أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الأسس القانونية للتدخل الدولي الإنساني دراسة حالة ليبيا 1من 2

الأسس القانونية للتدخل الدولي الإنساني دراسة حالة ليبيا 1من 2

الدكتور السيد مصطفى أبو الخير

خبير أكاديمي في القانون الدولي
عرض مقالات الكاتب

مقدمة

     ازدادت حالات التدخل الدولى بمزاعم إنسانية، والإنسانية منها براء، وذلك لتغيير القواعد القانونية الثابتة والمستقرة فى القانون الدولى فقها وقضاء التى تمنع التدخل فى الشئون الداخلية للدول إعمالا لمبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول الوارد فى الفقرة السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، واحتراما لمبدأ المساواة فى السيادة بين الدول الوارد فى الفقرة الأولى من المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، كما أنه يهدد السلم والأمن الدوليين أهم أهداف ميثاق الأمم المتحدة الوارد فى الفقرة الأولى من المادة الأولى من ميثاق الأمم المتحدة، لصالح الدول الكبرى وفى مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، مما يشكل خطورة كبيرة على معظم الدول فى المجتمع الدولى، وقد أسرع الفقه الدولى فى دراسة تلك الظاهرة الخطيرة التى تهدد استقرار وبنيان المجتمع الدولى، وقد أنقسم الفقه الدولى بشأن التدخل الدولى الإنسانى لفريقين أحدهما مؤيد والآخر معارض لهذا التدخل، وهذا ما سوف نتناوله بالدراسة فى هذه الورقة مع تطبيقها على حالة ليبيا وما يجرى بها منذ عام 2011م حتى تاريخه. نتناول ذلك فى العناصر التالية:

أولا: التدخل الدولى الانسانى فى القانون الدولى.

ثانيا: دراسة تطبيقية على حالة ليبيا.

أولا: التدخل الدولى الانسانى فى القانون الدولى: عرف فقهاء القانون الدولى التدخل الإنسانى فى عدة تعريفات مختلفة المبنى لكنها موحدة فى المعنى، من تلك التعريفات (رد فعل ملازم للانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان يجوز فيه شن الحرب واستخدام القوة العسكرية لحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية التى تعرضت لانتهاكات جسيمة كالإبادة الجماعية والتطهير العرقى مع توافر عدة شروط منها:

= أن توجد حالة تهديد فعلية لحقوق الإنسان.

= أن يكون الهدف حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية.

= ألا يهدف هذا التدخل لخلق دولة أو كيان جديد.

= أن يكون ثبت عجز الدولة فعلا عن وقف الانتهاكات.

= أن يكون التدخل العمل الأخير لحمل الدولة على الألتزام بحقوق الإنسان([1]).

     هذه الشروط تطلبها الفقه الدولى للقول بشرعية التدخل الدولى الإنسانى، وعرفه أحد الفقهاء بأنه(لجوء شخص أو أكثر من أشخاص القانون الدولى إلى وسائل الإكراه السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية ضد الدولة التى ينسب إليها الانتهاك الجسيم والمتكرر لحقوق الإنسان بهدف حملها على وضع نهاية لمثل هذه الممارسات)([2]).

وقد انقسم الفقه الدولى حول شرعية التدخل الدولى الإنسانى لفريقين ما بين مؤيد ومعارض، سوف نوضح ذلك فى:

1 – الآراء المؤيدة للتدخل الدولى الإنسانى فى القانون الدولى: أيد الفقه فى القانون الدولى التقليدى التدخل الإنسانى كما أيده الفقه الدولى أيضا فى القانون الدولى المعاصر بعد إنشاء المنظمات الدولية وخاصة الأمم المتحدة، ففى مرحلة القانون الدولى أنتقل التدخل من الفكر الكنسى إلى الفقه القانونى فى أوريا، وأشهر من قال به الفقيه كفيتوريا والقديس أوغسطين، فى تبريرهم للحرب العادلة التى تهدف للقضاء على الظلم الواقع على الشعوب من حكامهم، فقد أكدا على أن من حق الملوك استخدام القوة ضد أى ملك يستخدم القوة ضد رعاياه([3]). وقال أحد الفقهاء أن القانون الدولى يجيز التدخل الإنسانى فى حالة انتهاك حقوق الإنسان بشكل صارخ، بشرط طلب المساعدة من الشعب المضطهد، ويستند فى ذلك إلى جوهر الحق فى البقاء، لأن مساعدة شعب لشعب آخر عمل نبيل وقال أحد الفقهاء فى تبريره للتدخل الإنسانى أن القوانين وضعت لحماية البشر وليس لحماية مخلوقات وهمية، وأن تطبيق القوانين يجب ألا يسمح بوجود أنتهاك لحقوق الإنسان لا يتحملها البشر أى فوق طاقة البشر([4]).

