أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الشرعية الدولية ومعتقل جونتانامو – 8 من 10

الشرعية الدولية ومعتقل جونتانامو – 8 من 10

الدكتور السيد مصطفى أبو الخير

خبير أكاديمي في القانون الدولي
عرض مقالات الكاتب

المطلب الثالث

موقف الأمم المتحدة من الحرب ضد أفغانستان

    منذ انتهاء الحرب الباردة أصبح واضحا إن الدول العظمى صاحبة الفيتو في مجلس الأمن   وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية تستغل الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن لإصدار قرارات تحقق مصالحها القومية, أو تهميشها عندما لا يستطيعون استغلالها مفضلة التدابير الانفرادية, والبداية كانت حرب الخليج الثانية 1991م, حتى قال البعض بظهور شرعية دولية جديدة, وظهر ذلك في أحداث (11سبتمبر), فقد نجحت الولايات المتحدة في فرض رؤيتها ورأيها علي الأمم المتحدة وخاصة مجلس الأمن, الذي أصدر قرارين (1368/2001و1373/2001) اعتبروهما البعض نهاية القانون الدولي.(99)

    وكان مجلس الأمن قد أجتمع في اليوم الثاني للأحداث وأصدر بالإجماع القرار رقم (1368) في 12/9/2001, وفى البداية أكد القرار علي مباديء وأهداف الأمم المتحدة وعلي عزمه علي مكافحة تهديدات السلم والأمن الدوليين الناجمة عن أعمال الإرهاب بكل السبل, وأقر الحق الأصيل للدول في الدفاع الفردي والجماعي عن النفس طبقا للمادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة, وذلك إلي أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدوليين, ثم أدان المجلس هجمات (11/9) وأعتبرها تهديدا للسلم والأمن الدوليين, وعبر عن تضامنه مع شعب وحكومة الولايات المتحدة الأمريكية فيما حدث, ودعا كافة الدول إلي تقديم الفاعلين والمنظمين والقائمين بتلك الأحداث للعدالة مع محاسبة المسئولين عن مساعدتهم ودعمهم أو إيوائهم, ودعا لمضاعفة جهود كافة الدول لمنع وقمع الأعمال الإرهابية وفق الاتفاقيات الدولية المتصلة بمكافحة الإرهاب, وأكد علي استعداده لاتخاذ الخطوات الضرورية للتعامل مع الأحداث ومناهضة كافة أشكال الإرهاب وفقا لمسئولياته في إطار ميثاق الأمم المتحدة (100) وقد رفضت الولايات المتحدة هذا العرض.

    ويؤخذ علي القرار السالف أنه لم يتضمن الانتقال إلي أية إجراءات إضافية, واكتفي بالتأكيد علي استعداد المجلس لاتخاذ كافة الخطوات اللازمة للرد علي تلك العمليات ومكافحة الإرهاب بكافة أشكاله بموجب ميثاق الأمم المتحدة دون الإشارة صراحة إلي معالجة الأزمة وفق أحكام الفصل السابع من الميثاق ولم يصرح للولايات المتحدة باستخدام القوة ضد أفغانستان, ولم يعط الحرية للولايات المتحدة أن تحدد الفاعل دون تقديم الدليل, ولكن القرار بمضمونه يعطي الحق للولايات المتحدة في أننهاك سيادة الدول التي تحمي الجناة, إذا أستدعي الأمر القبض علي من تعتبرهم الولايات المتحدة الفاعلين أو إرهابيين ولكنه لم يعطيها الحق بتطبيق العدالة بنفسها أو مهاجمة دولة معينة أو تغيير نظم الحكم.(101)

    وفي 28/9/2001, أصدر مجلس الأمن بجلسته (4385) القرار رقم (1373) والذي أعدت مشروعه الولايات المتحدة, وأقر دون إدخال أية تعديلات أساسية, فجاء القرار متعارض في بعض نصوصه لأحكام ميثاق الأمم المتحدة نفسه والاتفاقيات الدولية وقرارات الجمعية العامة وخاصة القرار رقم (40/61) الصادر في (9/12/1985) والذي ينص في البند السابع منه علي (تحث الجمعية العامة جميع الدول فرادي وبالتعاون مع الدول الأخرى, وكذلك أجهزة الأمم المتحدة ذات الصلة, علي أن تساهم في القضاء التدريجي علي الأسباب الكامنة وراء الإرهاب الدولي, و تولي اهتماما خاصا بجميع الحالات, بما فيها الاستعمار والعنصرية والحالات التي فيها انتهاكات عديدة وصارخة لحقوق الإنسان والحريات الأساسية والحالات التي فيها احتلال أجنبي والتي يمكن إن تولد الإرهاب الدولي وتعرض السلم والأمن الدوليين للخطر ). (102)

