أخبار عاجلة
الرئيسية / منوعات / فقه الادخار وجيل الدلفري..

فقه الادخار وجيل الدلفري..

مصعب الأحمد

كاتب وباحث وشاعر سوري
عرض مقالات الكاتب

لو كنت تقود سيارتك، ولا مال معك، ولا استطاعة لتتزود ،ومعك من الوقود ما يكفي لتسير به مئة كيلو متر، فليس من الصواب والحكمة أن تسير مئة كيلو متر لأنك لن تستطيع أن ترجع ..

الحكمة تقول إن تسير الربع وهو -حسن – أو النصف-مخاطرة – وتوفر الباقي لتعود بهم ..

حوار يدور بين الأجيال المختلفة – حول قضية ( فقه الادخار) ..

يرى الجيل الناشئ أن الادخار ضرب من البخل ، أو الجهل ، أو قلة التوكل على الرزاق، وأن رزاق اليوم سيرزق غداً ، وماذا لو نفد المال المدخر قبل نفاد العارض المانع ؟ ألا نصل إلى المعنى نفسه الذي نخافه والحال الذي نحذره ؟

فلم لا نعيش أيامنا ونسعد أنفسنا ؟

  يقولون ذلك وهم الذين لم يروا الحياة، ولا عرفوا تقلباتها ، ولا شهدوا تبدل الأيام  وحوادثها .

ويرى الجيل الأقدم أن الادخار حكمة ووعي ، وعلم وحسن توكل، وأدب الاعتماد على الرزاق،  وهم الذين عاركوا الحياة وجالدوها ، وعرفوا الحروب والنزاعات ، ومرت عليهم المصائب والكوارث ، وشهدوا الأوبئة والأمراض، وفقدوا المال والأعمال ..

فأي الفريقين أحق بالصواب ؟

أما كفة العقل وحسن التدبير فتميل نحو القدماء،  نعم ليس من الحكمة أن تنفق المال دون رقيب ، أو ترسله دون حسيب ، وأن تفرط بما ينبغي أن يكفيك لشهر فتنفقه بساعة .

ليس من الحكمة أن تقطع طريق الذهاب، ولا تحسن العودة ، ولا أن تسير في مسغبة دون عدة من زاد أو متاع ، فالحياة متقلبة، وأنت الآن صحيح قادر تعمل وتكسب ، فكيف بك إذا عجزت عن العمل والكسب مدة ، أو دائمًا ؟

عندها ستمتد يدك للسؤال والحاجة ، وتطلب من الآخرين ، وهو مدخل من مداخل إبليس الذي أقنعك أنك لن تموت جوعاً وحولك الأقرباء والأصحاب ، وأكارم الناس ، وترضى برأيه أن تعيش ذليلاً محتاجاً ، طالباً للمعروف ومكدياً ..

تقول : أستقرض وأرد ؟

وليس عارًا أن يستقرض الإنسان فهي عادة البشر منذ بداية الخلق!

أقول : ولم رضيت على نفسك أن تكون عالة على الآخرين فاستقرضت ، ولم تنظر لأولئك الآخرين الذين أقرضوك، ولم يحتاجوا حاجتك فدبروا أمورهم ..

تقول : الله وسع عليهم، ولم يوسع علي، فمن وسع عليه أن يحمل الآخرين ..ثم أليس من حسن التوكل أن لا أحمل هم الغد ؟

أقول : ولمَ لم تدخر يوم وسع عليك ما يقيك الحاجة، ويدفع عنك السؤال؟ حتى تعود قادرًا إلى عملك فتكسب دون أن ترد ما عليك من قروض ..

ومن قال لك أن ما تفعله توكل على الله ؟ بل هو التوكل على الشيطان .. الله تعالى أمرك أن تعمل وتتوكل تدخر وتتوكل ، لا أن تسرف دون حسيب .. حين ذم الله تعالى المسرفين ..

تقول : ولم ندخر وقد لا يأتي الغد، وقد لا تدهم المصائب ، والنكبات مظنة لا حقيقة ، فلم أفسد اليوم العاجل بمظنة الغد الذي لا يقين فيه ؟

أقول : إن لم يكن الظن، فلن يزيدك الادخار، فقرًا، ولن تزدد به ألمًا بل رفعة، واسترخاء ، ولكن ماذا لو كان ؟

من الحكمة يا بني :

أن تعلم أن القدماء قالوا : (خبّ قرشك الأبيض ليومك الأسود )  خبّ:  أي ادخر

وليتهم فعلوا ذلك في كل شيء !

نعم أنت مطالب أن تنفق بلا إسراف ولا تبذير ، وأن تخزن ما يكفيك ، وهنا اختلف العلماء!

