أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الربيع العربي بين الأمل واليأس

الربيع العربي بين الأمل واليأس

محمد علي الباز

كاتب وباحث في العلوم السياسية
عرض مقالات الكاتب

إننا لا نفقد آمالنا في الحياة إلا أن نفقد الإحساس بالحياة ، فنفقد الرغبة فيها . وما دامت لنا في الحياة رغبةٌ أو شهوة ، فآمالنا أبدًا حيةٌ تتحرك بل تتجدد بل تزيد وتتكاثر ، وأيُما أمل تعْتاقُنا(1) عنه ضرورة لا نملكها ، ولا نُعطي القدرة على تصريفها كما نشاء ، فهو أمل يتوالد آمالا كثيرة صغيرة تكبُر وتتعاظم . (2)

تتجدد ذكرى الربيع العربي والثورة المصرية كل عام فى ذلك الوقت . وتصارع آمالنا فى الحياة ورغباتنا فى التغيير ، اليأس والإحباط من الواقع الحالك والأحداث المؤلمة  والمؤامرات الخبيثة . لقد صدّرت المقال بكلمة العلامة محمود شاكر عن الأمل والإحساس بالحياة ، بعدما رأى بعض القراء الأعزاء أن توصيف الحال بعد عشر سنوات من الربيع العربي  فى مقالي السابق(3) كان حادا ومتشاءما للغاية  .

كان التوصيف هكذا لأن هذه هي الحال ، هذه هي الحقيقة ، التي لابد لنا أن نعرفها جيدا ، ولابد لنا أن نتأهَل لمواجهتها ، إننا إذا أردنا أن نخطو إلي الأمام لابد أن نعرف أين نقف وإلي أي وجهةٍ نتوجه .    إن رسالتي إليكم اليوم هى رسالة بعثِ الروح وبثِ الأمل وإيقاظِ الهمة ،

قال تعالي  ( ” وزيناها للناظرين ” ) الحِجر 16

وقال المصطفي صلى الله عليه وسلم (إن الدنيا حُلوة خَضِرة، وإن الله مستخلفكم فيها ) (4)

إن الله قد زين لنا الدنيا لتبعث فينا الأمل ، كلما تأملنا ونظرنا فى جمالها وزينتها وسمائها وشمسها وقمرها  وإلى كلِ ما أبدعه الخالق المصور فيها ، إن حلاوة هذه الدنيا تتجدد وعجزُنا عن إدراك معني الجمال والحلاوة فيها ، لهو عين الشقاء والتعاسة . وتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم لنا لإدراك معني الجمال والحلاوة فيها هو توجيهٌ نحو الأمل والسعادة والاطمئنان .

يقول الشاعر  سابق بن عبد الله البربري :

والمَرءُ ما عاشَ في الدنيا له أملُ   ***     إذا انقَضى سَفَر منها أتَى سَفَرُ

لا يُشبِعُ النفسَ شيءٌ حين تُحرِزُهُ         ***    ولا يزالُ لها في غَيرِه وَطَرُ

ولا تزالُ وإن كَانت لها سَعَةٌ      ***     لَهَا إلى الشيءِ لم تَظفَر به نَظَرُ

إن آمالنا فى الدنيا لم تتحقق بعد ، وإنا إلى طريق طلبها وتحقيقها  ماضون . ولكننا فى سفرٍ طويل سيعقبه سفرٌ  وعملٌ ، ولابد أن يسبق العمل إعداد واستعداد  , وسوف نبحرُ فيه بسفن إيماننا الذي تُرسِخه تلك المحن والابتلاءات  .

إن الربيع العربي لا يعدو  فى مكنونهِ بداية لتشكيل وعى جماعي ، وسوف ينتُج من هذا الوعي بلا شك مجتمع قادر على استيعاب الدروس ووضع الخطط ورؤية المستقبل . ولن يكون ذلك فقط ، ولكن النتاج الأهم و الأبطئ لهذا الوعي هو خلقُ جيل جديد بروح جديدة ، هذه الروح لن تقبل القوالب الفكرية أو الأطروحات الغربية ، سوف تخلق لكيانها روحً فكرية جديدة من عقيدتها وهويتها وتاريخها .

 أقول لشعوبنا العربية والإسلامية لا تستمعوا لأصوات الهالكين ، فمن قال هلكَ الناس فهو أهلكُهم وأهلكَهم . إن الأمل فينا لن يموت . ونحن قادرون على تجاوز هذه المحن والأزمات ، بالإيمان والعمل ، بالفكر والتخطيط ، بالعزم والقوة ،بالحكمة والصبر .

 لم يخامر قلبي يأس قط من هذه الفترة التي نعيش فيها من زمننا، ولم يداخلني الشك في حقيقة هذه الشعوب، وإن كانت لا تزال تعيش في بلبلة جياشة بأخلاط من الغرور والخداع والعبث ،  وفي أكفان من الفقر والجهل والمخافة ، وفي كهوف من الظلم والاستبداد وقلة الرحمة ، كل ذلك شيء أراه وأعرفه ، ولكني أستشفُّ تحت ذلك كله نقاء وطهرًا وقوة تدب في أوصال هذا العالم الذي أوجِّه إليه كلامي ، وهو خليق أن يتجمع للوثبة في الساعة التي كُتب له فيها أن يهبَّ مرة واحدة تذهل الناس كما أذهلتهم من قبل ، وهو خليق أن يكون سرَّ الحياة الجديدة التي تضرب عروقها إلى عصور بعيدة في تاريخ البشر . ولعل هذه المحن التي أحاطت به من خارج ، والتي استبطنته من داخل ، هي حوافز البعث الجديد ، وهي نار التمحيص التي تنفي خبثه كما ينفي الكير خبث الحديد .”(5)

الهوامش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

زيارة البابا إلى العراق!

محمود الجاف كاتب وصحفي عراقي قال تعالى ( وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا …