أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / باراك اوباما ، زعيم صَنعَهُ الشعب قراءة في مذكرات الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية

باراك اوباما ، زعيم صَنعَهُ الشعب قراءة في مذكرات الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية

فهد السالم صقر

كاتب وباحث في العلوم السياسية والعلاقات الدولية
عرض مقالات الكاتب

انتهيت مؤخرًا من قراءة مذكرات الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما ، الأرض الموعودة A Promised Land وفيها يتحدث عن حياته ، طفولته ونشأته ودراسته ، وعن بداية حياته العملية في شيكاغو وزواجه من ميشيل أوباما ، ثم  يتحدث فيها عن بداية حياته السياسية ، وترشحه لمجلس الشيوخ  وفوزه كسيناتورعن ولاية الينوي ( شيكاغو) في العام 2004.

غَطًى الكتاب بشكل رئيسي أحداث الفترة الرئاسية الأولى 2008-2012 فقط ، فيما يبدو أنه الجزء الأول من جزئين لمذكرات الرئيس الرابع والأربعين للولايات المتحدة الأمريكية. مع أن الكتاب طويل (980 صفحة مع الصور والملحقات)  ويسرد تفاصيل مملة عنه ، وعن عائلته وعن مساعديه ، وأعوانه الذين أغدق عليهم اوباما المديح والشكر وعرفان الجميل، وهذا أمر يُحسب له.  ولكن كمراقب سياسي ، أعتقد  أن الدرس الأكبر المُستفاد من الكتاب هو ؛ أن الزعيم  الحقيقي هو ذلك الذي يصنعه الشعب ، وتتبناه الجماهير، دون أن يُفرض عليها من أحد؛ وأن الزعامة السياسية الكاريزماتية ليست حكرًا على نُخبة أو عرق أو لون أو طبقة اجتماعية معينة عندما يظهر القائد المناسب ، المؤمن برسالته ، الثابت على مبادئه، المُتسِق مع قاعدته الشعبية.

ثَمًةَ كيمياء حاسمة ، غامرة ، لا يمكن تجاهلها ، أو إعاقة عقابيلها الحتمية، تحصل بين الجماهير و” مشروع الزعيم الوطني” في مفترقات تاريخية معينة،  فتدفعه إلى المقدمة ، وتُعجًل في ظهوره ، كضرورة اجتماعية سياسية ، وتُسَهِل نجاحَهُ ، وتختصر له الطريق إلى القمة. غالبًا ما تكون هذه الكيمياء عفوية ، معبرة عن نبض الشارع وضميره الجمعي ، مدفوعة بضرورات وجودية مجردة ، ترى في هذا الزعيم مُخلٍصًا لها ، ومتحدثًا باسمها وحلا لمُعضلتها.  استطاع باراك أوباما ، هذا السياسي المُحَنك ، أن يلتقط هذه الكيمياء في لحظة مفصلية مهمة ، ويوظفها بذكاء،  ويستخدمها كمنصة اطلاق للوصول إلى البيت الأبيض في فترة زمنية قصيرة جدا  غير مسبوقة؛ وبالتالي يصبح رئيسًا للجمهورية لفترتين رئاسيتين ناجحتين. لقد استطاع اوباما أن يضع أصبعه على الجرح الأمريكي، في وقت بدى وكأن الجسم السياسي )   The body Politic) قد أصابه الوهَن ، وفقَدَ بوصلته وتوازنه.

لقد كان ظهور باراك اوباما على الساحة السياسية الأمريكية مفاجئًا وسريعًا نسبيًا؛ حصل خلاله على الشرعية الشعبية اللازمة للوصول إلى أعلى منصب في البلاد ،  وأصبح سيد البيت الأبيض لثماني سنوات 2008 -2016  . هذا الأمر،  لم يحدث لأي رئيس أمريكي قبله أو بعده؛  فعادة ما يقضي الرؤساء أو الطامحون إلى الرئاسة سنوات طويلة وعقودًا من الزمن في العمل العام  سواء في الكونغرس أو في الحكومة أو في الجيش، أو حكاما للولايات، قبل أن يترشحوا لمنصب الرئيس ، وقد يحالفهم الحظ أو لا يحالفهم . فعلى سبيل المثال لا الحصر، أمضى الرئيس الجديد جو بايدن أكثر من 47 عامًا في العمل السياسي ، منها 8 سنوات نائبًا للرئيس أوباما،  و39 عامًا كعضو في الكونغرس ،  قبل أن يترشح للرئاسة ، ويفوز بعد المحاولة الثالثة . بينما صعد نجم باراك اوباما إلى المجد في فترة زمنية قصيرة، سنوات معدودة.  أربع سنوات فقط ، تفصل بين فوزه الأول كسيناتور عن ولاية الينوي في العام 2004 و فوزه بالرئاسة عام 2008.  فكيف حدث ذلك  الصعود الصاروخي؟

