أخبار عاجلة
الرئيسية / مختارات / إيران، وأمريكا، وإسرائيل، تاريخ طويل من الحروب الكلامية والتفاهمات العملية

إيران، وأمريكا، وإسرائيل، تاريخ طويل من الحروب الكلامية والتفاهمات العملية

د.ناجي خليفة الدهان

تزداد الحرب الكلامية بين إيران والولايات المتحدة حدّة وشدّة في هذه الأيام، وسط تنامي المخاوف من اندلاع حرب حقيقية بين الجانبين! ولكن هناك من يرى أن أذرع إيران في المنطقة تشكل رادعًا حقيقيا لأي قصف أمريكي محتمل!

لقد وصل التصعيد الكلامي بين إيران والولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة، وكان الاتهام الرئيسي الذي توجهه الولايات المتحدة لإيران هو أنها تهدّد أمن المنطقة؛ أمن إسرائيل، والدول العربية على حد سواء. وهناك إجماع بين هذه الأطراف الثلاثة على أن إيران هي: “العدو الأكبر”.

فلا يخفى على أحد التدخل الإيراني في العراق، وفي الملف السوري الذي أطال أمد الحرب وأقحم النزاع في قالب طائفي لن تسلم البلاد من تبعاته في العقود القادمة. كما أن طهران غيّرت من معاناة أهل اليمن عبر دعمها لمجموعة الحوثيين، ليصبح اليمن مسرحًا لأسوأ كارثة إنسانية في تاريخ البشرية، وفق شهادة الأمم المتحدة. يضاف إلى ذلك “حزب الله” الذراع السياسية الأبرز لإيران، وحركة “حماس” التي يقول معارضوها: بأنها الورقة التي تستخدمها طهران لتعزيز الانقسام الفلسطيني الداخلي، إضافة إلى ميليشيات عسكرية منتشرة في أفغانستان وباكستان والعراق…

تاريخ التآمر الإيراني على العرب والمسلمين

لقد اعتاد العرب على المكر الصفوي المستمر، فلم يحدث قط في التاريخ القديم أو الوسيط أو الحديث أن وقف الصفويون إلى جانب العرب والمسلمين! فالفعل السياسي الصفوي المسكون بالهواجس والمخاوف وإنتاج المشاكل وإيجاد التناقض بدل التعاون والسعي المحموم في خدمة الاستراتيجيات الغربية منذ العهد القاجاري، والصفوي، والشاهنشاهي، وصولًا إلى عهد الملالي دون توقف، حيث وجد الغرب في إيران كابحًا قويًا فاستخدموه ضد الدولة الأموية والعباسية، والعثمانية، ومن ثم ضد العرب والمسلمين في مختلف الأقطار والأمصار!

وتعدّ إيران قاعدة مهمة للتحرك في آسيا الوسطى ضدّ توغل الاتحاد السوفيتي السابق (وروسيا اليوم)، ومن جهة أخرى تخدم سياسات الغرب في الشرق الأوسط كل ذلك مقابل أن يحافظ الغرب على وحدة إيران واستمرار النظام الحاكم فيها!! وقد أدركت الأنظمة الإيرانية على اختلافها وتعاقبها قيمة دورها الوظيفي وأهميته بالنسبة للغرب فأخذت تصوغ سياستها الخارجية والداخلية انطلاقا من هذه الحقيقة.

فالغرب قدّم لإيران عبر هذه العلاقة الملتوية ذات الخفايا الدعم الكثير، فحافظ على النظام الشاهنشاهي في أزمات كثيرة، كما أحبط مرات عديدة انفصال أقاليم أسست كيانات سياسية خاصة بها مثل (جمهورية إيران الاشتراكية، وجمهورية مهاباد، وجمهورية أذربيجان الشعبية) كما ألحق الغرب إقليم الأحواز العربي بإيران ليطمس هويته العربية وليوفر لإيران الكثير من الموارد الاقتصادية، ولكن في المقابل قدمت إيران خدمات كثيرة للغرب العلنية منها والسرية، خدمات علنية في الكنغو، وفي أفغانستان، وفي احتلال العراق، وتدمير سوريا، ولبنان، واليمن، وإشاعة الفوضى وعدم الاستقرار في عموم المنطقة، لإعطاء الغرب مبررا للتواجد في المنطقة واستمراره في سرقة ثرواتها، فضلا عن الخدمات السرية الكثيرة التي لا تزال في طي الكتمان.

