي عن ألبرت بايك نصَّ رسالة أرسلها إلى جوزيبي مازيني في 15 أغسطس 1871م، يتطرَّق فيها إلى كيفيَّة تقويض الأديان من خلال نشْر الإلحاد، الممهّد بدوره إلى اعتناق عقيدة عبادة الشَّيطان، بعد أن ينخرط الملحدون أنفسهم في أعمال تخريبيَّة دمويَّة؛ وحينها لا يجد البشر ملجأً لهم غير كنيس الشَّيطان (ص97):

يجب أن نطلق العنان للعدميين والملحدين، وأن نتسبب في كارثة اجتماعيَّة هائلة، والَّتي ستُظهر للشُّعوب من مختلف الجنسيَّات، بوضوح وبكلّ ما سيصاحبها من رعب، آثار الإلحاد المطلق، الَّذي هو أصل الهمجيَّة والاضطرابات الأكثر دمويَّة. وعندئذ، وفي كلّ مكان، سوف يعمل المواطنون المجبرون على الدّفاع عن أنفسهم، ضدَّ أقليَّات العالم أو الثَّوريين، على إبادة مدمّري الحضارات أولئك؛ وستكون النُّفوس المؤمنة للأعداد الغفيرة من العامَّة الَّتي خاب أملها من المسيحيَّة، قد فقدت البوصلة في ذلك الحين، ومتلهّفة لنموذج مثالي ولكن بدون أن تعرف إلى أين توجّه عباداتها، وستتلقَّى النُّور الحقيقي من خلال الظُّهور العالمي لعقيدة عبادة إبليس المحضة، الَّتي يكون قد تمَّ كشفها أخيرًا علنًا أمام عامَّة النَّاس، ظهور سوف ينتج عن الحركة الرَّجعيَّة العامَّة الَّتي ستلي تدمير المسيحيَّة والإلحاديَّة الَّلتين ستكون كلتاهما قد قُهرتا.

بما أنَّ الحربين العالميتين، الأولى والثَّانية، نجحتا في تحقيق مآرب أتباع كنيس الشَّيطان، من خلال تقويض العديد من الإمبراطوريَّات الحاكمة، وعلى رأسها الدَّولة العثمانيَّة المسيطرة على أرض فلسطين، الَّتي استعمرها اليهود تحت ذريعة تأسيس وطن قومي؛ وكذلك من خلال إحكام سيطرة المرابين اليهود على اقتصاد العالم وتحكُّمهم في ثروات الشُّعوب، فالحرب العالميَّة الثَّالثة “في طور التَّكوين”، كما يذكر غاي كار عند إعداده هذا المؤلَّف عام 1959م (ص98). وسبقت الإشارة في كتاب أحجار على رقعة الشَّطرنج (1955م) إلى أنَّ الحرب العالميَّة الثَّالثة تهدف إلى تدمير الإسلام، الَّذي لن لم يُدمَّر، فإنَّه “سوف يقف إلى جانب المسيحيَّة بكلّ تأكيد في حالة حدوث حرب شاملة مع الشُّيوعيَّة“، أو لتقل مع الاشتراكيَّة الثَّوريَّة (ص98).

