أخبار عاجلة
الرئيسية / مختارات / كيف تنظر المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى متهمي الإرهاب في تركيا؟

كيف تنظر المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إلى متهمي الإرهاب في تركيا؟

ياسين أكتاي

عرض مقالات الكاتب

لم يكن قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بحق صلاح الدين دميرتاش، بالأمر المفاجئ، على الرغم من عدم استنفاد الطرق القانونية داخليًّا، ومن ثمّ تجاوزها بهذا الشكل. لكن ومع ذلك، فإن عدم مفاجئة القرار لنا لا يحمل أمارة خير في الواقع. لا تزال مرحلة التعاون المتبادل موجودة ما بين تركيا والاتحاد الأوروبي، ولا شك أن هذه المرحلة تحمل الفائدة للطرفين.

ومن أجل تحقيق هذا الهدف، نجد أن تركيا ومنذ وقت طويل، قد وضعت نصب عينيها برنامجًا من أجل تطبيق الشروط اللازمة على صعيد مفاوضات الانضمام للاتحاد الأوروبي. وفي الوقت ذاته يبدو من الملاحظ بشدّة أن بعض تلك الشروط تشكل عامل ضغط وتحدٍّ أمام الظروف السياسية والاجتماعية الداخلية. ومع ذلك نجد أن تركيا قد بذلت جهودًا واسعة من أجل تحقيق هذه الشروط بشكل سليم، كما قامت بشكل متواصل منذ وقت طويل بتنفيذ برامج الإصلاحات الديمقراطية، ونقاط إصلاحية ملائمة في شتى المجالات.

بالطبع لا شك أن هذه الإصلاحات هي لازمة أصلًا بغض النظر عن الاتفاق مع الاتحاد الأوروبي أو الاختلاف معه، حيث أنّ هذه الإصلاحات تصب في النهاية في مصلحة ونفع تركيا. حيث أنّ ما قام به العدالة والتنمية منذ توليه السلطة قبل 18 عامًا، من التخلص من وصاية العسكر، وتثبيت دعائم الديمقراطية في تركيا، والخطوات التي وضعها في سبيل الحريات وحقوق الإنسان؛ جميعها كانت برامج محلية مشى بها الحزب بشكل مستقل عن الاتحاد الأوروبي. لكن ومع ذلك فلم تكن هذه الإصلاحات سهلة، ولطالما كانت مؤلمة من حين لآخر. حيث تعرض البلد بسبب ذلك لمحاولات التخريب والتعطيل من قبل عناصر الدولة العميقة، وتنظيماتها الإرهابية بممارسات غير شرعية.

لقد دفعت تركيا ثمنًا كبيرًا بسبب التنظيمات الإرهابية تلك، لكن المفارقة في الأمر هو أنّ الإصلاحات التي كانت تقف بوجهها هذه التنظيمات، كانت هي في الواقع أكثر من يستفيد منها، ولقد عمدت إلى تشكيل دروع من هذه الإصلاحات لتسيير أنشطتها غير القانونية.

أما الاتحاد الأوروبي في خضم هذه العملية، فقد لوحظ مع مرور الوقت أنه في الوقت الذي يبدو فيه جالسًا على طاولة المفاوضات التي بدأتها تركيا في سبيل الانضمام، منتظرًا منها إغلاقها، فإنه في المقابل كان يقدّم يد التعاون والتضامن لتلك التنظيمات اللاشرعية التي تُعارض الإصلاحات في تركيا.

حتى في محاولة الانقلاب الفاشلة ليلة 15 يوليو/تموز، على الرغم من تسطير تركيا وشعبها تضحيات عظيمة في الدفاع عن الديمقراطية وصونها، فإنّ الاتحاد الأوروبي لم يقف على الإطلاق بجانب تركيا وديمقراطيتها تلك الليلة، بل على العكس، نجد أنه قد أظهر تضامنًا غير محدود مع منفذّي الانقلاب أنفسهم.