    ويعتبر هذا القرار ملزما لكافة الدول لصدوره بناء علي الفصل السابع من الميثاق, ويخول مجلس الأمن فرض إجراءات عقابية على الدول في حالة عدم التعاون وتتراوح هذه الإجراءات ما بين الحصار الجزئي والكلي للعلاقات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية وفقا للمادة (41) من الميثاق, واستخدام القوة المسلحة بإعلان الحرب طبقا للمادة (42) من الميثاق, وقد أغفل القرار حق تقرير المصير وحق مقاومة الاحتلال وحق الدفاع عن النفس, مما يجعل مفاعليه وتداعياته خطيرة لأن القرار لم يقرر ما إذا كان إعمال حق الدفاع الشرعي ينصرف للولايات المتحدة في مواجهة تنظيم القاعدة باعتباره _طبقا للرواية الأمريكية _ المسئول عن الهجمات وطالبان باعتباره النظام المسئول عن إيواء تنظيم القاعدة المزعوم أم ينصرف إلي غيره من الأهداف الأخرى والقرار لم يحدد هذه الأهداف, و قد استغلته الولايات المتحدة فكانت أفغانستان هي الخطوة الأولى في حرب طويلة الأمد, ثم العراق. (103)

    مما أعطي الحق للولايات المتحدة باستخدام القوة ضد أي دولة تعتبرها مشتركة بأي صورة في الأحداث, أو أنها لم تتعاون التعاون المناسب من وجهة نظر الولايات المتحدة الأمريكية, ووفر ذلك أساسا لها تدير به ومن خلاله علاقاتها بالمجتمع الدولي لفترة طويلة, كما وفر لها مساحة متزايدة من الضغوط علي الكثير من الدول (104) علما بأن القرار لا يركز علي تنظيم القاعدة أو حركة طالبان, بل علي الإرهاب ضمن مفاهيم عامة مما جعله سيفا للولايات المتحدة تنفذه أين وعندما تشاء برعاية دولية.

    والقرار يلزم كافة الدول باتخاذ تدابير ضد الأشخاص أو التنظيمات الإرهابية دون وضع الضوابط أو الجهة الني ستتولى تحديد ما يعتبر تنظيمات إرهابية. علما بأن الولايات المتحدة دأبت بصفة انفرادية على وضع قوائم لما تعتبره منظمات إرهابية, مقحمة فيها أحيانا تنظيمات أو أحزاب تحظى في بلادها وعبر العالم باعتراف بشرعيتها وبتقدير واسع في مجتمعاتها كحزب الله في لبنان والعالم العربي والإسلامي, وحركة المقاومة الإسلامية حماس في فلسطين – كما أقحمت فيها جمعيات خيرية بل وشركات تجارية. وستكون أي دولة في موقف صعب عندما تطلب منها الولايات المتحدة, على أساس القرار السابق, أن تجمد أموال مثل هذه التنظيمات أو تتخذ ضدها تدابير قمعية بدعوى ممارستها أو علاقتها بالإرهاب. فالقرار لا يعتمد على معايير أو قواعد دولية معترف بها ومجمع عليها تحدد مفهوم الإرهاب.