تعاليم كنيس الشَّيطان: نقيض الوحي الإلهي

لم يبالغ الدُّكتور بهاء الأمير، المتخصّص في تاريخ الحركات الباطنيَّة، حينما أطلق على أحد مؤلَّفاته يتناول فيه بروتوكولات حكماء صهيون ومخافتها الصَّريحة لما تنصُّ عليه الشَّريعة المنزَّلة في القرآن الكريم اسم الوحي ونقيضه: بروتوكولات حكماء صهيون في القرآن (2006م). ويتَّفق غار كار مع هذا الرَّأي، حيث يوضح أنَّ تعاليم عقيدة عبادة إبليس تهدي إلى نقيض “وصايا الرَّبّ”، ويدلّل على صحَّة ذلك بأنَّ من الأقدار الإلهيَّة أن سُرّبت بعض وثائق تعاليم كنيس الشَّيطان، دون قصد، أثناء توزيعها على كبار كهنة المذهب الشَّيطاني، كما أسفرت حملات مداهمة محافل الشَّرق الأكبر ومجالس الطَّقس البالاديني الجديد والمعدَّل عن الحصول على وثائق تكشف عن تفاصيل ممارسة طقوس عبادة إبليس (ص105). ويتضمَّن كتاب Proofs of a Conspiracy against all the Religions and Governments of Europe-دلائل على وجود مؤامرة ضد كل أديان وحكومات أوروبا (1798م)، من تأليف جون روبنسون، الكثير من تفاصيل مؤامرة أعضاء جمعيَّة المتنوّرين، إلى جانب تفاصيل أخرى عن طقوس العبادة في كنيس الشَّيطان؛ حيث سعى بعض أعضاء الجمعيَّة، أهمُّهم آدم وايسهاوبت، إلى استمال مؤلّف الكتاب ودفعه إلى تسريب أفكار عبادة الشَّيطان في المؤسَّسات التَّعليميَّة “من خلال إخفائها تحت قناع النُّورانيَّة والتَّقدُّميَّة” (ص106). غير أنَّ روبنسون أحجم عن تنفيذ ما طُلب منه، بعد أن شاورته الشُّكوك حيال عقيدة المتنوّرين وطبيعة أهدافهم، خاصَّة بعد اندلاع الثَّورة الفرنسيَّة، الَّتي فطن إلى أنَّها من بين مراحل المؤامرة. وتصديقًا لما توصَّلت إليه الحكومة البافاريَّة عام 1786م، عند العثور بالصُّدفة على وثائق أراد وايسهاوبت إرسالها إلى فرنسا تكشف الكثير من مخطَّطات المتنوّرين، أقدم جون روبنسون على نشْر ما وقَع في يديه من وثائق تدين الجمعيَّة السّرّيَّة. ومع ذلك، فقد نجح المتآمرون في دحْض ما كُشف من أسرارهم، بذريعة ألَّا دليل دامغ على صحَّتها، بما في ذلك بروتوكولات حكماء صهيون، الَّتي تثبت صحَّتها بمرور الأيَّام.

أمَّا عن أهمّ تعاليم كنيس الشَّيطان، فهي كالآتي:

1.بينما يفرض الله تعالى على عباده العبادات ويأمرهم بالطَّاعات لكي يفوزوا برضاه، ويترك لهم حريَّة الامتثال لأوامره، مصداقًا لقوله تعالى “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)” (سورة الشَّمس: آيات 7-10)، يفرض إبليس على أوليائه ديكتاتوريَّة شموليَّة تسلبهم حريَّة الإرادة. ويعلّق غار كار على ذلك بأنَّ “هذا هو الهدف من وراء منظَّمة الصحَّة العالميَّة ومنظَّمة الصحَّة النَّفسيَّة التَّابعتين للأمم المتَّحدة” (ص108).

2.عادةً ما تكون تعاليم كنيس الشَّيطان هي نقيض الوحي الإلهي؛ فما تعتبره الشَّريعة السَّماويَّة منكرًا، هو المعروف في عقيدة عبادة الشَّيطان، والعكس صحيح. وينقل غاي كار عن ألبرت بايك وكبار كهنة كنيس الشَّيطان قولهم “كلَّ شيء أظهره الرَّبُّ على أنَّه يغضبه، يكون مرضيًا لإبليس” (ص108).

3.تحديًا لسُنَّة الله تعالى في الخلْق بأن جعل الاختلاف في الأشكال والألوان من بين سمات البشر، يفرض الشَّيطان أيديولوجيَّة تقوم على دمْج الجنس البشري في تجمُّع واحد، بعضّ النَّظر عن السمات المشتركة، ما يطلق عليه الكاتب “إنسان اليونسكو” (ص109). المفارقة أنَّ الجمع بين المختلفين من بني البشر لا يضمن أن يحصل الملوَّنين على نفس الميزات الَّتي ينعم بها البيض.