في أعقاب وأثناء التحضير للحرب الأمريكية الظالمة على العراق عام 2003 ، انقسم السياسيون في أمريكا بين معارض ومؤيد للحرب،  لكن المعارضين كانوا في الأقلية ، نظرًا للتحشيد الإعلامي الهستيري ، وتضخيم خطر صدام حسين الذي سبق الحرب ، وكذبة أسلحة الدمار الشامل الخ…  تركزت هذه المعارضة العقلانية داخل الجذور ولدى كوادر الحزب الشابة في الحزب الديمقراطي، وعند بعض الجمهوريين ـ بينما أيد الكثيرون من زعماء الحزب الديمقراطي في الكونغرس آنذاك الحرب لأسباب انتهازية سياسية، ومنهم هيلاري كلينتون و جو بايدن ، وجون كيري ،  ليعودوا ويغيروا مواقفهم فيما بعد.   كما فعل تماما الكثير من الجمهوريين الذين صوتوا لصالح الحرب في بادئ الأمر، ثم عادوا ليغيروا مواقفهم لاحقًا ، ولكن معارضتهم المتأخرة لم تشفع لهم،   بعد أن تكشفت حقيقة هذه الحرب ونتائجها الكارثية على أمريكا و العراق والمنطقة .

  ماذا عساها تنفع المعارضة بأثر رجعي، “بعد أن فات الفاس في الراس”، أين تُصرف؟   ولكن بالرغم من ذلك ، كان باراك أوباما من الساسة الديمقراطيين القلائل الذين عارضوا هذه الحرب على أسس منطقية عقلانية على طول الخط  ،  و كان واضحًا ومتسقًا مع نفسه ومع أنصاره منذ البداية ، حيث جَسًد موقف الأكثرية الرافضة للحرب داخل الحزب الديمقراطي وعند الشعب الأمريكي.

فقد دُعِيَ اوباما في أكتوبر 2002 إلى إلقاء خطاب في تجمع شعبي في شيكاغو ، نظمه المناهضون للحرب وعلى رأسهم القس جيسي جاكسون.، كان ذلك قبيل فوزه بمقعده في الكونغرس، ألقى باراك اوباما خطابًا مقتضبا ولكنه معبر، أوضحَ فيه موقفه من الحرب بلا لبس.  قال إنه ليس ضد الحرب بالمطلق ، ولا ضد حمل السلاح دفاعًا عن الوطن إذا لزم الأمر، لمنع تكرار حادثة 11 سبتمبر ثانيًا . ولكنه ضد أي حرب غبية ( dumb war) .  وأضاف بأن صدام حسين لا يشكل خطرًا داهمًا على الولايات المتحدة ،  وأن تورطنا في حرب في العراق من شأنه  أن يستتبعه احتلال طويل الأمد ، وكلفة باهظة ، ونتائج لا يحمد عقباها ؛ بالإضافة أننا لم ننه حربنا في أفغانستان بعد ،  ولم نحقق هدفنا في  القبض على أسامة بن لادن،  وإحضاره إلى العدالة ، فهو ما زال حرًا طليقًا. وأنهى خطابه بالقول ” إذا كان الرئيس بوش يبحث عن حرب فليكمل حربه مع القاعدة أولاً ، وليتوقف عن دعم الأنظمة القمعية،  وليوقف اعتماد أمريكا على بترول الشرق الأوسط “.  

يقول اوباما: بعد أن ألقيت خطابي، أخذت مقعدي بين الحاضرين وسط تصفيق الحضور، ولكن كما توقعت لم يكن الخطاب سوى مجرد حدث عارض على هامش المهرجان الشعبي المناهض للحرب .  ولم تتطرق له وسائل الإعلام  إلا بشكل عرضي ومر الخطاب مرور الكرام.