    كما أن من الجوانب الخطيرة للقرار دعم التوجه البوليسي والأمني داخل الدول, لأنه يدفع إلى منح أجهزة الأمن والمخابرات سلطات واسعة على الحياة الخاصة للأفراد, والتدخل في شؤون الأشخاص والتنظيمات المختلفة, مما يخالف مبدأ عدم التدخل في الشئون الداخلية للدول (م2/2) من ميثاق الأمم المتحدة, ولاسيما أن القرار (1373) لم يشر إلى ضرورة التزام الدول بقواعد حقوق الإنسان في متابعة تنفيذ التدابير التي نص عليها. ورغم أن هذا الالتزام مفترضا فإن النص عليه صراحة كان يكون مفيدا ويضيق القرار من إمكانية حماية حقوق اللاجئين, كما يخدم الدول العظمى في ميدان التحقيقات الجنائية, ويسمح لها باختراق والحصول علي المعلومات التي ترغب فيها بخصوص التنظيمات والأشخاص والأحزاب والنقابات, وهذا القرار بشكل سابقة خطيرة ووصفه احد مسئولي الأمم المتحدة بأنه ثوري.(105)     

    وقد أنشأ القرار (1373) لجنة مكافحة الإرهاب (C T C) بموجب الفقرة (6) منه وهي تتكون من جميع أعضاء مجلس الأمن الخمسة عشر ولها رئيس وثلاث نواب, وتتكون من ثلاث لجان فرعية يتولى رئاسة كل منها نائب الرئيس, وتراقب هذه اللجنة تنفيذ القرار ولا تعد لجنة جزاءات, وتسعى اللجنة إلي إرساء الأساس لإجراء حوار مستمر بين مجلس الأمن وجميع الدول أعضاء الأمم المتحدة حول أفضل الطرق التي يمكن بها زيادة القدرات الوطنية لمكافحة الإرهاب وأضاف مجلس الأمن ( المديرية التنفيذية لمكافحة الإرهاب ) بموجب القرار رقم (1535في 26/مارس/2004)

    وطبقا للفقرة السالفة من القرار تطلب اللجنة من جميع الدول إن تقدم إليها تقارير عن الخطوات التي اتخذتها والتي سوف تتخذها لتنفيذ القرار, وتعتبر هذه التقارير أساس التعامل مع الدول, وتقدم هذه التقارير إلي اللجان الفرعية, وتدعى الدول للحضور إلى اللجان الفرعية حال مناقشة التقارير وتستعين اللجنة بعدد من المستشارين والخبراء المستقلين ذوو الخبرة, وتقدر اللجنة في ضوء هذه التقارير مدى التزام الدول بتنفيذ القرار من عدمه, ويمكن للجنة أن تطلب المزيد من الإيضاحات والإجراءات, ويجب علي الدول أن ترد علي هذه الرسائل خلال ثلاثة أشهر.

    وقد حددت اللجنة عملها في ثلاثة مراحل, الأولي خاصة بالتشريعات والثانية لمدى قدرة وكفاءة هذه التشريعات علي تغطية جميع جوانب القرار, والثالثة لدارسة ظروف كل دولة. ويفرض القرار (1373) علي الدول العديد من الالتزامات والمتمثلة في منع جميع أشكال الدعم المالي للجماعات الإرهابية (الفقرة 1/ أ /ب/ج/ د )      من القرار, وعدم توفير ملاذ آمن للإرهابيين أو دعمهم ( الفقرة 2/أ/ج//د/ز – 3 /و/ز) من القرار, ويلزم القرار الدول بتبادل المعلومات عن أي جماعات تمارس أو تخطط لعمليات إرهابية (الفقرة 2/ب و3 /أ/ب/ج)     من القرار, والتعاون مع الدول الأخرى في التحقيقات التي تجري بشأن عمليات إرهابية والقبض عليهم ومحاكمتهم (الفقرة 2/ب/و) والفقرة (3/أ/ب/ج) من القرار, وتجريم المساعدة الصريحة والضمنية المقدمة للإرهابيين في القوانين المحلية الفقرة (2) من القرار, والانضمام في أقرب وقت ممكن إلى الاتفاقيات الدولية ذات الصلة والبروتوكولات المتصلة بالإرهاب الفقرة(3/د). (106)

 المطلب الرابع                                               

الشرعية الدولية والحرب ضد أفغانستان                          

    نتناول في هذا المطلب حكم الشرعية الدولية في الحرب ضد أفغانستان, ويتكون هذا المطلب من فرعين الفرع الأول يتناول موقف القانون الدولي المعاصر من هذه الحرب, و الثاني يتناول موقف الشرعية الدولية من معتقلي جوانتانامو والمعتقلين فيه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

ثورة التوابين قراءة تأريخية تحليليةعن ثورة جماعة التوابين 4من 4

د. هاني السباعي مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية بلندن. خامسا: أسباب فشل حركة …