أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / هروب الفتيات نتيجة الحرب أم التربية؟حوار مفترض لعالم واقعي !

هروب الفتيات نتيجة الحرب أم التربية؟حوار مفترض لعالم واقعي !

مصعب الأحمد

كاتب وباحث وشاعر سوري
عرض مقالات الكاتب

أهلا وسهلا فضيلة الأستاذ (….)

كثرت في الآونة الأخيرة حوادث هروب البنات من بيوت آبائهن ، أو أزواجهن ، أو عوائلهن ، وكثرت الجدالات في مختلف الأوساط العلمية والاجتماعية ، ولم تعد القضية قضية شذوذ فكري ، أو أخطاء نادرة ، حتى تترك دون أن يسلط الضوء نحوها ..

هل هروبهن نتاج حرب ؟ أم نتاج ثورة الاتصالات وفورة الفضائيات ؟ أم نتاج تربية خاطئة ؟ أم صحبة فاسدة ؟ أم معاملة ظالمة ؟ أم ظروف معيشية صعبة ؟ أم تفكك أسري ؟ أم ماذا ؟

الضيف :

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

 الحكم على الشيء  فرع عن تصوره ، من يريد أن يحكم بصورة صحيحة، عليه أن يستقرأ أخبار الهاربات ليبحث عن الداء ويعالجه .

 و المستقرئ لقصص الهاربات يجد أن بعض ذلك الذي ذكرتَه، أو كله سبب في تلك المآسي التي إن لم تتم معالجتها ، فنحن أمام كارثة اجتماعية أبلغ ضررًا من الحرب، وتدميرًا من القنابل، وإفسادًا من الشياطين ..

البنات حصن الأسرة الأخير ، وسدها المنيع ، والأسرة لبنة المجتمع ، فكسر تلك اللبنات هو هدم ذاك السد ، وطوفان بعد ذلك؛ ليصبح المجتمع بعده غارقًا فيما نراه، أو نسمعه في البلاد الغربية من انحلال وفساد وجرائم ، وفقد للقيم ..

تستطيع أي قوة في الأرض اختراق وتدمير أي مجتمع.

إذا دمرت البنات ، باعتبار أنهن الحلقة الأضعف، جعل توجه المفسدين نحوهن بدرجة كبيرة ومركزة  ..

المحاور : هل نستطيع القول إن هروب الفتيات من مفرزات الحرب السورية ؟ وأنها هي السبب في ذلك ؟

الضيف :

لاشك أن الحرب أذهلت المرضعة عن رضيعها،  وفكت عرى المجتمع ، وعبثت بنسيج الأسر ، وطالت يدها الجميع ، وكانت عوامل النزوح ، وكثرة الشهداء ، وانشغال الرجال ، وهروب الشباب من الخدمة العسكرية خارجًا ، وبقاء البيوت دون رقيب ، وحارس ، وعوامل الفقر والحاجة ، واضطرار العوائل أن تسكن مع بعضها ، والبحث عن الأمان والحياة الأفضل ، كلها عوامل سهلت الاختراق من قبل الإعلام الذي وجدها فرصة سانحة .. والأشخاص “الذئاب” الذين لم يجدوا راعيًا  ، و”المنظمات السرية” لاصطياد الفتيات والمتاجرة بالبشر ، استغلالًا للحاجة ، ومهندسو الرذيلة استغلالًا للضعف التربوي والديني ،   والقوى العالمية الاستعمارية، فهذه أنسب الظروف لدخول المنظمات الكنسية، وفتح أبواب اللجوء إلى أوربا وغيرها  .. إذًا فالحرب هي الركن الأول  من أركان هذه الكارثة وليست كل شيء  …

المحاور: ليست كل شيء ! فماذا يمكن أن يكون أيضًا ؟

الضيف : حصن الأخلاق والدين ..

مما لا يختلف عليه اثنان أن الحرب مع كل ما ذكر  تضرب الجميع لكن تأثيرها ضعيف في العوائل المتماسكة ، والبيوت الأصيلة ، والنفوس المؤمنة ، فالحرب يمكن أن تدمر البنيان لكن لا يمكن أن تدمر الإنسان بمعناه الروحي والفكري ، لو أراد البقاء، وتحلى بالمكارم ، وتشبع بالعقيدة ، وغُذي من لبان الأخلاق الكريمة ..