ماذا فعلت إيران لتنال هذه المكافئات؟

قاتلت الولايات المتحدة بضراوة في العراق وخسرت الكثير من الأفراد والأموال والعتاد، كما خسرت سمعتها ومكانتها… رغم كل ذلك سلمت فوزها على طبق من ذهب لإيران!!! من المعلوم أن الولايات المتحدة لا تقدم حتى المواقف مجانا ناهيك عن الخدمات، فكل شيء له ثمن حتى مع أقرب الحلفاء الأوربيين! فالولايات المتحدة ترى أن وجود إيران ضروري ومهم على أصعدة كثيرة، فهو مهم لمواجهة التوسع السوفيتي سابقا (روسيا الاتحادية)، وكذلك حيال تركيا ومساعيها الوحدوية (رابطة الدول والشعوب التركية)، ومهم لتكون اللغم في العالم الاسلامي ومنطقة الخليج العربي، ومهم حيال المساعي العربية في التوحد والتكامل ودورها في الشرق الأوسط.

في صفقة التخادم الإيراني –الأمريكي – الصهيوني، والتحالف بين القوى المشاركة غير المتكافئ، لذلك فالطرف الأقوى في التحالف (أقوى سياسيا واقتصاديا وعسكريا) هو من يقود التحالف وبالطبع لمصلحته، والمهم بالنسبة للولايات المتحدة في قضايا الشرق الأوسط، هو الحفاظ على جوهر الاتفاق، وفي حال الخروج عن روح الاتفاق، يدور خلاف سري وعلني يمكن تسويته بطريقة لا تنطوي على خشونة ولا كسر عظم، وبما يبقي التحالف قائما.

“محمد علي أبطحي”، نائب الرئيس الإيراني للشؤون القانونية والبرلمانية في تلك الحقبة، كان له تصريح مثير للجدل في أثناء زيارته لأبو ظبي، في 15 يناير/كانون الثاني 2004، حيث أعلن خلال مؤتمر صحفي أن بلاده قدّمت الكثير من العون للأمريكيين في حربهم ضد طالبان وصدام حسين. قائلاً: إنه لولا التعاون الإيراني لَما سقطت كابول، وبغداد، بهذه السهولة”.

رغم كل ما قدمته إيران لكن الولايات المتحدة تحملت الكثير منها، الكثير من الإهانة والفظاظة والوقاحة والتحدي، رافقها حملات إعلامية وسيل من الشتائم والسباب، فأمريكا والغرب لا تنزعج من هذا الأسلوب ولا تعير له اهتماما، لأنه أسلوب للتمويه عن المخفي من العلاقة، ولإيهام الدول العربية بسوء العلاقة مع إيران عكس الحقيقة، فهم في تحالف استراتيجي، وقد يحدث الخلاف عندما تتقاطع المصالح أو عندما يتعالى الحليف الإيراني أو يتجاهل أو يتجاوز حليفه صاحب الفضل، ولكن الخلاف لا يفسد للود قضية، وللطرفين تاريخ طويل من التعاون لتحقيق أهداف مشتركة  وأخطرها إشاعة الفوضى وزعزعة الاستقرار في المنطقة وإضعافها لجعلها تحت الوصايا الغربية.

هل تندلع حرب أمريكية ضد إيران؟

في تغريده للإعلامي فيصل القاسم يقول فيها: (أكبر تهديد يمكن أن توجهه إيران لإسرائيل وأمريكا في المنطقة أن تتوقف عن حربها المذهبية والطائفية ضد الأكثرية السنية في سوريا، والعراق، ولبنان، واليمن. ومعلوم أن إيران تؤدي وظيفة مهمة لصالح إسرائيل وأمريكا في المنطقة، لهذا أطلق الغرب يديها في سوريا، والعراق، ولبنان، واليمن).

إن قطع أمريكا لشعرة معاوية لا يعني الصدام المباشر بين الطرفين، فإيران منهكة بشكل غير مسبوق بسبب العقوبات الاقتصادية التي أدّت لتصاعُد الغضب الشعبي على النظام، وقد تجلّى ذلك باحتجاجات على الوضع الاقتصادي. كما أن أمريكا لا تريد ضرب إيران بشكل مباشر قبل تفكيك أذرعها حيث قويت شوكتها بعد إسقاط الولايات المتحدة لنظام طالبان في أفغانستان، ونظام صدام في العراق، وسهّلت الطريق لهذه الأذرع الإيرانية في الامتداد والسيطرة على العراق، وسوريا، ولبنان، واليمن، مقابل تمرير مصالح مشتركة بين الطرفين.

فأمريكا كانت تقدم لمنظمات الحشد الشعبي منذ عام 2014 ما يقدر – وفق أحد المصادر العراقية- بـ 200 مليون دولار شهريًا- وقد أقر هذا الدعم من قبل إدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما، ووافق الكونجرس الأمريكي أخيرًا في شهر أغسطس/ آب من العام الماضي على تعديل قانون يقضي بوقف الدعم المالي (1).