     وأضاف القانون الدولى التقليدى نوعا آخر للتدخل الإنسانى هو التدخل لنشر الحضارة، وقال بذلك الفقيه مارتنز، فذكر أن التدخل يعتبر مشروعا عندما تتعرض الشعوب النصرانية فى الدول المتخلفة للاضطهاد، بشرط أن تكون الغاية نشر الحضارة والثقافة([5]) أما الفقيه أوبنهايم فقد أعتبر أن تدخل الدول فى حالة تعرض مواطنى دولة ما لمعاملة تخالف المبادئ الإنسانية لإقامة نظام متحضر إنسانى داخل الدول([6]).

     كانت من أهم أسباب ظهور فكرة التدخل الإنسانى فى المجتمع الدولى، حماية الأقليات فقد أيدها جانب من الفقه الدولى التقليدى، منهم جروسيوس الذى منح الأباطرة والحكام حق استخدام السلاح ضد أى دولة تمارس القمع والاضطهاد ضد الأقلية النصرانية، ووسع الفقيه فاتيل من نطاق التدخل الإنسانى حيث ضمن إليه حق الشعوب المضطهدة فى طلب المساعدة من الدول القوية بالتدخل لرفع الظلم الواقع عليها، أما جورج سل فقد أعتبر التدخل ضرورة للمحافظة على النظام الدولى، خاصة فى مواجهة التطرف الدينى([7]).

     واضح أن الآراء السابقة تأثرت كثيرا بالظروف التاريخية التى عاصرتها، حيث كان استخدام القوة مشروع كوسيلة لفض المنازعات الدولية، مما يجعل هذه الآراء وغيرها تبريرا ساقتها الدول للتدخل فى شئون دول وأقاليم أخرى، فى ظل القانون الدولى التقليدى.

     وفى ظل القانون الدولى المعاصر بعد نشأة منظمة الأمم المتحدة، هناك من الفقهاء من أيد التدخل الدولى الإنسانى، فقد رأى الفقيه ليليش (Lillich) أن التدخل الإنسانى فكرة قديمة لها كثير من المبررات، وزاد إلى أنه يعتبر واجب إنسانى، علما بأن ميثاق الأمم المتحدة لم ينص عليه، لكنه لم يخالف مبادئ وأهداف الأمم المتحدة، كما أنه لا يتعارض مع الفقرة الرابعة من المادة الثانية من الميثاق لأنها اشترطت حتى يكون استخدام القوة غير مشروع أن يكون ضد سلامة الأراضى أو الاستقلال السياسى، فى حين أن هدف التدخل الإنسانى حماية حقوق الإنسان([8]).

     وأيد التدخل الإنسانى الأستاذان رايزمان وماكدوجال (Reismam  و Mc dougel) وطالبوا مجلس الأمن بالتدخل الإنسانى حال وجود انتهاكات لحقوق الإنسان تهدد السلم والأمن الدوليين، وفى حالة فشل مجلس الأمن فى التدخل، فعلى الجمعية العامة أن تمارس عملها فى ذلك طبقا لقرار الاتحاد من أجل السلم، على أن تلتزم بأهداف ومبادئ الأمم المتحدة، كما أن المادة (55) أعطت مجالا واسعا لعمل الأمم المتحدة، بالتأكيد على ضرورة احترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية، وجعلت المادة (56) من الميثاق هذا الأمر ألتزاما على كافة الدول الأعضاء بالمنظمة سواء على المستوى الفردى أو الجماعى، كما أن المادة الثامنة من اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها تنص على ضرورة سعى الدول فى المنظمة لتنفيذ ما جاء فى ديباجة ميثاق الأمم المتحدة، حيث ربطت بين حماية حقوق الإنسان وحفظ السلم والأمن الدوليين([9]).