لعل هذه الجزئية هي من أكبر وأبرز نقاط الفصل ما بين تركيا والاتحاد الأوروبي في وقتنا الحاضر. بيد أنّ منظمة غولن الإرهابية لم تكن سوى تنظيمًا خبيثًا حاول التسلل إلى الديمقراطية التركية، وتعطيل نظامها بكل ما أوتي من طرق، على حساب تأسيس كيان موازٍ للدولة يمكنّه من تجاوز القانون والتحايل عليه. ولقد كانت منظمة غولن الإرهابية لفترة من الزمن أول ما يتباد إلى الأذهان حين الحديث عن “الدولة العميقة”. حيث كانت تمثل كما ذكرنا هيكلًا يرى نفسه دولة داخل دولة، دون أي اعتبار للتسلسل الهرمي للدولة، فضلًا عن تجاوز القانون والحقوق والمؤسساتية بآن واحد.

لقد كانت محاولة الانقلاب الفاشلة ليلة 15 يوليو/تموز النقطة الحاسمة على صعيد تعرية هذا الهيكل وجميع أعماله المافوية. ومنذ ذلك الحين تعودنا على رؤية الاتحاد الأوروبي ليس إلى جانب تركيا في وقتها العصيب، بل إلى جانب من يستهدفها عبر تلك العمليات التي تقوم بها منظمات إرهابية مثل غولن وغيرها. وبالتالي ليس هذا وحده السبب الوحيد الذي لا يجعلنا نشعر بالغرابة أو الصدمة من قرار المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان.

وفي السياق ذاته، نجد أن الاتحاد الأوروبي لم يحاول يومًا أن يتفهم او يفهم حساسية تركيا ووضعها إزاء منظمة إرهابية مثل بي كاكا، تضع الديمقراطية التركية تحت هجماتها الإرهابية، بل وتحاول وضعها كرهينة، وتهديد استقرار تركيا وأرواح الآلاف فيها، وتسهيل الطرق أمام تنفيذ هجمات تنظيمية إرهابية.

بالأحرى الاتحاد الأوروبي “لا يريد أن يفهم أصلًا”، لأن ما يقوم به من مواقف في الحقيقة يعتبر تمهيدًا للطريق أمام الدور الذي تمثله منظمة بي كا كا الإرهابية. حيث أن الإرهابيين المصنّفين من قبل تركيا، لم تنظر إليهم أوروبا يومًا ما على أنهم إرهابيون. وفي المقابل نجد أنّ التنظيمات الإرهابية التي تقوم بأعمال إرهابية ضد تركيا وتقتل الأبرياء من مواطنيها، لم تفقد أملها أبدًا من الاتحاد الأوروبي. بل ربما ينظر هذا الاتحاد إلى بي كاكا الإرهابية على أنها حركة “تناضل” من أجل التحرر العرقي.

لكن على صعيد آخر، لا يمكن أن نعتبر إطلاقًا أن هذا الموقف يمثل موقف أوروبا كلها، حت لا نبخس حق أحد. لا سيما وأن منظمة بي كا كا الإرهابية إلى الآن تصنّف على أنها منظمة إرهابية لدى الاتحاد الأوروبي. لكن في الوقت ذاته نجد أن الخطاب الرسمي في أوروبا يميل نحو التعاطف مع الخطابات الشعبوية فيها ضد تركيا، سواء بقصد أو عن غير قصد. ويجب أن لا يتم فصل ذلك عن أبعاد تاريخية في الوجدان الأوروبي، تقوم على معاداة تركيا أو تركيافوبيا إن صح التعبير، وهذه المشاعر ذتها تلتقي مع الإسلاموفوبيا كذلك، وأردوغان فوبيا أيضًا.