ولكن بعد عدة أشهر من بدء القصف والحرب العراق ، ومع تزايد أعداد الخسائر والقتلى ، والفوضى العارمة التي أعقبت انهيار الدولة العراقية.  بدأت المعارضة للحرب تشتد وتتعمق في صفوف الحزب الديمقراطي خاصة ، والشعب الأمريكي عامة. وفي هذه الأثناء احتدمت المنافسة بين المرشح الديمقراطي للرئاسة الأوفر حظا آنذاك جون كيري  John Kerry – الذي صوت لصالح الحرب – وبين منافسه المغمور نسبيا هوارد دين Howard Dean  ، حاكم ولاية فيرمونت   Vermont المناهض للحرب ، على ترشيح الحزب الديمقراطي لخوض انتخابات 2004 ضد جورج دبليو بوش.  بدأ نشطاء الحزب الديمقراطيين المناهضين للحرب ينشرون مقاطع من خطاب اوباما آنف الذكر على شبكة الإنترنت،  وفجأة ، أصبح هذا الخطاب المقتضب لباراك اوباما حكيمًا ومستبصرًا.  لاقى الخطاب إستحسانا جماهيريًا واسعًا، وبدأ النشطاء السياسيين يتناقلونه  ويوزعونه على نطاق واسع جدًا عبر الإنترنت.

 ومع بداية العام 2004 تسبب هذا الخطاب ، ومحتواه الضارب على الوتر الحساس،  بخلق زخم شعبي لصالح اوباما لا يُستهان به، وبدأت وسائل الإعلام الأمريكية تركز على حملته الانتخابية لمقعد في الكونغرس أكثر فأكثر، وتسلط الضوء عليه، وبدأت الطلبات لعمل مقابلات صحفية معه تنهال عليه من كل حدب وصوب، كما ساهم ذلك في زيادة نسبة التبرعات لصالح حملته أضعاف مضاعفة،  وزادات  طلبات الالتحاق لمتطوعين بحملته. وعلى حد تعبير أحد أركان فريقه،  السيد ديفيد أكسيلرود David Axelrod وهو أحد المساعدين المقربين لأوباما في حملته والذي أصبح فيما بعد كبير مستشاريه في  البيت الأبيض، أن تلك التطورات أطلقت باراك اوباما على مسرح السياسة الأمريكية من فوهة مدفع . Being shot from a cannon

في نوفمبر 2004 كما كان متوقعا ، فاز باراك اوباما بمقعده في الكونغرس عن ولاية الينوي وبفارق ضخم على أقرب منافسيه ، مما زاد من الإثارة الإعلامية حوله ، وبدأت وسائل الإعلام تتسابق للحديث معه،  كشخصية وطنية واعدة ، وكرئيس مستقبلي محتمل. يقول اوباما أنه بعد فوزه كسيناتورفي 2004  بدأ يفكر فيما إذا كانت خطوته السياسية القادمة ستكون الترشح كحاكما لولاية الينوي أم للرئاسة. ولكنه كان اينما ذهب ، وفي كل لقاء صحفي يواجَه بالسؤال الأول ؛ متى ستترشح للرئاسة ؟  هل وضعت فريقًا انتخابيًا للرئاسة ؟ هل بدأت بالتحضير لحملة رئاسية؟  هذا أصبح السؤال الأزلي المطروح في الإعلام الأمريكي،  ليس إذا كان اوباما سيترشح للرئاسة أم لا ، ولكن متى ؟