والحرب عندما تشبب، فإنما هي كالسيل تجرف الأشياء الضعيفة ، والبيوت المهترئة ، والغثاء فقط ، بل إن الحرب مع كل مفرزاتها لا يمكن أن تزيد المؤمن إلا إيمانًا ، والمتحير إلا ثبوتًا ، والمتأرجح إلا عودة إلى الله، والتمسك بشرعه. صاحبات العقيدة الراسخة، والتربية القويمة  تراهن في أقسى ظروف الحياة يفضلن العيش في العراء عن العيش في أوربا تحت العباءة الكنسية ، والسكن في المخيمات التي تفتقر لأدنى مقومات الإنسانية عن السكن في أرض تذهب بدينهن،  وتنتهك أخلاقهن، أو تسيء لعائلاتهن.. تموت الحرة ولا تأكل بثديها. …

المحاور : هل للإعلام دور في ذلك ؟

الضيف : لا شك أن الإعلام شريك أساسي في هذه الكوارث، لأنه صناعة في غالب منتجاتها تستعمل أول ما تستعمل وبالدرجة الأولى لأغراض سياسية، وفكرية، واستعمارية ، لا يمكن لما نراه في الإعلام أخيرًا من تجاوز لكل محظور ، وكسر لكل قيم ، وانتهاك لكل خصوصية ، وتدمير لكل دين ، وإفساد لكل نهوض ، وتشويه لأي صالح ، إلا أن يكون الركن الثالث من أركان الرذيلة التي يتسبب في هروب الفتيات ، وخروجهن عن حصن البيت، ثم سور العائلة والشرود في البلاد ، استعمار غير مباشر قليل التكاليف يحقق أقصى غايات التدمير الذاتي، وتفكيك المجتمعات التي تتهم بالأصولية والتذمت!! ..

المحاور : هل هناك عوامل أخرى يمكن أن تكون على علاقة بما ذكرناه ؟

الضيف : لا ريب أن هذه الثلاثة (الحرب ،وضعف الدين ، والإعلام الفاسد )  أركان انحلال الفتيات الركينة ، ولأنهن الحلقة الأضعف، يخترن الهروب عن المواجهة ، فهي ليست كالذكر ، يمكن للذكر أن ينفصل بمكانه ، ويتحدى كل الأعراف والأشخاص، لكن ليس للبنت ذلك ، فتختار الهروب .. 

إضافة إلى : سوء التربية والتنشئة ، فالتربية عندنا( لم تفرض على البنت لتبقى بل لتهرب)  ، وقد قيل :

ليس اليتيم الذي قد مات أبواه .. إن اليتيم يتيم العلم والأدب ..

نعم اليتيم هو الذي وجد أمًا تخلت وأبًا مشغولًا ..

وكلما نقص جانب الخير زادت احتمالات الشر .. وما يبيض غراب الشر ويفرخ ، إلا في أرض غاب راعيها ، أو تهاون حاميها ..

من سوء التربية” القسوة المجحفة”  ، واستعمال السلطة الأبوية، والذكورية بطريقة حمقاء ، تضغط دون أي تنفيس ، لتولد الانفجار الحتمي الذي لا مفر منه  ، فتنتحر البنت، وقد حدث هذا، أو تهرب غير مبالية بعائلة، ولا دين، ولا أعراف ، وإن لم تتح لها فرصة الهرب ، تبقى جسدًا بلا روح ، محشوة بالعقد، والأمراض النفسية، والسلوكية ؛لتنقل تجربتها لأبنائها وتدمر من حولها ..

من سوء التربية ” الإهمال ” الناتج عن فساد، وجهل الأبوين، أو التفكك الأسري ، إهمال البنت، وتركها أمام كل شاردة تنهل منها في وسائل الاعلام ، وفضاءات التواصل ، والثقة العمياء بها في اختيار سبيلها وصداقاتها ، دون إدراك منهم لحقيقة يثبتها علماء السلوك حيث يؤكدون أن البنت كائن شاعري عاطفي بصفاتها ونفسيتها يمكن للرجل أن يأخذ “غالبًا” منها أي شيء ! فقط معتمدًا على لسانه ..

فماذا لو كان هذا الرجل، أو المنظمة أو الجهة ممن احترف الإغواء، والإضلال، وعرف مكامن القوة، والضعف ، من ذئاب بشرية لا تستطيع أعظم النساء عقلًا ونفسًا أن تقف أمامهن،  إلا أن يتغمدها الله بفضل منه ورحمة ..

لا يمكن لفتاة تلقت تربية سليمة، وتوجيهًا قويمًا، وعرفت معنى العائلة، وأضرار التفكك الأسري أن تترك بيت أهلها، أو زوجها، أو عائلتها ، تحت أقسى الظروف، وأصعب الأحوال ..

المحاور : هل يمكن للفقر الناتج عن الحرب، أو الفقر عمومًا أن يكون سببًا في البحث عن الفردوس المفقود والحياة الأفضل ، والرفاهية هنا وهناك ؟

الضيف : نعم  (كاد الفقر أن يكون كفرا)

الفقر المالي مع الغنى الديني، والسلوكي غالبًا لا يضر، ولكن مع عدمهما هناك الكارثة  ..

