أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / أنا من سورية.. بلاد البدايات والملاحم و ” طوابير” القهر

أنا من سورية.. بلاد البدايات والملاحم و ” طوابير” القهر

إنها سورية العميقة المعتقلة منذ عقود طويلة، إنها تشبهنا بليلها الطويل، ورغم كل ذلك القهر، أنا من سورية ” القتيلة”، حيث لا وطن  سوى ذكرياتي العابرة بين الدم والموت والنزوح والاختفاء، أنا من تفاصيل النقاء والخراب على حد سواء، أنا من غيم عابر فوقها منذ أول أبجدية.

أنا من وطن اتسع لكل الحضارات وعبرت منه خيول الفاتحين ولم يتسع للتعبير والإنشاء والأحلام. فليس ذاك ذنبه. إنه ذنب الصمت, صمتنا نحن الذي امتد خمسين سنة، وفي هذه الخمسين تفاصيل قد تصدم عقل الكائنات ماعدا الإنسان الذي اعتاد أن يمر على مشاهدها ثم يتابع حياته على خارطة الكوكب “المفيرس” المفترس للحلول. 

عندما اكتشِفَ “رُقم” أوغاريت، وقام العالم “شارل فيرلو” بفك رموزه، قال عبارته الشهيرة آنذاك: ” لكل إنسان وطنان، سورية ووطنه الأم”. اليوم نحن بلا وطن وضاقت بنا أوطان الأرض، حتى وطننا المعتقل في مخالب الطرف الواحد..  ولم يشفع لنا حجم مأساتنا, ولا حتى اختراع أول أبجدية قدمها السوري للعالم. ولا حتى أسطورة الأميرة “أوروبا” التي قدمها السوريون اسماً لقارة بحالها، ويقال إن أصلها سوري، أسطورة من ملاحم شتى ولدت على وطن بات فيما بعد يعرف بسورية الأسد، وكانت تحتويها رقم أوغاريت أيضاً .

حقاً نحن من بلاد الأساطير والملاحم؟! لدرجة جعلت طريقة موتنا ولجوئنا وتشردنا وتمزق الجسد وتجارب الأسلحة عليه أشبه بأسطورة ؛ومع انتهاء عصر الأساطير والملاحم بقي الدم السوري هو الأسطورة الحية والواقعية.

أنا من سورية من متحف الشرق المسروق والمنهوب، من الفواكه المروية من الدم، من بلاد المقابر الجماعية والانتظار. من بلاد الطوابير وانتظار النهايات, من كل ذاك البهاء المقتول والتالف في قبضة الغدر, وكأن زنوبيا أوصت أن ينتهي مجدها.

اليوم في سورية بلد السلالة الواحدة, أنت محكوم بالانتظار، لكنك تعيش أحياناً، وإذا مت فستموت بإصرار من الجلاد أو الصدفة. نعم إنها سورية المحكومة بالموت, وهي ذاتها المحكومة بالجمال, لكنه جمال لا يُرى منذ خمسين عاماً. فالضوء مخطوف في بلد الكهرباء ونهر الفرات العظيم.  هناك حيث تغيب أنوار مدن صارت حطاماً بعد أن مات ساكنوها أو اختفوا أو تم تغييبهم في أقبية لا يعرفها إلا الله.

في سورية الغنية بالنفط والذي لم يدخل يوماً في ميزانية الدولة ولم يتنعم به السوري مثل كل بلد، يضطر المواطن  للوقوف أياماً على الطابور للحصول على بعض اللترات من “البنزين”، وبعضهم الآخر لا يتمكن من الحصول المادة رغم انتظاره لساعات طويلة متواصلة؛ وهنيئاً لمن يفوز بما انتظره حتى لو كان “ربطة” خبز أو ليتر مازوت.. وكأن الأحلام العريضة انقرضت دون رجعة ليكون الحلم هو الخبز والوقود.. وبين الخبز والكرامة فرق ومساحات من ألم. إنها الثورة التي لم تكن يوماً لأجل الجوع, لكنها حكمة الاستبداد بأن يساومك على لقمتك.

ففي سورية وحدها بلد القمح والسهول والمناخ الغني المتنوع والتربة الخصبة والفرات العظيم تصير ربطة الخبز حلماً، وتصير عليها طوابير لانهاية لها في ظل الأسرة الحاكمة القابعة بإرادة العالم وطيب خاطره على كاهل هذا الوطن. في سورية المؤامرة الوحيدة هي المؤامرة على جسدك وفكرك لو نطقت. فأنت رهن الموت أو الاختفاء أو الإقصاء. ولا أحد يريد حل شيفرة جرحك ومأساتك، إنهم يتفرجون علينا من نعيمهم ونحن المنتظرون قرار الإفراج عن انتظارنا على حافة أسطورتنا في المشهد الأخير، كل التصريحات لم تفد، نحن لازلنا نبحث عمن يضمد الجرح. 

ففي كل مرة يخرج مسؤول غربي ليطمئنا بأنه لن يكون هناك حل قريب للصراع، والأجدر أن يقولوا: بأننا لا نعمل على ايجاد حل ولا نريد ! فالاحتفاظ بنظام مجرم صار مكسباً، حتى ردع روسيا صاحبة الإجرام المتناهي يبدو مستحيلاً، وهي التي تعترف بأنها جربت مئات الأنواع الأسلحة على أجساد السوريين, ففكرة ردعها ليس وارداً في الذهنية السياسية الدولية. وهي التي تتبجح أن مبيعاتها قد ارتفعت بفضل حقل التجارب السوري. وهكذا تصير سورية حقل اختبار للأسلحة والدم والصبر والانتظار والبقاء والموت.. حتى بفكرة” العدالة التصالحية” الملتوي والظالم يمنون علينا بأنهم قد فعلوا من أجل كل ذلك الدم شيئاً. وأي شيء هذا الذي يمد يد المقتول للقاتل..؟!

في سورية فقط يعقد الجلاد مؤتمراً ليغري ضحاياه بالعودة. وهل ثمة إغراء أقوى من الوقوف في طابور الخبز؟! فكيف يعود هؤلاء المبعثرون خارج أوطانهم  والموت من خلفهم ومن أمامهم؟! فما الذي يمنع ساكن الخيمة أن يعود وهو القابع في ذروة البرد والانكسار والضياع والقسوة لولا أنه يشعر أن لا وطنًا آمن ببقاء المجرمين، وأن العودة مرهونة برحيل واجتثاث الطغاة؛ فوحل الوطن وبرده من دونهم أهون من وحل الخيام وذلها.

في سورية.. في بلاد شهدت أقدم الحضارات وسبقت باقي الأمم في ممارسة الديمقراطية والمساواة بين البشر وفي وضع الشرائع والقوانين في كافة الأمور وتطبيقها قبل آلاف السنين يقف السوري متسولاً لقرار دولي يخلصه من نظام القمع وجرثومته الأمنية الدموية التي امتصت عروق الأرض والوطن والمواطن، في سورية المنتظرة.. ونحن المنتظرون..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

حدث في رمضان 10

أ.د. أحمد رشاد أكاديمي مصري حدث في 10 رمضان سنة 3 قبل الهجرة …