أخبار عاجلة
الرئيسية / مختارات / حصار أمريكا من الداخل! احتلال العاصمة واشنطن. لا يمكن إيقاف هذا الانهيار

حصار أمريكا من الداخل! احتلال العاصمة واشنطن. لا يمكن إيقاف هذا الانهيار

إبراهيم قراغول

ماذا يعني بالنسبة للعالم أن تتحدث الولايات المتحدة عن “التهديد الداخلي” و”الإرهاب المحلي” و”التدخل الخارجي” بل وحتى “الصراع الأهلي”؟

وكيف تخبرنا العبارات والمصطلحات المستخدمة والرعب الذي نراه والاستعدادات التي نشهدها بأنباء عن الولايات المتحدة ونظام القوى الدولي؟

وبماذا يخبرنا ما تعيشه الولايات المتحدة أو تناقشه اليوم داخلها وهي التي لطالما احتلت الدول وأشعت فتيل الحروب الاهلية وحرضت على الحروب العرقية والمذهبية ونفذت عمليات على المستوى الدولي تحت مسمى “مكافحة الإرهاب” وكان لها يد في الانقلابات العسكرية واغتيال زعماء الدول ونشرت جزءًا كبيرًا من قواتها في شتى باقع العالم وغيرت الأنظمة الحاكمة وعاقبت كلّ دولة قاومتها واستولت على مقدرات الشعوب وسخرت العالم كله من أجل “نظام أمريكي”؟

ماذا تعني الديمقراطية وحرية التعبير؟

لقد فشلوا في إجراء انتخابات حرة

لقد رأينا أن أمريكا عجزت حتى عن إجراء انتخاباتها الرئاسية بشكل حر وصحيح وهي التي لطالما قدمت نفسها للعالم على أنها مهد الديمقراطية وحرية التعبير والليبرالية واستغلت كل هذه القيم كقوة ومادة إقصاء في مواجهة كل دول العالم وأخفت خلفها كل ما ارتكبته من شرور. كما رأينا أنهم عجزوا عن إعلان نتيجة الانتخابات بشكل صحيح وأن الانتخابات شهدت فضائح فساد وأنهم عاجزون عن تسليم السلطة من الرئيس الحالي للرئيس الجديد.

لقد رأينا مبنى الكونغرس قلعة الليبرالية وهو يتعرض للاحتلال للمرة الأولى منذ الاحتلال البريطاني سنة 1814. رأينا كيف عجزوا عن حماية برلمانهم وكيف أسندوا المهمة للجيش بدلا من اتخاذ ما يلزم من تدابير بواسطة الشرطة، ورأينا زعماء الليبرالية وهم يشرفون على جنود الجيش أمام مبنى الكونغرس.

دولة تهدد رئيسها!

لقد رأينا أكثر النماذج فاشية ضد حرية التعبير، رأيناهم كيف يفرضوا رقابة على رئيس دولتهم ليخرسوه ويمنعوه من الحديث في مختلف مواقع التواصل الاجتماعي فيما يشبه الحصار الإعلامي.

رأينا كيف تحول من يتشدقون دائما عن حرية التعبير والإعلام ومن يمارسون ضغوطا على العديد من البلدان بما فيها تركيا، كيف تحولوا إلى كائنات شرسة عندما أصبح الحديث عن أنفسهم.

دولة احتلت عاصمتها

أمريكا تخشى شعبها

هناك أقاويل مفادها أن يوم الأربعاء المقبل سيشهد احتجاجات مسلحة في الولايات الأمريكية الخمسين وأن بعض قوات الشرطة والجيش ربما تدعم هذه الاحتجاجات.

إن واشنطن تبدو وكأنها عاصمة محتلة، فكل الطرق تغلق بشحنات الرمال، كما ينتشر آلاف الجنود في كل الشوارع وليس مبنى الكونغرس وحسب.

إن الولايات المتحدة تخشى شعبها وتدافع عن نفسها ضده. وهناك 10% من الناخبين علقوا على مهاجمة مبنى الكونغرس على أنه “حماية للديمقراطية”. فهناك مخاوف من انتشار هذا الرأي وتعميمه.