4.بينما ينهى الله تعالى عن الانغماس في المتع الحسيَّة واتّباع الشَّهوات وارتكاب الفواحش، تنصُّ عقيدة عبادة الشَّيطان على إطلاق العنان للشَّهوات؛ على اعتبار أنَّ الشَّهوات مصدر القوَّة الخلَّاقة.

5.خلَق الله تعالى البشر، وسنَّ لهم التَّكاثر والتَّناسل، دون تمييز عرق عن غيره، بينما يحصر دين إبليس التَّكاثر وإنجاب الذُّريَّة على عرق بعينه، على أن تصير الأعراق الأخرى عبيدًا للعرق السَّائد، بحيث يحوَّلون إلى “قطعان بشريَّة…يتمُّ استعبادها بدنيًّا وعقليًّا وروحيًّا” (ص110).

6.التَّآلف والتَّحابُّ وإحسان القول والفعل إلى الآخرين من الشّيم الَّتي يحضُّ الإسلام على التَّحلّي بها، بينما تأمر تعاليم مذهب عبادة الشَّيطان بالتَّجرُّد من المشاعر الإنسانيَّة في سبيل تنفيذ مخطَّطات الشَّيطان، مهما تطلَّب الأمر من تضحيات. يعني ذلك أنَّ رعاية المكلومين وإغاثة الملهوفين ومعاونة المكروبين مرفوضة في عقيدة عبادة الشَّيطان، طالما في ذلك ما يتعارض مع مصالح أوليائه.

7.بدلًا من تأسيس أسرة مترابطة على أساس الودّ والتَّضحية، تسعى عقيدة عبادة الشَّيطان إلى تدمير مفهوم العائلة؛ لأنَّ “تدمير العائلة والمنزل هو أمر ضروري جدًّا لنجاح مؤامراتهم” (ص113). وبدلًا من إنجاب الأبناء وتنشئتهم على النَّحو السَّليم، تجتهد مؤامرات كنيس الشَّيطان في الاعتماد على التَّزاوج الانتقائي في الإنجاب.

باختصار، تقوم عقيدة عبادة الشَّيطان على القنوط من رحمة الله، والتَّمرد على قضائه، ومحاربة شريعته، وقد أعلن إبليس الحرب على بني البشر منذ أن طُرد من الجنَّة بسببهم، برغم أنَّ استكباره كان وراء ذلك. يريد إبليس لأوليائه من الجنّ والإنس الانشقاق عن طاعة الله، واتّباعه في معصيته، لكي يكون مصيرهم الهلاك في الآخرة، ويستخدم في ذلك الإغراء بمتاع الدُّنيا. ولله تعالى القول الفصل في هذا الصَّدد “وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ” (سورة إبراهيم: الآية 22).