     وقد تعرض هذا الرأى لعدة انتقادات منها أن الأستناد على فشل الأمن الجماعى الدولى يعد مبررا لشرعية التدخل الإنسانى، مردود عليه بأن رغبة الدول الكبرى فى إفشال نظام الأمن الجماعى الدولى، حتى تقوم هى بالتدخلات المنفردة تحت مزاعم إنسانية، والإنسانية منها براء. كما أن جعل حماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية على سلم أولويات الأمم المتحدة فيه خلط كبير، لأن الهدف الأساسى والأسمى للأمم المتحدة هو حفظ السلم والأمن الدوليين، أما حماية حقوق الإنسان فتكون جنبا إلى جنب مع باقى الأهداف أى عندما تتضارب هذه الأهداف تكون الأولوية للهدف الأساسى حفظ السلم والأمن الدوليين.

     كما أن القول بأن التدخل الإنسانى لا يتعارض مع الفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة لأنه لا يمس السلامة الإقليمية لأراضى الدولة والاستقلال السياسى غير صحيح، لأن تلك التدخلات التى تتم بصورة منفردة عادة ما تنصب حكومات موالية للدولة المتدخلة، ترتكب انتهاكات لحقوق الإنسان، كما أن الاستناد إلى نص المادة (56) من ميثاق الأمم المتحدة ليس صحيحا باعتبار أن هذه المادة تربط تحقيق أهداف المادة (55) من الميثاق بما جاء به من مبادئ وأهداف أخرى([10]).    

2 – الآراء المعارضة للتدخل الدولى الإنسانى فى القانون الدولى: لا تشمل هذه الآراء ما ورد فى القانون الدولى التقليدى من أقوال فقهاء هذا القانون بعدم مشروعية التدخل الدولى الإنسانى، بل وجدت كثير من الآراء تعارض التدخل الدولى الإنسانى فى القانون الدولى المعاصر.

= الآراء المعارضة للتدخل الإنسانى فى القانون الدولى التقليدى: قال الفقيه الألمانى هفتر (Heffter) أنه لا يعتبر ما يرتكبه الحاكم ضد شعبه سببا وسندا قانونيا للتدخل عسكريا لإيقافها، على اعتبار أن ما يقوم به الحاكم ليس مخالفا للقانون الدولى، حيث لا يشكل ذلك أى تهديد لأى دولة، وليس من حق أى دولة أن تنصب نفسها حكما وقيما على تصرفات الدول. ويرى الفقيه لورانس (Lawrence) أنه لا يمكن اعتبار التدخل الإنسانى عملا مشروعا فى القانون الدولى، لأن هذا القانون لا يفرض على الدول ألتزاما بمنع الأعمال التى ترتكب ضد الشعوب الأخرى، وأن مثل هذه التدخلات أن وقعت لا تجد لها سندا فى قواعد القانون الدولى، يمكن تبريرها باعتبارات سياسية أو أخلاقية([11]). 

= الآراء المعارضة للتدخل الإنسانى فى القانون الدولى المعاصر: بداية رفض فقهاء القانون الدولى المعاصر وجود قاعدة عرفية فى القانون الدولى التقليدى تجيز التدخل الإنسانى، وأنه يجب فحص البواعث الأصلية التى أدت لحالات التدخل الإنسانى فى ظل القانون الدولى التقليدى، للتأكد من صلاحيتها لإنشاء قواعد عرفية، وقد أعتبر الفقيه براونلي Brownlie)) أن مفهوم التدخل الإنسانى أسيئ أستخدامه لتحقيق مصالح الدول بعيدا عن أهدافه الحقيقية، ولا يمتلك أى شرعية على مستوى القانون الدولى، فآثاره غير فعالة ونتائجه عكسية، كما أن الدول الكبرى ترفض التصديق على المعاهدات التى فيها تدخل فى شئونها الداخلية، وتعبر الدول الكبرى أى محاولة للتدخل الإنسانى خارج منظمة الأمم المتحدة، هى بمثابة رخصة مفتوحة للدول الكبرى ستعيد عهد التدخلات الأستعمارية تحت زعم حماية حقوق الإنسان([12]).

     وذهب أيضا إلى أن السوابق التى حدثت فى التدخل الإنسانى لا يمكن أن تشكل عرفا دوليا، ولا تشكل أستثناء جديد لمبدا حظر أستخدام القوة، والغريب أنه مع محاولات إقرار التدخل الدولى تحت زعم حماية حقوق الإنسان ترفض كثير من الدول إدراج بعض أحكام حقوق الإنسان فى تشريعاتها الداخلية حتى الآن، لذلك يجب أن تكون حماية حقوق الإنسان وفقا لقواعد ومبادئ وأحكام القانون الدولى وبالآليات التى يسمح بها القانون الدولى، أما الفقيه الألمانى هافتر يرفض فكرة وجود دولة تستطيع أن تكون حكما على تصرفات بقية دول العالم، لأن التدخل يعد أنتهاكا لأستقلال الدول، لأن بقية الدول لا تتأثر بالأعمال غير الإنسانية التى تحدث فى دولة ما، كما أن هناك انتهاكات لحقوق الإنسان فى بعض الدول ولم يحدث تدخل لردعها، فالتدخلات التى حدثت وقعت من دول قوية ضد دول ضعيفة أستنادا لمبدأ القوة وليس تطبيقا للقانون الدولى([13]).  

     وذهب كل من الفقيهين هامفرى ولوترباخت إلى أن ميثاق الأمم المتحدة لا يجيز التدخل الإنسانى إلا وفقا للفصل السابع منه، وأن التدخلات التى تمت بصورة منفردة كانت لصالح الدولة المتدخلة وتحقيق مصالحها، وأن محاولة إلباس التدخل الإنسانى المنفرد لباس الشرعية – هو فى الحقيقة – إعادة للأستعمار القديم فى ثوب جديد، وهذا ما يؤيده الواقع ويسانده القانون الدولى([14]).   

3 – موقف المنظمات العالمية والإقليمية من التدخل الدولى الإنسانى([15]):

= التدخل الدولى من قبل الأمم المتحدة: أباحت الأمم المتحدة التدخل الدولى الإنسانى فى أحدى الدول لحماية حقوق الإنسان عن طريق المنظمات الدولية المعنية بالإغاثة الإنسانية كالهلال الأحمر والصليب الأحمر، علما بأن ليس كل تدخل لأغراض إنسانية من قبل الأمم المتحدة شرعيا، لكن هناك عدة شروط يجب الأخذ بها حتى يتسم هذا التدخل بالمشروعية وهذه الشروط هى:

أ – يجب أن تكون عملية التدخل الإنسانى التى تقوم بها الأمم المتحدة ليست تطبيقا للفقرة الرابعة من المادة الثانية من الميثاق([16](.

ب – يجب أن تكون عملية التدخل الإنسانى فى حالات المعاناة الشديدة والمنظمة التى يعانى منها الأفراد، مثل حالات الإبادة الجماعية والتطهير العرقى والقمع الوحشى واسع النطاق، لإرغام مجموعة من الناس على الخضوع، بمعنى أن تؤدى لتهديد السلم والأمن الدوليين([17](.

ج – يجب بداية أستنفاد كافة الوسائل السلمية الأخرى، التى تحترم سيادة الدولة المعنية، فلا يتم اللجوء إلى التدخل العسكرى مباشرة دون اللجوء للوسائل السلمية، مع مراعاة ألا ينتج عن التدخل آثار أكثر خطورة مما لو ترك الأمر للحل داخليا([18]).

د – يجب أن يكون التدخل مجردا من كل غرض ذاتى للدولة المتدخلة، ويجب أن تتناسب الوسائل المستخدمة مع الهدف الذى تم التدخل بشأنه([19]). 

= التدخل الدولى من قبل المنظمات الإقليمية: نص ميثاق الأمم المتحدة على مشروعية التدخل الدولى بشروط، وقد وضع ضوابط لذلك فى المادتين (52 و 53) منه، فقد اعترفت المادة (52) بدور المنظمات الإقليمية فى معالجة أمور السلم والأمن الدوليين، ولا يوجد أى إشكالية فى مشروعية هذا التدخل إذا ما تعلق بالتسوية السلمية للمنازعات الدولية التى تتعرض لها، لأنها تحترم إرادة الدول، ولكونها ليس لها ولا فيها طابع الإلزام، لكن تظهر الإشكالية فى حالة ما إذا صدر عن تلك المنظمات الإقليمية من قرارات أو تصرفات تتضمن أعمال قمع لها طابع الأمر والإلزام، بحيث لا تملك الدولة التى صدر ضدها ذلك مواجهة تلك القرارات ولا تملك سوى تنفيذها([20]).

     نصّت على تلك الحالة المادة (53) من ميثاق الأمم المتحدة، حيث وضعت عدة ضوابط يتعين على تلك المنظمات الدولية مراعاتها عند التطبيق، فنصت تلك المادة على (يستخدم مجلس الأمن تلك التنظيمات والوكالات الإقليمية فى أعمال القمع كلما رأى ذلك ملائما ويكون عملها حينئذ تحت مراقبته وإشرافه أما المنظمات والوكالات نفسها لا يجوز بمقتضاها أو على يدها القيام بأى عمل من أعمال القمع بغير أذن المجلس، ويستثنى مما تقدم التدابير التى تتخذ ضد أية دولة من دول الأعداء المعرفة فى الفقرة الآتية من هذه المادة مما هو منصوص عليه فى المادة (107)، والتى يكون المقصود بها فى التنظيمات الإقليمية منع تجدد سياسة العدوان من جانب أية دولة من تلك الدول)([21]).  

4 – موقف القضاء الدولى من التدخل الدولى الإنسانى: اختلفت القرارات القضائية حول التدخل الدولى الإنسانى فى إطار ما يسمى بالشرعية الدولية، فقد أختلفت القرارات الصادرة عن محكمة العدل الدولية من مؤيدة ورافضة لأعمال التدخل بحجة الحفاظ على حقوق الإنسان، والتمسك بحق الدفاع الشرعى الفردى والجماعى، وتطبيق مبدأ أحترام السيادة الداخلية للدول، حيث أدعت الولايات المتحدة الأمريكية الأمريكية بأن أعمالها ضد نيكارجوا تدخل فى إطار حق الدفاع الشرعى الجماعى، وذلك ردا على ادعاءات نيكارجوا على السلفادور وهندرواس وكوستاريكا، وقد رفضت محكمة العدل الدولية الأدعاءات الأمريكية، لأن ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية يخرج كليا عن أحكام المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، ولأن أعمال الدفاع الشرعى الفردى أو الجماعى لا يمكن ممارسته إلا ردا على هجوم مسلح، وأكدت المحكمة أن ما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية يعد اعتداء على رعايا الدول الأخرى، ولا يوجد فى النظام القائم بين الدول الأمريكية أى قاعدة تبيح الدفاع الشرعى الفردى إلا إذا طلبت الدولة ضحية العدوان ذلك([22](.

     وقد ادعت الولايات المتحدة الأمريكية أنها تقدم مساعدات إنسانية إلى منظمة الكونترا بدافع إنسانى، لكن المحكمة ردت على ذلك بأن المبدأ الخامس فى المشروع الملحق الذى يعطى المساعدات حال الكوارث أكد على قبول الدول هذه المساعدات الإنسانية دون تمييز أو تفرقة خاصة فى ظروف النزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولى، لأن الهدف حول تخفيف الآلام والمعاناة الإنسانية، وقالت المحكمة أن الولايات المتحدة كان عليها أن تنفق أموال المساعدات الإنسانية عن طريق اللجنة الدولية للصليب الأحمر وهى المنظمة الدولية المعترف بها دوليا للقيام بالجهود الإنسانية خاصة فى ظروف النزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولى، كما نصت على ذلك اتفاقيات جنيف لعام 1949م([23]).

     وفى سبيل الحماية الجنائية لحقوق الإنسان فقد أصدر مجلس الأمن القرار رقم (808) لسنة 1993م بشأن إنشاء محكمة جنائية دولية لمحاكمة مرتكبى الجرائم ضد الإنسانية فى يوغسلافيا السابقة، وفى عام 1994م أصدر مجلس الأمن القرار رقم (900) بشأن تشكيل محكمة جنائية دولية لمحاكمة مرتكبى الجرائم المخالفة للقانون الدولى الإنسانى فى رواندا([24])، وتم تتويج الجهود الدولية لملاحقة ومحاكمة ومعاقبة مرتكبى الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولى الإنسانى والجرائم الدولية تم إنشاء المحكمة الجنائية الدولية التى دخلت حيز النفاذ عام 2002م.

     فى النهاية يمكننا القول أن الرأى الراحج فى القانون الدولى التقليدى والمعاصر والقضاء الدولى عدم شرعية التدخل الدولى تحت مزاعم إنسانية، ومن وافق عليه وضع شروطا قلما تتوفر فى الكثير من التدخلات الدولية التى حدثت وخاصة بعد انتهاء الحرب الباردة


[1]  – دكتور/خالد محمد خيرالله، السيادة فى القانون الدولى بين الأبعاد القانونية والأبعاد السياسية، الطبعة الأولى مطبعة إيمان للنشر، 2006م، ص: 244.

[2]  – دكتورة/ عفاف بشير عباس عمر، التدخل الدولى الإنسانى بين حماية حقوق الإنسان وأنتهاك سيادة الدول، دراسة مقارنة، رسالة دكتوراه، جامعة الرباط الوطنى، كلية الدراسات العليا، عام 2015م، ص: 57-58.

[3]  – تونسى بن عامر، قانون المجتمع الدولى المعاصر، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، عام 1992م، ص: 32.

[4]  – الدكتور/عماد الدين عطاء الله المحمد، التدخل الإنسانى فى ضوء مبادئ وأحكام القانون الدولى العام، دار النهضة العربية، القاهرة، 2007م، ص:415-416.

[5] – الدكتور/عبد اليزيد داودى، التدخل الإنسانى فى ضوء ميثاق منظمة الأمم المتحدة، دراسة حالة إقليم كوسوفا نموذجا، رسالة ماجستير، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة 8 مايو 1945م، قالمة، الجزائر، عام 2012م، ص: 55.

[6]  – الدكتور/ محمد خليل الموسى، أستخدام القوة فى القانون الدولى المعاصر، دار وائل، الآردن، الطبعة الأولى، عام2004م، ص:31.

[7]  – تونسى بن عامر، المرجع السابق، ص: 31-43.

[8]– الدكتور/عبد القادر البقيرات، التدخل من أجل الإنسانية، مجلة الحقوق والعلوم الإنسانية، العدد الأول، المركز الجامعى الجلفة، عام 2008م، ص: 3.

[9]  – الدكتور/ حسام حسن مصطفى حسان، التدخل الإنسانى فى القانون الدولى المعاصر، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الزقازيق، عام 2004م، ص: 51 وما بعدها.

[10]  – الدكتور/ مصطفى رمضان مصطفى حامد، الأمن الجماعى الدولى فى مواجهة العدوان وفقا لقواعد القانون الدولى، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الزقازيق، عام 2009م، ص: 160 وما بعدها.

[11]  – الدكتور/عماد الدين عطاء الله المحمد، المرجع السابق، ص: 445-449.

[12]  – الدكتور/ حسام حسن مصطفى حسان، التدخل الإنسانى فى القانون الدولى المعاصر، المرجع السابق، ص: 378 وما بعدها.

[13]  – الدكتور/ محمد غازى ناصر الجنابى، التدخل الإنسانى فى ضوء القانون الدولى العام، الطبعة الأولى منشورات الحلبى الحقوقية، بيروت،2010م، ص:31-33.

[14] – الدكتور/ مصطفى رمضان مصطفى حامد، الأمن الجماعى الدولى فى مواجهة العدوان وفقا لقواعد القانون الدولى، المرجع السابق، ص: 164.

[15] – الدكتور/ عاطف على على الصالحى، مشروعية التدخل الدولى وفقا لقواعد القانون الدولى العام، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق، جامعة الزقازيق، عام 2007م، ص: 533- 534.

[16] – Francis Fukuyama” the end of History” the international interest. No. 16(Washington, summer 1989) P, 4.

[17] – Wolter R. Mead. “The American Foreign Policy tradition” World Policy Journal, Vol. 11, No. 4, (New York: winter 1994- 1995P10- 12.

[18] – ريتشارد بارنت، حروب التدخل الأمريكى فى العالم، ترجمة منعم النعمان، بيروت، دار ابن خلدون، عام 1974م، ص: 249. 

[19]  – الدكتور/ سعيد سالم جويلى، أستخدام القوة المسلحة فى القانون الدولى العام، المجلة القانونية الاقتصادية، كلية الحقوق، جامعة الزقازيق، عام 1993م، ص: 124 – 128.

[20]  – الدكتور/ عاطف على على الصالحى، مشروعية التدخل الدولى وفقا لقواعد القانون الدولى العام،  المرجع السابق، ص: 408 وما بعدها.

[21]  – الدكتور/ حسام حسن مصطفى حسان، التدخل الإنسانى فى القانون الدولى المعاصر، المرجع السابق، ص: 435.

[22] -Bernstein darrid, internationalcaut of justice, case concerning military and paramilitary activities in and agaunstnicaragua, Law journal, Vol28n1,winter 1987, PP:148-149.   

[23] – أنظر موجز الأحكام والفتاوى والأوامر الصادرة عن محكمة العدل الدولية، ص: 22.

[24]  – الدكتورة / وهيبة العربى، مبدأ التدخل الدولى الإنسانى فى إطار المسئولية الدولية، رسالة دكتوراه، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة وهران، الجزائر، عام 2014م، ص: 174 وما بعدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

ثورة التوابين قراءة تأريخية تحليليةعن ثورة جماعة التوابين 4من 4

د. هاني السباعي مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن. خامسا: أسباب فشل حركة …