إنهم يتحدثون عن إمكانية انتقال رد الفعل هذا على مستوى المنظمات إلى المستوى الجماهيري. أما من يعترضون على ذلك فيتصرفون برموز من قبيل “إعادة بناء أمريكا” و”إنقاذ أمريكا”.

انهيار كل الإمبراطوريات

الضعف دائما من داخلهم

إن ما حدث وما رأيناه من رموز رفعت لشيء عميق، الأمر ذاته ينطبق على التناقضات الشديدة بين ما تقوله أمريكا للعالم وما يحدث داخلها. بل ولربما يكون الخوف مما يمكن أن يحدث مستقبلا أعمق من ذلك كله.

إن كل الإمبراطوريات تنهار، فأقوى الإمبراطوريات تحتوي على أخطر جوانب الضعف. فالذين يسيطرون على العالم ويصولون ويجولون يتعرضون لتلقي الضربات من داخل حصونهم.

إن الشيء الوحيد القادرة على الحيلولة دون وقوع الأمور الخطيرة التي تخشاها الولايات المتحدة مستقبلا هو الإيمان بالقوة التي تمتلكها منذ سنوات طويلة. وعندما تهتز الثقة بهذا الإيمان، وهو ما نراه، تتحول أمريكا إلى دولة عالم ثالث لنراهم يتناقشون فيما بينهم حول “جمهورية الموز”.

لا يمكن لأمريكا أن تفرض الديمقراطية وحرية التعبير على أحد بعد اليوم

لن تستطيع أمريكا بعد اليوم أن تفعل ما يلي:

1- فرض الديمقراطية على أحد أو تلقينه الدروس أو تقييم الانتخابات، فلا يمكن لدولة أفسدت انتخاباتها أن تلقن الآخرين شيئا.

2- الحكم على أحد أو مساءلته من خلال حرية التعبير بعدما أظهرت أن هذا الحق لا يمثل شيئا بالنسبة لها داخليا وأعلنت رئيسها تهديدا وحظرت أبسط حق من حقوق حرية التعبير وأغلقت أبوابه كافة ولجأت لممارسة ضغوط فاشية من الدرجة الأولى.

3- فرض فكرة مكافحة الإرهاب على أحد أو اختبار أحد من خلال الإرهاب أو إقناع أحد بمكافحة الإرهاب. وقد كنا نعلم أنها هي التي دعمت وأدارت كل التنظيمات الإرهابية حول العالم وكانت تهاجم الدول من خلالها. كما نعلم أنها أرسلت 50 ألف شاحنة سلاح إلى بي كا كا في سوريا.

انتقال الحرب والإرهاب إلى داخل الأراضي الأمريكية

أين العقيدة والردع؟

4- لكن الولايات المتحدة أصبحت الدولة التي يتحدث أهلها عن “الإرهاب الداخلي” بعدما انتقلت كل الحروب التي خاضتها في الخارج إلى أراضيها لتجبر من الآن فصاعدا على مكافحة الإرهاب العنصري الأبيض وتنظيمات مثل أنتيفا.

5- لا تستطيع أمريكا أن تلقن أحدا دروسا في الأمن ونظرياته أو تتحدث عن الأمن القومي أو تروج لأفكارها بقولها “سأحميكم من التهديدات الداخلية والخارجية”. فلا يمكن لدولة عجزت عن حماية عاصمتها أن تكون نموذجا لدولة أخرى تحميها.

6- لا تستطيع أمريكا أن تعرض التحالف أو الشراكة الاستراتيجية على أحد. ذلك أنها لم تعد مصدر أمان لأي دولة، فليس هناك أي دولة يمكنها أن تشعر بأنها بأمان وهي حليفة لواشنطن التي خسرت قدرتها على الردع. ولا يمكن لدولة تواجه اضطرابات داخلية أن توفر الأمان والنظام للعالم.

انتقال سلطة الدولة الأمريكية للشركات

اتخاذ العديد من الدول تدابير وقائية

7- لقد نفذوا انقلابا من خلال الشركات المالكة لمواقع التواصل الاجتماعي لنشهد نموذجا من نماذج الاستبداد المروعة بعدما ضربوا بحقوق الإنسان عرض الحائط. ولقد انتقلت سلطة الدولة الأمريكية لهذه الشركات. فلم يعد هناك شيء اسمه حكومة أمريكية، بل أصبحت هذه الشركات هي الآمر الناهي. وقد أضحت الولايات المتحدة هي أولى الدول التي هزمتها هذه الشركات.