ويجب النظر إلى أن الأنشطة التي تقوم بها سواء منظمة غولن أو بي كا كا أو حزب الشعوب الديمقراطي في أوروبا، تغذي مشاعر الفوبيا تلك وتزيد من حدتها. وفي نهاية المطاف لا يمكننا القطع بأنّ أعضاء المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان محميّين من هذه الأيديولوجية أو لا يمكنهم التأثّر بها.

كما ذكرت سابقًا هنا، لا نية لي إطلاقًا الخوض في محتوى الدفاع الذي يسوقه كل شخص تتم محاكمته، أو أن هذا الدفاع غير متسق أو متناقض وما شابه، وذلك لأنني من حيث المبدأ أؤمن بقدسية حق الدفاع عن النفس لجميع من يخضع لمحاكمة ما، بغض النظر عن ظاهر الاتهامات الجلية والواضحة. وفي الحقيقة نجد أن هذا المبدأ لا يزال قائمًا وبقوة في تركيا، على الرغم من الانتقادات المجحفة التي تزعم تسييس القضاء.

مهما كنت أعارضهم سياسيًّا، فإنني أحجم عن التعبير عن آرائي بشكل يتعارض مع حق الدفاع عن النفس لدى الذين تتم محاكمتهم. ومن الواجب كحس إنساني، أن نتمنى براءة وعدم إدانة أي إنسان تتم محاكمته، في حال كان حقيقة بريئًا، مما يصب في صالح تجلي العدالة. وبمعنى آخر، يجب أن نمنح البراءة فرصًا أكبر للتغلب على الإدانات، بغض النظر عن القيود النفسية والأيديولوجية وأيًّا كان نوعها.

ومع ذلك ينبغي أن لا يتوقع أحد منا تجاهل القاسم المشترك الفاضح ما بين تدخل المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بهذه الطريقة، وما بين شخص دميرتاش. ولا يمكن لأحد أيضًا أن يقنعنا بأن هذا القاسم الفاضح له علاقة بالقانون أو الحقوق. لأن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان تقف وتدعم بشكل رسمي الإرهاب في تركيا. وتسعى جاهدة لتصوير دميرتاش على أنه بطل للديمقراطية.

بيد أن دميرتاش قد تم القبض عليه وهو متلبس بالجرم المشهود، وكانت جرائمة واضحة بارزة من حيث كونها أكثر الأعمال عنفًا وإرهابًا ضد الديمقراطية. لا سيما أحداث العنف في 6 و7 أكتوبر والتي قام فيها دميرتاش بتحريض الناس ودفعهم للشوارع وارتكاب أعمال العنف، نجد أن الاتحاد الأوروبي قد تغاضى عنها تمامًا.

ونتيجة لذلك يبدو من الواضح أن قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، لم تكترث على الإطلاق بحياة ياسين بورو الذي ذهب ضحية اعمال العنف تلك، إلى جانب 53 موطان أيضًا فقدوا حياتهم آنذاك. وفي الوقت ذاته أيضًا، لا تكترث المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بدعم دميرتاش رسميًّا وعلنًا لا سيما من خلال الذراع الشبابي في حزب الشعوب الديمقراطي، للأعمال الإرهابية التي قامت بها منظمة بي كا كا الإرهابية في الولايات الجنوبية الشرقية، تحت ما يسمى “الحكم الذاتي”، بتوجيه من دميرتاش وحزبه الشعوب الديمقراطي.

من الواضح للغاية أن المشاعر إزاء شخصية ارتكبت كل هذه الجرائم، هي مشاعر لا تمت للديمقراطية وحقوق الإنسان بصلة. وفي الواقع قرار المحكمة الأوروبية ليس سوى مزيدًا من الوضوح والتكشّف عن موقف أوروبا مما تتعرض له تركيا من إرهاب.

المصدر: يني شفق العربية
https://www.yenisafak.com/ar/columns/yasinaktay/2043155

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

أردوغان قبيل زيارته للولايات المتحدة: تركيا ليست خادمة لأحد

صرح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، أن بلاده تتحمل عبء 4.5 مليون لاجئ، مؤكدا أنها …