 من خلال قراءتي  لظاهرة صعود باراك أوباما الصاروخية ، والتي ذكرها في كتابه، يمكنني القول، أن موقفه من الحرب على العراق كان بمثابة الشُعلة التي أوقدت شهرته ، و جعلتها تنتشر كالنار في الهشيم ، وجعلت منه شخصية وطنية بارزة ، يُشارُ إليها بالبنان في يوم وليلة .  ولكن اوباما – وهذه تُحسب له أيضا-  تعامل مع هذه الميزة بذكاء وفطنة ، ولم يجعل قضية الحرب على العراق شُغله الشاغل  أو القضية الطاغية على أجندته السياسية،  فقد كان لديه أفكار وأجندة تقدمية أخرى صادقة ، لا تقل أهمية عن الحرب في  العراق .  أجندة تميل نحو يسار الوسط على الطيف السياسي الأمريكي  وقد دافع عنها وروج لها بحماس عن ايمان وقناعة.  خاصة في ملفات الصحة والتعليم الجامعي والاقتصاد والضرائب على المؤسسات، والبيئة وحرية التجارة و حقوق المثليين الخ.. بالإضافة  لرغبته في  خفض التصعيد العسكري في العراق ، ثم الانسحاب في نهاية المطاف بطريقة منظمة.  لا شك أن ذلك من صفات القائد الناجح والسياسي البارع ، أن يحمل هَمّا ، ويكون صاحب هدف وقضية وطنية مؤمنا بها .  وقد نجح  اوباما الى حد كبير في تحقيق كثير من أجندته، وأن يصنع الفرق لخير بلاده .

لقد كان مصدر قوة أوباما بلا ريب ، كما ذكرت في المقدمة ، هو التفاف الجماهير حوله،    واستناده إلى ضمير الشعب الجمعي للوصول إلى السلطة ، وقد لعب أوراقه بمنتهى الذكاء،  ونجح في اغتنام الفرصة التاريخية التي قذفت به عين الأحداث، و ساهمت في رفعه إلى أعلى سلم الهرم في السلطة . فقد احتل اوباما  مساحة واسعة على الطيف السياسي الأمريكي ، بمعنى ، أن مواقفه السياسية كانت عابرة  للعقائد الحزبية والإثنيات والديموغرافيا، وامتدت على طول وعرض الطيف السياسي.

 لذلك  تمتع اوباما  بقدر كبير من الإجماع والرضا الشعبي كرئيس لكل الأمريكيين. فكان بحق صنيعة الجماهير، الذين وثقوا به، ودفعوا به إلى المقدمة.  لم يكن باراك اوباما مُتصنعا، أو مقلدا أو مبتذلا  أو ضحل التفكير ، بل كان مثقفا ، ذكيًا ومتعلمًا ، واسع الاطلاع لديه مًلًكة القيادة ، بكل بساطة،  لعب باراك أوباما دور نفسه (باراك اوباما) على المسرح . لا أكثر ولا أقل. (Being oneself)

  نجح الرئيس أوباما بتحقيق أجندته داخليًا أكثر مما نجح خارجيا، وإن كان سجله الخارجي لا يخلو من بعض النجاحات، ولكن الكثير من الاخفاقات، ليس أقلها مواقفه المتذبذبة ذات المعايير المزدوجة من الربيع العربي والديمقراطية في العالم العربي.  إن الرئيس الأمريكي ، أي رئيس يملك من الهوامش في الداخل أكثر مما يملك في الخارج ،  فالسياسة الخارجية عادة ما تكون أكثر مؤسساتية ، وتُدار من قبل الخُبراء والمختصين في البنتاجون، والديبلوماسيين في وزارة الخارجية ودوائر الاستخبارات، العسكرية منها والمدنية، وتتأثر بمواقف الدول الأجنبية الحليفة  وتُؤثر بها.

ولهذا أقول ، إن مصداقية الكتاب والمؤلف تُصبح على المحك ، وفي موضع تساؤل عندما ينتقل الحديث الى السياسة الخارجية؛  وذلك لعدة أسباب، أولا ، لإعتبارات أمن قومي وأسرار دولة لا يجوز إفشاؤها ،  وثانيا،  بسبب تأثيرها المحتمل على أطراف خارجية، وثالثا، لأن الرئيس في كثير من الأحيان يكون مُجرد منفذ ، لا صانعًا أو مقررًا،  للسياسة الخارجية.   ورابعًا، وهو الأهم ، أن الدوافع الأمريكية في السياسة الخارجية غالبا ما تكون غير أخلاقية، مدفوعة بالمصالح الاقتصادية البحتة ، ومغلفة أحيانًا بدوافع إنسانية.

 تحدث أوباما بإسهاب مثلا عن دوافع بلاده في التدخل في ليبيا ،  وعن تأثير إدارته في ثورة يناير 2011 في مصر، ومن حيث لا يدري ، فضح موقف بلاده بشكل لا لبس فيه في كلا البلدين.  تشدق  اوباما زورا وبهتانا بالدوافع الإنسانية  للتدخل في ليبيا ، وبالدوافع الديمقراطية وضرورة التغيير السلمي للسلطة في مصر، و ناقض نفسه بقوة في كلا الحالتين. وقد كان لسان حالي وأنا أقرأ تبريراته للتدخل في ليبيا يقول : ( على هامان يافرعون !).