أصل عبادة الشَّيطان

يفترض وليام غاي كار أنَّ عبادة الشَّيطان من أهمّ تجلّيات تنفيذ مخطَّط إفساد البشريَّة، معتبرًا أنَّ العهد القديم في الكتاب المقدَّس يمثّل “تاريخ عبادة الشَّيطان”، ويقصد بذلك أنَّه يتتبَّع مسار السُّلوك البشري منذ هبوط الإنسان الأوَّل على الأرض، وحياده عن الحقّ باتّباع إغواء الشَّيطان والكفر بعبادة الرَّبّ، حتَّى جاء المسيح ليكفّر عن خطايا البشر ويؤسّس لعهد جديد مع الرَّبّ؛ ولذلك، سارَع أولياء الشَّيطان بالتَّخلُّص منه، حتَّى يبقى الشَّيطان أميرًا لهذا العالم (ص120). يضيف غاي كار أنَّه منذ ظهور المسيح، لم يدَّخر أولياء الشَّيطان جُهدًا في سبيل إحباط مساعي تنفيذ مخطَّط الرَّبّ لتسيير أمور العامَّة، وكان للحركة الثَّوريَّة العالميَّة دورها البارز في التَّأثير على صُنَّاع القرار في العالم. ويتولَّى أعضاء كنيس الشَّيطان مهمَّة إشعال الخلافات بين البشر، بما يؤدّي إلى “تقسيم الجماهير إلى معسكرات تتصارع على قضايا سياسيَّة وعرقيَّة واجتماعيَّة واقتصاديَّة ودينيَّة”؛ ويفضي ذلك بدوره إلى اندلاع الثَّورات والحروب؛ والنَّتيجة الَّتي يرنو إليها أولياء الشَّيطان هي “التَّدمير النّهائي لجميع أشكال الحكومات والأديان المتبقية” (ص123). ويعيد المؤلّف الكندي التَّذكير بأنَّ تأسيس حكومة عالميَّة موحَّدة هو السَّبيل الوحيد لكي يفرض كنيس الشَّيطان سيطرته الكاملة على البشر، جسديًّا وعقليًّا وروحيًّا، في حُكم ديكتاتوري شمولي. غير أنَّ السَّيطرة العقليَّة هي الهدف الأكبر للحركة الثَّوريَّة العالميَّة؛ لأنَّ السَّيطرة على العقول تكفل التَّحكُّم في منابع المعرفة، ومحو أيّ معرفة عن الرَّبَ. 

دور تيار الاشتراكيين الثَّوريين في تنفيذ مخطَّط إبليس

في عام 1924م، أصدرت الكاتبة البريطانيَّة نيستا هيلين وبستر كتابًا تحت عنوان Secret Societies and Subversive Movements-الجمعيَّات السّريَّة والحركات التَّخريبيَّة، تناولت فيه استخدام تلك الجمعيَّات والحركات في تنفيذ مخطَّط الحركة الثَّوريَّة العالميَّة، موضحةً أنَّ المحرّك الرَّئيسي لكافَّة خطواتها هو أوامر كنيس الشَّيطان. أفرد وبستر في كتابها مساحة كبيرة لتسليط الضُّوء على آدم وايسهاوبت ودوره في تأسيس جمعيَّة المتنوّرين، أو الطَّائفة النُّورانيَّة، وهي تفترض أنَّه الكاتب الحقيقي للكتابات الأصليَّة للطَّائفة النُّورانيَّة (The Original Writings of the Order and Sect of the Illuminati)، لكنَّ غاي كار يرى أنَّ دور وايسهاوبت لم يتجاوز تعديل بروتوكولات مذهب عبادة الشَّيطان بما يسمح لكنيس الشَّيطان بالاستفادة من الأوضاع الاجتماعيَّة السَّائدة، وكذلك من المنجزات في مجال العلوم التَّطبيقيَّة. أسَّس وايسهاوبت محافل الشَّرق الأكبر في شتَّى مدن العالم لتكون مقرَّات للمتنوّرين، بعد أن أعدَّهم لتنفيذ النُّسخة المعدَّلة من مخطَّط إبليس للسَّيطرة على العالم، وبعد أن أعلن هؤلاء تخلّيهم عن الإيمان بالله، إن لم يكن اعتناقهم عقيدة عبادة الشَّيطان.