8- سيفكر العديد من الدول فيما يمكن أن تفعله بها هذه الشركات وما تضعه من مخططات لتغيير الأنظمة والحكومات والزعماء، لتتخذ ما يلزم من تدابير، ولنشهد صراعات على القوة والسلطة والمصلحة بين هذه الشركات والحكومات لأنه لم يعد هناك مكان للديمقراطية وحرية التعبير.

بداية الانهيار: اقتتال داخلي أمريكي

9- ستلجأ الحكومات لتطوير استراتيجيات أمنية لمواجهة هذه الشركات من أجل حماية دولتها وشعبها، لترسم ملامح خريطة القوى الدولية وفق تفاصيل تصفية الحسابات التي ستجري بين هذه الشركات وبين الدول والشعوب لا بين أمريكا والعالم.

10- لا تستطيع أمريكا أن تقترح على أحد مخططا جديدا للعالم. لقد وصلت واشنطن إلى ذروة القوة ليبدأ الانهيار والتراجع. وستشهد الولايات المتحدة مستقبلا تصفية حسابات داخلية ستخسر فيها قوتها وتتلقى ضربات موجعة وإصابات خطيرة بسبب انقسام مجتمعها في الوقت الذي تحرض هي فيه على إذكاء نيران الصراعات المذهبية والدينية والعرقية في العديد من الدول.

11- ولو حتى تسلم بايدن السلطة بلا مشاكل بعد يومين فإن هذا الجرح ما يزال ينزف بعد أن أصيب به الجسد الأمريكي، لتبدأ تصفية الحسابات، ويبدو أنه لن يكون له دواء. وحتى لو أرادوا إشعال فتيل الحرب والصراع في عدة مناطق حول العالم لنقل التهديد الداخلي إلى الخارج، فإن هذه “الطريقة العتيقة” لن تفلح بل ستسرع وتيرة الانهيار الداخلي.

التنظيمات الإرهابية ومن انتظروا نصيبهم من كعكة السلطة السياسية في أمريكا صاروا بلا داعم

12- أرى أن التنظيمات الإرهابية صارت بلا داعم، وكذلك هو الحال لمن عقدوا آمالهم على الوصول للسلطة من خلال القوة الأمريكية ومن سلموا عقولهم لأصحاب السلطة القديمة في واشنطن. فمن ابتعد عن أمريكا زادت مكانته بقدر ابتعاده، ولن يكون عهد بايدن سوى تسارع لوتيرة “الانهيار” هذه.

13- تأتي تركيا في مقدمة الدول التي تلألأ نجمها وصعدت على الساحة وملأت الفراغ الذي خلفه تغير موازين القوى التي وضعتها الولايات المتحدة. ولا شك أنها ستخطط جيدا لكل هذه الأمور وستخوض كفاحا شرسا ضد كل من يحاولون هدم هذه المخططات من الداخل والخارج. ولعلنا نرى هذه الخطوات تواليا خلال المرحلة المقبلة.

لا يمكن إيقاف الانهيار

العالم يتغير الآن

14- لقد تلقت الولايات المتحدة ضربة موجعة بينما أرادت أن يسير العالم حسبما ترى، فتعرضت لاحتلال داخلي، لتستنفد بعد ذلك طاقتها على ما يحدث داخلها. إن النظام الدولي يتغير الآن، ليبدأ انهيار لا يمكن إيقافه بالنسبة لأمريكا وإعادة هيكلة لا يمكن إيقافها بالنسبة للعالم. والعجيب ان هجمات 11 أيلول ضربت أمريكا من الداخل، فبدأ عهد الاضمحلال، وكذلك وجهت الأحداث الحالية ضربة داخلية لواشنطن، ليبدأ عهد الانهيار والسقوط، ذلك الانهيار الذي حدث داخل العقول منذ زمن بعيد.

إبراهيم قراغول – كاتب تركي

المصدر ، يني شفق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

زيارة بابا الفاتكان فرانسيس إلى العراق 2021م والاعتذار لمن سبقه

الشيخ د. عبد الرزاق السعدي من ثوابت الدين الإسلامي الحنيف احترام الأديان …