أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الشرعية الدولية ومعتقل جونتانامو – 7 من 10

الشرعية الدولية ومعتقل جونتانامو – 7 من 10

الدكتور السيد مصطفى أبو الخير

خبير أكاديمي في القانون الدولي
عرض مقالات الكاتب

   ومع إلحاح الرأي العام العالمي وخاصة الأمريكي أضطر الرئيس بوش الابن إلى تشكيل لجنة ثانية لتقصي الحقائق عرفت بأسم اللجنة(لجنة 11/9المستقلة), ولكن الإدارة الأمريكية وضعت عراقيل وعقبات في طريق عملها حتى أصبح من المستحيل أتمام المهمة وقد نجحوا في ذلك وتتمثل هذه العقبات في عقبات مالية, حيث تم تخصيص مبلغ ضئيل لعمل اللجنة هو (ثلاثة ملايين من الدولارات), فلما طلبت اللجنة زيادة رفضت الإدارة الأمريكية الطلب علما بأن هذا المبلغ تافهة جدا بالمقاييس المنطقية للجنة تبحث في مسألة خطيرة جدا تهدد الأمن القومي الأمريكي.

    وعقبات في الإجراءات حيث حدد قرار تشكيل اللجنة موعدا لإنهاء التحقيقات وتقديم تقريرها هو مايو2004م. علما بأن اللجنة لم تبدأ عملها إلا قبل عام من هذا الموعد, والعقبات التالية كانت في صعوبة الحصول على الوثائق اللازمة للجنة, وفي تقديم أشخاص من الإدارة للإدلاء بشهاداتهم, وصعوبة الإطلاع على تقرير اللجنة السابقة, فقد ظل الرئيس الأمريكي يماطل في ذلك حتى آخر يوليه 2003م. كما لم يسمح للجنة بالإطلاع على وثائق محتجزة في وزارة العدل ووزارات أخرى, وقد صرح البيت الأبيض أن الرئيس بوش لن يقدم شهادته أمام اللجنة, فضلا عن أن أي موظف طلبت اللجنة سماع شهادة لم يكن مسموحا له أن يذهب بمفرده إلى لجنة التحقيقات بل يذهب معه مراقب من إدارته يحضر التحقيق كنوع من التخويف.

    وقد وصف السناتور(ماكس كليلاند) أحد أعضاء اللجنة موقف الإدارة الأمريكية بأنه موقف يثير التقزز وأضاف (أننا مازلنا نحاور بل نستجدي البيت الأبيض أن يساعدنا في الحصول على الوثائق المطلوبة دون جدوى.. كان رجال البيت الأبيض – يريدون من هذه المماطلات- أن يمر الوقت دون أن نتمكن من بدء مهمتنا في التحقيق) وقال عضو آخر جمهوري (إن عدم التعاون سيجعل من المستحيل أن تنهي اللجنة عملها في الموعد المحدد) (86) إضافة لما سبق فأن الرئيس الأمريكي وضع عدة شروط قيد عمل اللجنة و أدت إلى فشل مهمة اللجنة وتتمثل هذه الشروط فيما يأتي:

1-    قام الرئيس الامريكى بتحديد مهمة اللجنة ونطاق التحقيق في ( النظر في أسباب القصور حتى لا يتكرر ذلك في المستقبل) وأكده (لهاملتون)عضو الجنة بقوله (أن عمل اللجنة يقتصر على المستقبل 00فنحن لن نقوم بتقويم أو لوم 00 فليس هذا جزءا من مهمتنا )مما حصر عمل اللجنة في تأكيد الرواية الرسمية الأمريكية.

2-    عين الرئيس الأمريكي رئيس اللجنة وهو (هنرى كيسنجر ) رغم كثرة الاعتراضات, وبعد فترة استقال بسبب عدم تعاون الأجهزة الحكومية مع اللجنة, وتم تعيين أخر.