ويرى أعضاء الطَّائفة النُّورانيَّة في أنفسهم أنَّهم يتمتَّعون نسبة أعلى من الذَّكاء تميّزهم عن الأغيار، وفي ذلك ما يبرّر تآمرهم عليهم والسَّعي إلى إخضاعهم. يستغلُّ المتنوّرون بساطة العامَّة وجهلهم بطبيعة مخطَّطات كنيس الشَّيطان في توجيههم لتنفيذ تلك المخطَّطات، ظنًّا من العامَّة أنَّهم بذلك يخدمون مصالحهم الشَّخصيَّة. سيق العامَّة إلى الثَّورة على دولة الخلافة الإسلاميَّة وتنحية الشَّريعة الإسلاميَّة في سبيل إرساء الدّيموقراطيَّة الّليبراليَّة، برغم أنَّ الدّيموقراطيَّة تشير إلى “حُكم الشَّيطان، أو حُكم الرّعاع”، وقد استُخدم العامَّة، أو الرّعاع، في تدمير الحكومات ومحاربة الأديان طواعيةً، معتقدين أنَّ في ذلك انصلاح الأحوال، في حين هم بذلك ينفّذون سياسة إبليس، الَّتي تعتمد على مفهوم “الحروب لإضعاف الحكومات؛ والثَّورات لاستكمال تدميرها” (ص149). يخدع الزُّعماء الثَّوريون العامَّة عند زعمهم بأنَّ الثَّورة ستتمخَّض عمَّا يُعرف بـ “ديكتاتوريَّة البروليتاريا”، أي الحُكم المطلق لطبقة العمَّال، تمهيدًا لتأسيس جمهوريَّة اشتراكيَّة (ص149). غير أنَّ ما يحدث هو تأسيس نظام ديكتاتوري يستأثر فيه زعيم الثَّورة بموقع القيادة، بل وقد يسحق الجماهير الَّتي أوصلته إلى الحُكم، إذا تمرَّدوا عليه، ولعلَّ في نموذج فلاديمير وما فعله في سبيل دحْر الغضب الشَّعبي من تجاوزات النّظام الشُّيوعي في أعقاب الثَّورة البلشفيَّة خير مثال. يذكّر غاي كار بأنَّ المتنوّرين عهدوا إلى اليهودي كارل ماركس بإصدار كتابي رأس المال وبيان الحزب الشُّيوعي لتشجيع العامَّة على التَّمرُّد الشَّعبي وخوض الحروب.

ومن المفارقات أنَّ عقيدة عبادة الشَّيطان لا تعترف بأنَّ الملاك ميخائيل أجهض ثورة إبليس، الَّذي تجعله في مكانة متساوية مع مكانة الرَّبّ، أدوناي. ومن بين شعائر أتباع تلك العقيدة إقامة ما يُعرف بـ “القُدَّاس الأسود”، الَّذي يقدّم تصوُّرًا عن محاولة إبليس استمالة المسيح للانضمام إلى كنيس الشَّيطان، في مقابل أن يتقاسم حُكم العالم مع إبليس، وقد برَّر رفْض المسيح محاولة الشَّيطان للتَّقرُّب إليه مؤامرة التَّخلُّص منه. ومن بين طقوس ذلك القدَّاس، الَّذي يُعرف باسم “ادونيسايد”، أي قتْل أدوناي، يُقدَّم قربان من البشر أو الحيوانات أو الطيور بوصفة ضحيَّة، في تصوير لصلْب المسيح بعد مؤامرة كنيس الشَّيطان. وبعد ذلك، تأتي مرحلة تدنيس الخبر المقدَّس، المفترض أنَّه يرمز إلى جسد المسيح، في إساءة جديدة إليه لعدم تعاوُنه مع أعضاء كنيس الشَّيطان ومعاداته لهم. وأخيرًا، تأتي مرحلة العربدة، وهي تشهد ممارسة جماعيَّة للفحشاء، في تعبير عن مفهوم الألوهيَّة لدى هؤلاء، وهو أنَّ الاتّصال الجنسي لذكر وأنثى أثمر عن عمليَّة الخلْق. ويلفت غاي كار الانتباه إلى أنَّ طقوس عبادة الشَّيطان يُروَّج لها في احتفالات كبيرة، دون إخبار العامَّة بحقيقة تلك الطُّقوس، الَّتي تأخذ شكل احتفالات عيد باخوس، وهو عيد روماني وثني لتكريم الإله ديونيسوس، إله الخمر والنَّشوة عند الإغريق. ويُجذب العامَّة إلى مثل تلك الاحتفالات الماجنة، دون أن يعوا إلى حقيقة أنَّها من طقوس عبادة الشَّيطان، ويُستخدم الإغراء الجنسي في اجتذاب أعضاء جدد في كنيس الشَّيطان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى