أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / حينما تتسبب العلوم في جفاف القلوب!

حينما تتسبب العلوم في جفاف القلوب!

أ.د فؤاد البنا

أكاديمي ورئيس منتدى الفكر الإسلامي
عرض مقالات الكاتب

من استقرائي لكثيرين ممن أعرفهم من أهل الفكر والفلسفة والعلوم التي تنحو المنحى العقلاني المجرد من الروحانيات؛ لاحظت أن أكثرهم يصابون بهذا القدر أو ذاك من الجفاف الروحي، حتى أن بعضهم تقسو قلوبهم إلى حد الغلظة، وتجمد أعينهم بشدة حتى أن مآقيهم لا تفيض بدموع الخشية من الله حينما تسمع آياته ولا تسيل بمياه الرحمة عندما ترى مشاهد المنكسرين وتسمع مآسي المساكين.

ويُثبت تأريخ العلوم الإسلامية أن من ينغمسون في العلوم المختلفة حينًا من الدهر، بما فيها الفقه والعقيدة المبنية على طرائق علماء الكلام، دون أن يخصصوا للأرواح والقلوب نصيبًا يُبقي على جذوتها متقدة؛ فإنهم يعانون من تسيد بعض الآفات عليهم، رغم ما تقدمه هذه العلوم من خدمات جليلة لا تحصى للإسلام والمسلمين.
إن من يشتغلون في دوائر العلوم البرهانية البحتة والأفكار العقلية الصرفة، ستصيبهم هذه العلوم والأفكار بجفافها بلا شك؛ إن طال عليهم الأمد ولم ينتبهوا لأنفسهم، وقد شعر بهذه الآفة كثير من العلماء فعالجوا أنفسهم بالانغماس في الروحانيات، وأدركوا أن تدبر القرآن ليس مجرد تأمل عقلي نوإنما يشتمل على خشوع قلبي يجتهد في استحضار جلال الله وجماله عند قراءة آياته حتى تلتاع عند آيات الترغيب وترتاع حينما تقرأ آيات الترهيب، وهكذا الأمر عند إقامة الشعائر التعبدية وفي مقدمتها الصلاة والصيام والحج والذكر!

ومن هؤلاء الإمام أبو حنيفة النعمان الذي ربما شعر بأثر الانغماس في المسائل والقضايا الفقهية في تراجع منسوبه الروحي، حيث طفق في العامين الأخيرين من عمره يكرس إيمانه بالله ويعزز طاقته الروحية بقوة، حتى أُثر عنه قوله: “لولا السَّنتان لهلك النعمان”، وشعر بذات المعضلة الإمام أحمد بن حنبل؛ مما دفعه للتتلمذ على الصوفي المعروف بشر الحافي رغم ما أبدى عليه من ملاحظات، وحينما سئل عن ذلك، قال: “إن بشرًا الحافي أعرف بالله من أحمد بن حنبل”!

وأحسّ الإمام الغزالي بهذه المعضلة حتى ظن أن علمه لم يقدم له أي نفع ولم يمنحه ملكة التقوى المنشودة؛ فانسلّ من علمه بل ومن حياته الطبيعية، فانقطع عن الناس عشر سنوات، بل وبالغ في مهاجمة ما كان عليه، وألّف كتابه الأشهر (إحياء علوم الدين)، وأوغل في ارتياد التصوف والتفاعل مع طقوسه ومروياته حتى قبل كثيرًا مما يروى من خوارق المتصوفة تحت عناوين الكشف والرؤى والكرامات، مؤصّلاً للزهد في الدنيا والانسحاب الأخروي؛ مما أدى إلى بعث موجة عريضة من التراجع عن العقلانية الإسلامية المعهودة في القرون الثلاثة الأولى!

ومن المرجح أن الشعور بالجفاف الروحي الناتج عن معاقرة المسائل العلمية الجافة بصورة كثيفة وخلال فترات زمنية طويلة، هو الذي جعل كثيرا من علماء الكلام والفقهاء ينتقلون في أواخر حياتهم إلى التصوف، مثل ابوالحسن الأشعري والإمام الجويني والإمام الرازي الذي ظل يتفنن في اجتراح الأدلة المنطقية والكلامية على وجود الله حتى قيل إنه أوجد ألف دليل عليه، لكنه أحس بفقدان لذة الإيمان وطعم اليقين واكتشف أمام إحدى عجائز نيسابور أن إيمانه أضعف من إيمانها أو أقل توهجًا على الأقل، حتى روي أنه قال وقد جثا على ركبتيه: “اللهم هب لي إيمانا كايمان العجائز”.

ومن الواضح أن أهل العرفان هم أوفر العلماء حظًا في هذا المضمار؛ ولذلك لا بدّ من الجمع في معادلة بناء العلماء في كليات الشريعة والدراسات الإسلامية بين تسليح العقول بالمعارف والأفكار وبين تحلية القلوب بالمشاعر الإيمانية والشحنات الروحية التي تسقي الأفكار والمعلومات بمياه الخشية فتمنعها من الضمور والتخشب، وتظل القلوب في يقظتها الروحية وأحاسيسها الإيمانية الرقيقة، وبهذا يظل العلماء نماذج في الاستقامة السلوكية وأمثلة في الإشعاع الروحي وبث روح التأسي والاقتداء في الأتباع والمريدين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

ملالي إيران كما العاهرة التي تحاضر بالشرف !

صلاح قيراطة كاتب وباحث سياسي نظام الملالي في إيران كما العاهرة التي تحاضر …