3-    في نوفمبر 2003طلبت اللجنة الإطلاع على التقارير الاستخبارية (P O B) التي تقدم يوميا للرئيس ومنها تقرير قدم للرئيس في 6أغسطس2001من المخابرات البريطانية يفيد بعزم مجموعة القيام بأعمال إرهابية داخل الولايات المتحدة بطائرات مدنية. مما ينفي الرواية الأمريكية بعدم علمها المسبق بما حدث, وتم رفض الطلب, وسمح لعدد قليل من أعضاء اللجنة بالإطلاع على ملخصات لهذه التقارير يقدمها البيت الأبيض, وعندما تدون اللجنة أي ملاحظات من هذه التقارير تعرض تلك الملاحظات على البيت الأبيض للموافقة عليها, وإذا رفض لا تحصل اللجنة على تلك الملاحظات.مما جعل مجلة (نيوز ويك أو بزر فر)في 21/4/2004تقرر أن  الرئيس بوش عمد إلى إعاقة عمل اللجنة وكان يعاملها منذ البداية بازدراء شديد , وأكدت أن من يتجرأ و يكذب الرواية الرسمية الأمريكية للأحداث يتعرض للهجوم الشديد وضربت مثلا لذلك بالنائبة الديمقراطية (سنتا ماكينى)التي فقدت مقعدها في الكونجرس عن طريق ضخ أصوات لناخبين جمهوريين في دائرتها الانتخابية بالتحايل علي قانون الانتخابات الأمريكي. (87)

    إضافة لما سبق هناك العديد من الأدلة والوقائع التي تؤكد كذب الرواية الرسمية الأمريكية للحادث, ولكن نكتفي بهذا القدر, الذي نري أنه بين عدم صحة قيام تنظيم القاعدة المزعوم بأحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001, مما يؤكد إن حرب واحتلال أفغانستان تمت لسبب آخر غير هذه الإحداث وأنها تمت بسوء نية.ويترتب على ذلك إن حرب أفغانستان تمت خارج إطار الشرعية الدولية ومخالفة لمبادىء وقواعد القانون الدولي ولأحكام ميثاق الأمم المتحدة .

    مما يجعل من حق حركة طالبان الدفاع الشرعي, وان مقاتليها أسرى حرب يتمتعون بالحماية المقررة في اتفاقية جنيف الثالثة لعام 1949 ضد هذه الحرب العدوانية وتتحمل دول التحالف بقيادة الولايات المتحدة المسئولية الدولية عنها.   

المطلب الثاني

الأسباب الحقيقية للاعتداء على أفغانستان

 نتناول في هذا المطلب الأسباب الحقيقية التي أدت إلى اختيار أفغانستان بالذات كمبرر لتفعيل مشروع القرن الأمريكي وتتمثل في أسباب سياسية وعسكرية واقتصادية وثقافية وهى:

أولاً:  الأسـباب السـياسـية:

1- بالرغم من أهمية منطقة آسيا الوسطي من الناحية السياسية عبر تاريخها الطويل، إلا أن اهتمام الولايات المتحدة الأمريكية بهذه المنطقة بدأ في بداية التسعينات ومع تفكك الاتحاد السوفيتي للسيطرة على هذه المنطقة التي ترى فيها بوابة حقيقية للنفوذ والسيطرة على آسيا, وتتعدد أسباب الاهتمام بهذه المنطقة في ظل موقعها الهام الرابط بين آسيا وأوربا ومنطقة الشرق الأوسط، حيث توصف بأنه همزة وصل بين الشرق والغرب وجسر يربط بين أوربا وآسيا أو بين المسيحية والإسلام، وهى تتمتع بموقع له أهميته على صعيد الجغرافيا السياسية، وخاصة أفغانستان التي تعتبر بحق قلب منطقة وسط آسيا. (88)

2- تعتبر الولايات المتحدة أن منطقة وسط آسيـا – وخاصة أفغانسـتان والمناطق المحيطة بها – نقطة ضعف رئيسية لحلف الأطلنطي، وترى أن أمن هذه المنطقة يجب أن يكون في محور الاهتمام السياسي والعسكري لدول الحلف، حيث إن أي أحداث غير متوقعة في هذه المنطقة قد تسبب انتقال ميزان القوى لغير صالح الولايات المتحدة والتحالف الغربي، وهو الأمر الذي أدى إلى تطوير مهام ودور حلف الأطلنطي لتغطى هذه المنطقة الهامة استراتيجيًا واقتصاديًا وسياسيًا وأمنيًا. (89)

3- وصول أفغانستان بفضل الحروب الخارجية والداخلية إلى حالة اللادولة مثل الصومال.