إن تعاظم قوّة إيران دَفَع وكالة المخابرات المركزية الأمريكية والبنتاغون للإعراب عن قلقهما، فقد حان الوقت لقطع تلك الأذرع دون صدام مباشر وحرب شاملة مع إيران قد تؤدي لإحراق منطقة الخليج، ومن هنا أتت فكرة قتل سليماني. وعدم خوض صراع عسكري مباشر للأسباب التالية:

  1. أمريكا لا تريد أن تضحي في الحليف الذي يخدم مصالحها في المنطقة، فلولا بعبع إيران لما تمكنت أمريكا، وإسرائيل من أن تجد مبررًا مقبولا للتواجد في المنطقة بحجة الحماية من الخطر الإيراني، كما استثمرت هذا التواجد في التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب فضلا عن نهب ثروات المنطقة.
  2. المصاعب التي واجهها الجيش الأمريكي بعد غزو العراق عام 2003.
  3. الأثر على الاقتصاد العالمي إذ تسبب الصراع في ارتفاع أسعار النفط.
  4. والسبب الآخر قد يجعل إيران أكثر تحصينا ضد هكذا هجوم ويتجلى في أذرعها العسكرية المنتشرة في عدد من الدول العربية والتي توسعة بدعم امريكي، وتستغلها كورقة ضغط ضد الولايات المتحدة.

إيران لا تستطيع أن تتخلى عن أدوارها المزعزعة للاستقرار في المنطقة، لأنه جزء من طبيعة نظامها وهو المطلوب لأمريكا واسرائيل، والتراشق المستمر بين أمريكا وإيران هو تراشق محسوب ومضبوط الإيقاع، هدفه إظهار إيران قوية قابلة للتحدي، وتذكير العرب أن أمريكا حليفة لهم في مواجهة إيران، بينما على الأرض، إيران تزحف وتتموضع، وأمريكا تحلب وتتسكع، والعرب يحاولون عبثا التحالف مع أحدهما ضد الآخر.

والمشهد مستمر وهذا لا يعني أن أمريكا لا تختلف مع إيران قد تختلف معها ولكنها تحافظ على القدر المشترك من التخادم بينهما، فبقاء إيران قوية أمر مفيد لأمريكا، وتواجد أمريكا بقوة في المنطقة أمر مفيد لإيران!! فليس من مصلحة أمريكا أن تكون إيران ضعيفة في المنطقة. لأن كل ما جرى ويجري في المنطقة ما كان ليكون لولا إيران، فلو كانت أمريكا تريد إضعاف إيران لقامت بتحجيم دورها في العواصم العربية الأربع.

كما أن إسرائيل لم تقصف ولن تقصف أي موقع في إيران. وهذه كذبة كبيرة يحسن بالعاقل أن يضعها خارج الحساب. وإيران لن تقصف كذلك أي موقع لإسرائيل. كل ما يريده الطرفان هو أن يعثرا على سبيل للتعايش. وليس لإسرائيل مصلحة في إيران ضعيفة لأن إسرائيل ستبقى وحدها هي العدو في الساحة.

ومثلما تمارس إسرائيل الخداع لتبيعنا انطباعات معادية للنظام الإيراني، فإن إيران تفعل الشيء نفسه، بأن تبيعنا شعارات معادية لإسرائيل.

بيع الخداع مفيد لاستراتيجية الطرفين، ولتبرير المضي به قدما. فهناك “بيع جانبي” آخر هو الهدف الحقيقي من بيع المخادعات المعلنة. ‏وعبر التاريخ لم نسمع أن أمريكا أسقطت نظاما حليفا لإيران، أو تيارا مواليا لها..

إن الحرب الباردة القادمة بين الولايات المتحدة وإيران ستلقي بظلالها على الوضع السياسي والأمني في المنطقة عامة وفي العراق خاصة لأن العراق يمثل جبهة مثالية لكلا الطرفين. خصوصًا وأن الولايات المتحدة الأمريكية لن تتنازل عن العراق لأحد.

المراجع

1.أمريكا ضد الإرهاب مَن مَع مَن؟ ومَن يُحارب مَن؟ موقع الوطن الأربعاء 12 أغسطس 2020 https://alwatannews.net/article/884713/Opinion

 ______________

المصدر : مركز أمية للبحوث و الدراسات الاستراتيجية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

مراجعات نائب من مصر في الذكرى العاشرة لثورة يناير

د. جمال حشمت سياسي مصري لن يتم التقدم خطوة واحدة بمحاولات إنقاذ الشعب …