أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / رسالة إلى… “جو”

رسالة إلى… “جو”

ا. عبود العثمان

أديب وشاعر سوري
عرض مقالات الكاتب

السيد المحترم “جو بايدن” ،رئيس الولايات المتحدة الأمريكية… تحية طيبة.. وبعد:
أنا “سوري” يعيش في المهاجر، في بلاد الله الواسعة ،الواسعة على أهلها، الضيّقة علي، وعلى أمثالي من المهجّرين، لذلك لم أعرّف عن نفسي بالقول: إنني”مواطن سوري” ،فأنا خارج الوطن الذي ولدت فيه ، حتى ولو حملته في داخلي.

السيد الرئيس:
بعد الانتهاء من مشاهدتي لحفل تنصيبكم رئيساً للولايات المتحدة– والذي مرّ بارداً كبرودة الطقس الذي أحاط به، وبالرغم من كل المحاولات الهوليودية التي حاولت إخراجه بما يتناسب مع تقاليده البروتوكالية، والتي يتم التركيز فيها غالباً على الرئيس المنتخب “بطل الفيلم الهوليودي”– وبعد هذه الساعات الطوال من المشاهدة، وبعد استماعي للكلمات التي ألقيت من فوق منبره، وعلى ما تعوّدنا عليه من خطابات أمريكية في هكذا مناسبة، خطابات مفعمة بالإنسانية وحب الخير للشعب الأمريكي ولبقية شعوب العالم، تحمل الوعود بالسلم والسلام، والأمن والأمان، لكل البشرية، وبأن القادم من الأيام سيكون أفضل مما مضى، وبأن “الحلم الأمريكي “سيبقى حلماً لكل الشعوب، ولن يكون “كابوساً” عليها، كما يحاول أعداء امريكا الترويج لذلك.

السيد الرئيس:
لقد نغّص عليك سلفك”دونالد ترامب” هذه الاحتفالية التي لطالما حلمت بها منذ أن ولجت باب السياسة منذ ما يقرب من نصف قرن، فقد خرق “الأخرق”-كما تصفه انت- البروتوكول الأمريكي، ولم يحضر مراسم تقلّدك مهام الرئاسة، ولم يعترف بك رئيساً منتخباً، متهمك باللصوصية، وسرقة الأصوات الإنتخابية التي كانت لصالحه!
وبالرغم من أن الاتهام بسرقة الأصوات والتلاعب بنتائج الانتخابات ليس حدثاً مستغرباً لديكم، فقدشهدت السباقات نحو البيت الأبيض الكثير من هذا التخوين والإتهام باللصوصية من قبل، كما حدث بين “آل غور” الخاسر، و”بوش الإبن” الرابح، وكذلك بين “هيلاري” الخاسرة، و”ترامب” الرابح، وهذا فقط في الأمد القريب، أمّا إذا ما استعرضنا تاريخ الرئاسات الأمريكية، فسنجد فيها ما هو أشد شراسة في ميدان التنافس على الرئاسة، فقد اغتيل رؤساء – ابراهام لنكولن، جون كندي- مثالاً على ذلك، وهذا دليل على أن ديموقراطيتكم يا سيادة الرئيس هي ديموقراطية ليست ناصعة البياض، بل لونها قاني، وملطخة بالفضائح والمؤامرات، وإلاّ بماذا تفسرّ اليوم احتفالية تنصيب “الرابح”وهو محاط بآلاف من قوات الحرس الوطني خوفاً من اعتداء يُشن عليه من قبل جمهور “الخاسر”!.

السيد الرئيس:
لقد تألمنا كثيراً على ما حلّ بكم ونحن نشاهد جماعة الغوغاء وهم يقتحمون معقل الديموقراطية الأمريكية لديكم في مبنى “الكونغرس”،وكيف أرادوا تعطيل إجراءات تسلّمكم للرئاسة، وكيف أنهم عبثوا بمحتويات المبنى وألحقوا فيه أضراراً، وسقط جرّاء ذلك عدد محدود من حراس المبنى بين قتيل وجريح، ولكننا في ذات الوقت تذكّرنا موقفكم من قضية الشعب السوري حين كنتم تضطلعون بمنصب نائب الرئيس في عهد التافه”اوباما”-اعذرني عن هذا التوصيف لـ “أوباما”فليس لدي مرادفة تصفه بأقل من ذلك- وكنتم ترون بأم أعينكم كيف كنا نُقتل بالآلاف على يد عصابات النظام وشركائه القتلة من “الروس” والإيرانيين، وتهدم بيوتنا على رؤوس ساكنيها و تنهب وتسرق ممتلكاتنا وتحرق حقولنا ، وكيف كان موقف إدارتكم من جريمة مجزرة “السلاح الكيماوي” التي ارتكبها النظام المجرم، وكيف اتفقتم مع المجرمين “الروس” لتنقذوا القاتل “بشار الأسد”، وتوجدوا له مخرجاً من جريمته الشنيعة!
كل ذلك ما زال في الذاكرة ولم ننساه.

السيد الرئيس:
لقد شاهدناك وانت تذرف الدموع حين غادرت ولايتك لتولّي منصب الرئاسة في “واشنطن”،وكيف ودّعت مقبرة العائلة التي تضم رفاة أمك وأبيك، وكيف أجهشت بالبكاء في منظر يقطر انسانية وحزناً،وهنا لا بد من تذكيرك أيها “المحترم” بأن بلدنا أصبح “مقبرة كبيرة” لا فرق فيها بين الأحياء والأموات، وأنتم تشاهدون المجازر واحدة تلو الأخرى على مدار عقد من الزمن، ولم يرفّ لكم جفن، ولم تذرفوا علينا دمعة واحدة حتى ولو كانت كاذبة!

السيد الرئيس:
الحقيقة، أننا نحن شعب سوريا، لم نعد نعوّل كثيراً على انسانيتكم ومواقفكم الأخلاقية لكي تقفوا إلى جانب قضيتنا، ولكن -ولا نخفيك سراً- بأننا متطيّرون من قدومكم ،ومتوجّسون فيكم الريبة، وتركبُنا الهواجس جرّاء ما صرّحتم به
من نوايا وتوجهات،من اعتزامكم إعادة الثقة بالنظام الإيراني من خلال إعادة العمل باتفاقية الحد من برنامجه النووي ،وكذلك تصريحاتكم المنمّقة والهادئة حول إمكانية إعادة تعويم النظام المجرم في دمشق، وتهذيب سلوكه، بعد كل ما فعل، كذلك توجهكم حول دعم القوى الكردية الانفصالية، واستخدامها كاداة تقسيم للعبث بالجغرافية السياسية للمنطقة!

السيد الرئيس:
ما نطلبه منك، وانت في أواخر الزمن المحدد لك في هذه الحياة، أن تكون إنساناً قبل أن تكون رئيساً للولايات المتحدة ،كي تجد لك قبراً إلى جانب أمك وأبيك، تنعم فيه بهدوء وسلام، وبراحة ضمير، مكفّراً عن خطاياك السابقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بالألمانية الصحراء مغربية

مصطفى منيغ سفير السلام العالمي مدير مكتب المغرب لمنظمة الضمير العالمي في سيدني-استراليا عرض مقالات …