4- أفغانستان تتوسط كل القوى العسكرية النووية الفعلية والمحتملة في آسيا وهى الصين روسيا، وباكستان، الهند إيران كما تعتبر الحلقة الأخيرة في سلسلة حصار الصين، القوة العظمى المحتملة المناوئة للولايات المتحدة.(90) خاصة وأنه تم التبديل الأمريكي لتسمية الصين من الحليف الإستراتيجي إلى المنافـس الإستراتيجي، فضلاً عن أن هذه المنطقة خاصة وقارة آسيا عامة تضم القوى الكبرى التي يمكن أن تنافس الولايات المتحدة مثل روسيا العدو السابق والهند والصين، وهناك إيران التي صنفت من قبل الولايات المتحدة الأمريكية بالدولة المارقة وهى إحدى دول محور الشر الذي يضم إيران والعراق وكوريا الشمالية، كما أن وجود الولايات المتحدة في أفغانستان يوفر لها مراقبة المثلث الخطير الذي بدأت خطوات تكوينه الأولى في الظهور (الصين وروسيا والهند)، مما يعنى معه الوقوف بقوة في وجه الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي. (91)

    وفى النهاية يمكننا القول أن المتتبع للتحركات الأخيرة خاصة في بداية، التسعينات يلاحظ أن هناك (سيناريو) جديد – بدأت ترتسم ملامحه – لإعادة صياغة التوازنات السياسية في منطقة آسيا الوسطي التي تفصل بين الصين شرقًا وأوربا غرب، وهى المنطقة التي يبدو أنها سوف تستقطب نوعان من الصراع الدولي الحاد، خلال المرحلة المقبلة.

ثانيًا:  الأسـباب الاقتصـاديـة:

    إن منطقة آسيا الوسطي التي تمثل أفغانستان قلبها، عبارة عن كتلة جغرافية تبلغ مساحتها حوالي أربعة ملايين ميل مربع، ووفقًا الدائرة المعارف البريطانية فالمنطقة عبارة عن بحر داخلي عظيم أي أنها مساحة قارية لكنها حبيسة وهو الأمر الذي يجعل دولها أكثر تأثرًا بظروف وأوضاع الدول المحيطة التي تمثل بالنسبة لها معبرًا للبحار المفتوحة. كما إن النفط يمثل أهمية في الإستراتيجية الغربية عامة والولايات المتحدة خاصة لأن النفط يمثل عصب الحياة الصناعية فمعظم الدول الصناعية الكبرى تقع في الكتلة الغربية، كما أنه لا بديل عنه للصناعة فقد كان النفط مرتكزًا أساسيًا في الإستراتيجية الأمريكية التي تسعى إلى التمركز حول منابعه واحتياطياته الهامة في العالم، لذلك فإن نفط وغاز منطقة بحر قزوين يمثلان ركيزة اقتصادية يمكنها أن تغير معالم المنطقة بما توفره من ثروات لدول المنطقة. (92)

    ثالثًا:  الأسـباب العسـكريـة:

1- لم يكن الهدف العسكري بعيدًا عن اختيار أفغانستان كمتهم في أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث موقعها الجغرافي والاستراتيجي المهم، فهي تتوسط معظم القوى النووية في العالم (روسيا – الصين – الهند – باكستان – إيران في المستقبل) فوجود الولايات المتحدة في هذه الدولة بالذات يمكنها من مراقبة هذه القوى النووية فضلاً عن تحكمها في الصراع النووي بين الهـند وباكستان، ومراقبتها محاولات إيران الحقيقية والجادة نحو السعي في امتلاك السلاح النووي.

2- إن التواجد الأمريكي في أفغانستان يعضد استراتيجية الولايات وحلف الناتو في السيطرة على المناطق الملتهبة في العالم، مما يساعد القوات العسكرية المتمركزة في منطقة الخليج العربي.