نتساءل أين كانت هذه الدوافع الإنسانية في الملف السوري ؟ عندما انتهجت إدارته سياسة  “التخبط المقصود لذاته” مع سبق الإصرار والترصد ( التخبُط الخَلّاق).  وحكاية الخطوط الحمراء الوهمية، التي تبين أنها لم تكن إلا أضواء خضراء ، تُعطى للنظام بعد كل مجزرة.  فالخط الأحمر الذي قال اوباما أنه رسمه لبشار الأسد بعدم استعمال الأسلحة الكيماوية ، كان يعني للنظام أمران ، أولاً ، ضوء أخضر للمجرم ليستعمل كل الأسلحة التقليدية الفتاكة التي في جعبته ضد شعبه، طالما أن الفيتو لا يشمل إلّا السلاح الكيماوي فقط.  وثانيًا، أعطى الانطباع بأن جُل اهتمام الإدارة الأمريكية لم يكن تحرير الشعب السوري ، وتسهيل انعتاقه من نير الاستبداد ، بل إدارة الأزمة وعدم استعمال السلاح الكيماوي ، ولكن استعمال كل ما عداه من أسلحة أشد فتكًا، كالبراميل المتفجرة.

 و في نهاية المطاف ، عندما استعمل النظام السلاح الكيماوي في الغوطة في أغسطس 2013،  وثبت ذلك بالدليل القاطع ، انكشفت الإدارة الأمريكية على حقيقتها ، لَحَسَ اوباما خطه الأحمر وبلع لسانه.  ودخل في مفاوضات ووساطات برعاية  الشريك الروسي ، للوصول الى اتفاق لتخليص سوريا من السلاح الكيماوي،  وتسليمه ترسانته مقابل عدم مهاجمته. الأمر الذي وطد شرعية النظام أكثر وأكثر، وفتح الباب على مصراعيه لإعادة تأهيله دوليًا.

 عمليا، تم مكافئة بشار الأسد على هجومه الكيماوي في الغوطة من قبل إدارة أوباما والأمم المتحدة ، حيث شكل هجوم الغوطة نقطة التحول الفاضحة لأمريكا والمجتمع الدولي من الثورة السورية ومن النظام والإستدارة بزاوية 180 درجة.  فبينما  أعطت إدارة أوباما الانطباع العام أن سياستها في سوريا مترددة وغير واضحة إلا أنها فعليا ، وعلى أرض الواقع ، كانت سياسة مدروسة بدقة وعناية .  فالمؤسسات الأمريكية الفاعلة ( البنتاجون ، وزارة الخارجية ، السي آي إيه ، الخ…) كانت تعرف جيدا ماذا تفعل ، وماذا تريد تحقيقه بالضبط في سوريا منذ اليوم الأول للثورة ؛ تدمير البلد وعدم إسقاط النظام .  وهذا بالضبط كان مطلبًا إسرائيلياً بامتياز. وهذا الذي تم، و ما عدا ذلك من تفاصيل فهو نقاش أكاديمي.

 لقد نسي أوباما أن يذكر لنا فيما إذا كانت دوافع بلاده “الإنسانية ” المزعومة في ليبيا تأثرت بعدد براميل النفط وبكمية النفط الليبي المُنتج وضمان حصة بلاده منه ، أم بمنع وقوع سقوط بنغازي بيد القذافي حسب زعمه. لقد ذَرَف الرئيس الفرنسي نيكولاس ساركوزي وباراك اوباما ورئيس وزراء ايطاليا والإتحاد الأوروبي ، الكثير من دموع التماسيح على الليبيين ، لم نشاهدها تُذرف  على السوريين.  أمّا في مصر،  فأين كانت الديمقراطية والتبادل السلمي للسلطة يا باراك اوباما عندما وقفت إدارتك متفرجة – بل ومُحرضة- على إنقلاب عسكري عام 2013  ضد الشرعية وضد نتائج صناديق الاقتراع ، التي جاءت على عكس ما تشتهيه سفنكم؟!  