قد يصمد الإنسان في وجه الأعاصير، والأمراض والفقد  والابتلاءات، لكن قلما يصمد أمام الفقر إن  وُجٍدت سبل المغريات، وفُقد الرادع ، وقلت المناعة الداخلية ، وهي كثيرة وخاصة عند النساء .. 

المحاور : ماذا ينتج عن الهروب ؟

وماذا يترتب عليه ؟

الضيف : الهروب أول السقوط، فما بعده بلا ريب سقوط متكرر ؛ لأن هذه البنت خرجت من حصن الأسرة فلم تعد قادرة على العودة إليه، وغالبًا في مجتمعاتنا يصعب التعامل مع الضال والمخطئ ، ولا يتقن كثير من الناس فن الاحتواء ، فيكون عودة هذه البنت بعد أن شردت غاية في الصعوبة ، إن لم تكن مستحيلة ، مما يدفعها إلى مسالك أخرى للاعتماد على نفسها في مجتمعات يصعب أن تعتمد البنت على نفسها ، فإن فعلت، وحافظت على شرفها، ودينها، وجابهت السيول، والأعاصير، وحدها ، وغالبًا ما تنكسر ، وتختار الطريق الأسهل والسبل الملتوية ، فتنتقل من سقوط لآخر ، وهذه دعوة مني:  أن نتقن فن التعامل مع المخطئ ، ونقبل التائب ، ونحسن رعاية الشارد ، ونبحث عن هؤلاء الفتيات، فنعيدهن إلى حصن الأسرة ، فإن لم يتسن لنا ذلك، فلا أقل من أن نؤمّن لهن دور رعاية، أو أماكن حماية ، أو سبل رشاد ؛ لأن الضرر المترتب على تركهن أقسى مرارة، وأبلغ أثرًا من الحرب التي دمرت البلاد ، وإذا كانت كفالة اليتيم أعظم الأعمال فهؤلاء الفتيات بحكم الأيتام ..

المحاور : هذا الداء فما العلاج ؟

الضيف : العلاج هو في فهم الداء ، وكان يقال قديمًا اعرف السبب وتداوى بالماء ..

العلاج في ” المناعة ” مهمة المصلحين إيجاد سبل  تقوية المناعة لا الحماية من الأمراض ، المناعة تكون في إصلاح الناس ، من خلال مشاريع إصلاحية هادفة تربوية تنموية ، وتعليمهم العقيدة السليمة، وزراعة الأخلاق في نفوسهم ،ثم التوعية التربوية الأسرية قبل الزواج لكلا الطرفين ، الوعي أهم ما يجب أن يزرع في النفوس ، إدراك المخاطر ، فهم المآلات ، التبصر بالنتائج، والرحمة، واللطف وحسن المعاشرة  ..

أيضًا قيام الرجال بواجبهم في حفظ، وحماية البيوت ، وترك الإهمال، والانشغال، واللهاث وراء المال ،  فأي حرب يكسبها من خسر عائلته وبناته ؟ وأي مال يناله من فقد أعز ممتلكاته ؟ وأي شيء يبقى وقد ذهب عمود الخيمة، وانقطع سلك العقد الناظم ..

هذه مهمة المصلحين، والآباء، والمعلمين، والدعاة وكل من يهمه الأمر من عموم الأمة، وهو متصل بالجميع .  فرض عين لا فرض كفاية ، فكلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته ..

ثم إن المشاريع التنموية التي تقيمها الدولة، أو المنظمات، أو الجماعات يجب أن تجمع مع العقيدة، والأخلاق تعليم مهنة، وحرفة وعلم ينتفع به، تتكسب منها الفتاة، فلو أغلق باب الحاجة ، أغلق به أبواب أخرى كانت تفتح بفتحه ،  فلا شيء كالحاجة، والفقر يمكن أن يفت عضد الإنسان، ويمتحن مكارمه .. بسبب الفقر، ومن أجل المال باعت نساء عوائلهن ، وشرفهن ، وكرامتهن ، وتحولت إلى سلعة رخيصة ، وجارية تباع وتشترى بكبريهات النخاسة الليلية ..

المحاور : لا يسعنا إلا أن نشكر ضيفنا على هذه الإفادة، والشرح شكرًا جزيلًا لكم ..

الضيف : حياكم الله . اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر وأصلحنا وأصلح بناتنا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الخفافيش محورها.. دراسات جديدة تسلط الضوء على أصل كورونا

لا يزال العلماء يبحثون عن أصل كوفيد-19، وسط تساؤلات لم تفلح بعثة منظمة الصحة العالمية …