3- أثار البعض مسألة المخازن الأمريكية المليئة بالسلاح القديم والجديد الذي يجب تجربته لبيان مدى فاعليته خاصة الأسلحة الذكية، وإخلاء مخازن السلاح من الأسلحة القديمة، حتى يستطيع المجمع الصناعي العسكري في الولايات المتحدة من إيجاد فرصة ذهبية لتصريف تلك الأسلحة الراكدة (93) خاصة وأن أفغانستان ليس فيها مقاومة تذكر فقد أطلق عليها الأستاذ/ محمد حسنين هيكل إن أفغانستان تمثل ميدان لضرب النار وليس هدفًا استراتيجيا للولايات المتحدة الأمريكية. (94) فهي بمثابة فرصـة ذهبية لإرسـال إشـارة إلى بعض القـوى الدولية المناوئة للولايات المتحدة والدول الأخرى، بأن الولايات لم ولن ترحم من يقف في طريق هيمنتها وسيطرتها على النظام الدولي. (95)

رابعًا:  الأسـباب الثقـافيـة:

    لا يقل هذا العامل أهمية عن العوامل السابقة بل له من الأهمية مما يجعلنا لا نستطيع إغفاله ويمثل هذا العامل في توجيه الاتهام إلى الإسلام كثقافة وحضارة خاصة بعد أن أتخذه ليس حلف الأطلنطي فقط العدو التقليدي له بل اتخذته الكتلة الغربية كلها الرأسمالية أو الشيوعية، ومما يؤكد ذلك، أن المتهم الأول في الحادث هو أسامة بن لادن، السعودي الجنسية أي إنه عربي، ولكن الأفغان من المسلمين غير العرب، فلماذا إذن تم اختيار حركة طالبان ( أفغانستان ) ولم يوجه الاتهام إلى السعودية مثلاً كدولة المتهم الأول وتنظيم القاعدة الذي يمثل معظمه من المسلمين العرب (الظواهري مصري ومحمد عطا مصري وغيرهم). (96)

    وكان مما ساعد على توجيه الاتهام للمسلمين، أنهم وحدهم الذين قدموا أرواحهم في سبيل تحرير أراضيهم على نحو ما يجرى من عمليات استشهادية في فلسطين المحتلة فليس في الديانات والحضارات الأخرى، من يقدم أو يفكر في الموت بهذه الطريقة سوى المسلمين.(97)

    فالحكمة من ذلك تكمن في الإسلام السياسي الأصولي (الجهادى)، الذي يدعو إلى جهاد الكفار المحلتين لأراضى المسلمين، وليس الإسلام العلماني المستأنس سياسيًا من قبل الدول الكبرى مثل تركيا، فالحركات الإسلامية الأصولية نشيطة في هذا المنطقة وهى تمثل الخطر الأكبر على استراتيجية الولايات المتحدة وحلف الأطلنطي فبجوار أفغانستان توجد إيران عدو للولايات المتحدة خاصة وإن الإسلام الأصولي استطاع أن يصل إلى الحكم في إيران وتكوين دولة مما يجعله قدوة لجميع حركات الإسلام الأصولي في الدول الإسلامية كافة وفى منطقة وسط آسيا وخاصة في الجمهوريات الإسلامية المستقلة حديثًا عن الاتحاد السوفيتي، مما جعل الولايات المتحدة تعتمد على تركيا العلمانية في وسط نفوذها في هذه الجمهوريات الإسلامية بدلاً من إيران حتى لا تستطيع إيران تصدير النموذج الإسلامي الإيراني لتلك المنطقة الحساسة في العالم الإسلامي، والتي يمكن عن طريقة تحالفها من تهديد الإستراتيجية الغربية كافة سواء الرأسمالية أو الاشتراكية، خاصة وأن الاتحاد السوفيتي (روسيا) يعانى من مشكلة الشيشان. (98)

ترتيبا على ما سلف، فإن أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م تمثل قوة دفع للسبب الرئيس لضرب أفغانستان، ولو لم يكن هذا الحادث قد وقع، فكانت الولايات المتحدة سوف تبحث عن سيناريو آخر لتنفيذه حتى تتمكن من التمركز وسط آسيا, كجزء من مشروع القرن الأمريكي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

المربط الصفوي مقاربات عقدية وسوسيولوجية وسياسية وتاريخية 14

أكرم حجازي كاتب وباحث أكاديمي ثانيا:  تاريخية ولاية الفقيه     لا تختلف عقلية …