يقول أوباما في كتابه : إن الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك كان يعيش في عالمه الخاص، محاطًا بالمنافقين الذين كانوا يقولون له فقط ما يحب سماعه،  وأنه تمسّك بالحكم حتى الرمق الأخير. وأنه قاوم ضغوطات إدارته وتلميحاته الضمنية له بالتنحي.  يحاول اوباما في كتابه أن يجعل من موضوع سقوط مبارك مادةً درامية، عندما يدّعي أن أركان إدارته كانوا منقسمين  في مواقفهم من مبارك ، منهم من طالب بعدم التخلي عنه ، مثل وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون  والبعض الآخر، وهو منهم،  كانوا مع الاستجابة لنبض الشعب ، وتلبية مطلب المتظاهرين برحيل مبارك.  

ولكن ، على حد قول أوباما – وهنا بيت القصيد – لم يقتنع مبارك في نهاية المطاف بالتنحي والرحيل من تلقاء نفسه ،  إلّا بعد أن تيقن أن كبار ضباط الجيش المصري،  وبناءً على  تلميحات صريحة،  ونصائح واضحة من “نظرائهم الأمريكيين” ، أوصلوا الرسالة لمبارك بأنهم سيقفون على الحياد من الثوار ولن يقمعوا المتظاهرين ، بل وأنهم لن يمنعوا وصولهم إلى الميادين؛ هنا تحديدًا، ضع خط تحت كلمة ” نظرائهم”.  لأن أوباما يعترف بأن تأثير هؤلاء الضباط  مع “نظرائهم” كان أكثر فعالية من أثر المبعوثين السياسيين والوزراء الذين كانوا يتحدثون إلى مبارك مباشرة.  الخلاصة، أمريكا هي التي سحبت البساط من تحت حسني مبارك في آخر أيامه عندما أيقنت أن الثورة الشعبية غير قابلة للإجهاض أو القمع، ولكنها في الوقت نفسه كانت تملك الخطة ب.

كان عبدالفتاح السيسي على ما يبدو الحصان الأسود الذي كانت تراهن عليه أمريكا ، وتُعّده منذ بداية الثورة وقبل ذلك بكثير،  كبديل لمبارك،  لقد كان عبدالفتاح  على تواصل دائم مع  “نظرائه ” الأمريكان، أولاً ، كقائد للاستخبارات في الجيش أثناء ثورة يونيو وفي آخر عهد مبارك، ثم بعد الانتخابات كوزير للدفاع في حكومة الرئيس الشهيد محمد مرسي؛ وقد اعترف السيسي بذلك شخصيًا ، عندما صَرّح في أكثر من مناسبة ، أنه قام بالتحدث إلى نظيره وزير الدفاع الأمريكي تشاك هيغل لأكثر من 16 مرة خلال سنة 2013، وأعطى بذلك تقريرًا رسميًا أثناء أجتماع مع كبار الضباط. ماذا كان يناقش وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي مع  نظيره الأمريكي 16 مرة قبل الانقلاب؟!

هناك تصريحات لمايكل فلين  Michael Flynn الذي عينه دونالد ترامب في بداية إدارته مستشارًا للأمن القومي ثم أقيل نتيجة فضيحة سياسية،  عن الصداقة التي نشأت بينه وبين ” نظيره”  ( ضع عشرة خطوط تحت كلمة نظيره) عبدالفتاح السيسي، عندما كان مايكل فلين رئيسا للاستخبارات العسكرية الأمريكية. وتصريحات أخرى  يغدق فيها المديح على عبدالفتاح السيسي ويثمن جهوده في محاربة الإسلام و الإسلاميين ؛  ويعتبر مايكل  فلين من أكبر الحاقدين على الإسلام، وقد طُرد من وكالة استخبارات الدفاع عام 2014 بسبب تصريحاته العنصرية المعادية للإسلام؛ وقد دافع هذا الأخير في تسجيلات تجدونها عاليوتيوب عن عبدالفتاح  السيسي بشدّة ، وطالب بدعمه على اعتبار أنه يخوض حربًا ضد التطرف الإسلامي.

ولكن المخفي أعظم ،وليس كل ما يُعرف يُقال !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

الصحراء للمغرب كالهواء والماء

مصطفى منيغ سفير السلام العالمي مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي في سيدني-استراليا عرض مقالات …