يرى بعض العلماء أن تدخر ما يسد حاجتك وحاجة عيالك لشهر ، ويرى بعضهم لسَنة ، ويرى غيرهم لسَنتين ..

لا شك أن هذا الخلاف بينهم راجع إلى مقدار الزكاة المفروضة ومعاني التوكل ..

لكن ما لا خلاف فيه أنك ينبغي أن تحسب حساب الأيام وتقلباتها ، والدنيا وكوارثها ..

وخلال السنة، أو السنتين لا شك أن الله تعالى سيفتح لك بابًا آخر، ورزقًا بديلًا، ويغنيك لحسن اعتمادك، وتوكلك عليه، وثقتك به ، فإن لم يكن ذلك فقد أعذرت إلى ربك ونفسك ، وفعلت ما ينبغي فعله ،وعندها فقد أحل الله تعالى لك أن تقترض فإن أردت الوفاء أعانك عليه ،وإن لم تقدر حل لك السؤال، وعندها- فقط – لا يعيب عليك عُرف ولا شرع…

لا يجوز للقادر على الكسب أن يكتسب من غير عمل ، وأن يسأل من غير حاجة ، وأن يمد يده ليأخذ، وهو قادر على أن يمدها ليعطي ..

ثقافة الادخار فن أتقنه الكبار، وفهمه أولو الأبصار ، وعرفه ذوو النكبات ..

كان آباؤنا وأجدادنا يصنعون (المونة) التي تكفيهم لستة أشهر، أو سنة ،أو أكثر من المواد التي تبقى دون أن يلحق بها فساد ، من الزيت والكشك، والزيتون، واللحم المقدد…ويحسنون تخزينها، فإذا طرأ عليهم عارض، أو حل بهم مرض أقعدهم عن الكسب ، عمدوا إلى تلك الخباء فأكلوا وأطعموا غيرهم ..

وهو عزيز يجلس في داره ” معافى في جسده عنده قوت يومه  فكأنما حيزت له الدنيا “..

أما جيل الاتصالات والدلفري ، فلا يوجد في بيوتهم، ولا جيوبهم، ولا حساباتهم  ما يسد حاجة الغد ،فضلاً عن حاجة أسبوع، وشهر وسنة، وليسوا مستعدين لأي طارئ ، ينفقون دون إدراك، ويسرفون دون وعي  ..

وليس فعلهم عن حسن توكل ، وثقة بالله في الغالب ، بل عن جهل وتهور ..

وليس عجبًا أن جهلوه ! لكن العجب أن أصروا عليه بعد أن مرت بهم أزمة، أو حلت بهم كارثة ..

ما هكذا تورد الإبل ..

هذا الكلام لمن قدر على الادخار، ولم يفعل ، لمن ملك زمام راحلته، فلم يوجهها ..

ولنا أن نعلم أنه حتى الفقير يمكنه أن يدخر إذا ترك الشهوات، واقتصر على ما لا بُدّ منه ..

أنت مطالب أن تعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا وتعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا ..

ولكن أعجب من ذاك الغر الجاهل – الذي لم يعرف الحياة،  ولا أبصر الأيام – ذاك الحكيم الواعي الفاهم الذي يحسن الادخار في أمور الدنيا ، ويتفنن بذلك ، دون أن يعير همًا للآخرة ويوم القيامة ،أو يدخر لها شيئًا، وهو يعلم أنها الحياة الحقيقية ، وأنها دار بقاء، وأن هذه الدار دار انتقال ..

فلا يدخر لتلك الأيام من صالح العمل، ولا يحسن أن يزرعها بالخير الذي يعود عليه يوم لاينفع مال، ولا بنون وهو القادر العاقل المدبر.

كيف يعي فقه الادخار في أمور الدنيا، ولا يعيه في أمور الآخرة ؟

وليته يخرج كفافًا لا له ولا عليه ..

قمين بنا أن نعد برنامجًا تلفزيونيًا نسميه( السفهاء )لنعرض فيه ذاك الحكيم الواعي الفاهم الذي يحسن الادخار للدارين معًا ! لكنه يدخر لآخرته المعاصي والمنكرات ، وهو يعلم أن الآخرة  حقيقة آتية لا مظنة متوهمة،  كما في أمور الدنيا ونكباتها ..

ماذا ترك للجهلة أن يفعلوه وهو يرى النار فلا يتقيها ،ويعاين الجنة، فلا يطلبها، ويعلم علم اليقين أن الآخرة آتية لا ريب فيها..

ولكن “فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” الحج (46)

اللهم أصلح حالنا ،وارزقنا فقه الادخار للدارين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

أنباء عن انتحار أحد حملة الشهادات الجامعية العاطلين في وضعية إعاقة!

المغرب – عبد العالي كويش تفاجأ قبل أيام أعضاء مجموعة على تطبيق واتساب خاصة بتنسيقية …