أخبار عاجلة
الرئيسية / دين ودنيا / النبِـيُّ ورسول اللهِ ورسول ربِّ العالمين: المعني والدلالة (1)

النبِـيُّ ورسول اللهِ ورسول ربِّ العالمين: المعني والدلالة (1)

الـحَسن ولد ماديكْ

باحث في تأصيل القراءات والتفسير وفقه المرحلة
رئيس مركز إحياء للبحوث والدراسات
عرض مقالات الكاتب

النبوة ـ في لسان العرب ـ عند إطلاقها هي الإخبار باليقين من العلم الغائب، أو بما كان من الحوادث التي غابت عنك فلم تحضرها سواء كانت ماضية أو معاصرة كما وقعت، أو بما ستؤول إليه الحوادثُ يومَ تُصبِح شهادةً.
فمن “الإخبار باليقين من العلم الغائب” قوله ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِـمَا لَا يَعْلَمُ فِـي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِـي الْأَرْضِ﴾[يونس 18]، والمعنى أن اللهَ لا يغيب عنه ولا يخفَى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
ومن “الإخبارِ بما كان من الحوادث التي غابت عنك فلم تحضرْها سواء كانت ماضية أو معاصرة كما وقعت” قوله ﴿أَلَـمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾[براءة 70]، وقوله ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ﴾[الحجر 51]، في وصف الحوادث الماضية، ومنه قوله ﴿فَقَالَ أَحَطْتُ بِـمَا لَـمْ تُـحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾[النمل 22] في وصف الحوادث المعاصرة.
ومن “الإخبار بما ستؤول إليه الحوادثُ يومَ تُصبِح شهادةً” قوله ﴿وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَـمَسُّهُم مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾[هود 49]، وقوله ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾[سورة ص 67 ـ 68].
وإنه في يوم الدِّين ﴿يَوْمَ لَا تَـمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾[الانفطار 19] يُنبَّأُ الإنسانُ بما قدّم وأخّر، وذلك أنّ إلى اللهِ مرجعَ الناس فيُنبِّئُهم بما عملوا وبما كانوا يصنعون وبما كانوا فيه يختلفون وإليه أمرهم فينبئهم بما كانوا يفعلون.
ولا كرامة في هذه النبوَّة إذ هي بإحضار عمل ِالإنسان المنبَّإ به فيُعرض عليه لِيراه جهرة كما في قوله ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ﴾[التكوير 14] وقوله ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾[الانفطار 5] ولا عِلْمَ قبل تمكُّنِ البصر من المعلوم كما في قوله ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْـمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾[النبأ 40] وقوله ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَـهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾[البقرة 167] وقوله ﴿يَوْمَ تَـجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُـحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾[آل عمران 30] والمعنى أنه محضر كذلك وقوله ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾[الكهف 49].
إن قوله ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾[الانفطار 5] لمن المثاني مع قوله ﴿إِنَّا نَـحْنُ نُـحْيِـي الْـمَوْتَـى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَءَاثَارَهُمْ﴾[يس 12] وقوله ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾[النحل 25] وقوله ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَـهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِـهِمْ﴾[العنكبوت 13] إذِ الذي قدّموه هو ما عمِلوا في حياتهم والذي أخّروه هو الأثَر الذي تركوه خلْفَهم ومنه الأشرطة المسموعة والمرئية فإن كان سيئا كان من أوزار الذين يُضِلُّونهم بغير عِلْم ومن الأثقال مع أثقالهم.
وكذلك يُنَبَّأ ابنُ آدم إذا مات ودخل البرزَخ إذِ يُعرَضُ عليه قبل البعث مقعدُه غداةً وعشيًّا كما في صحيح البخاري في حديث ابن عمر المرفوع.
وجميع أهل الجنة يُنَبِّئُهم اللهُ فيَعرِض عليهم وهم على سررهم ما يشاءون كما قوله ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُم مُطَّلِعُونَ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِـي سَوَاءِ الْـجَحِيمِ﴾[الصفات 54 ـ 55]
وأهل النار كذلك يُنبَّأون كما في قوله ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللهُ أَعْمَالَـهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا بِـخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾[البقرة 167] يعني تُعرض عليهم أعمالهم التي قدّموها في الدنيا ودخلوا بها النار ليزدادوا حسرة وقنوطا من الفَرَج والرحمة.
وإنما ذكرت الحديث عن النُّبُوّة العامة بعد الموت لتقريب علم اليقين الحاصل للنبـيّ في الدنيا بما يُنَبِّئُه به اللهُ العليم الخبير.
إن الذين كانوا يقولون عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ﴿هُوَ أُذُنٌ﴾[براءة 61] بمعنى أنه يسمع ويقبل ما يتلقّى من أعذارهم كالْمُغفَّل لا يفقهون أن النبيّ تُعرَض عليه في يقظتِه ونومِه أعمالُ أمَّتِه سواء منهم من عاصروه والذين سيتأخرون عنه ويُعرَض عليه مما سيكون من الحوادث في أمَّتِه إلى آخرها وإلى قيام الساعة فما بعده.
إن اللهَ نبّأ مُـحمّدا صلى الله عليه وسلم بما سيكون في أمته فعرضَه عليه عرْضا ورأى رجال ونساء أمته حسب أعمالهم ودرجاتهم على نسق ما يُنبِّئ اللهُ به كل إنسان في يوم الدِّين والحساب بما قدَّم وأخَّر من أعماله.
ولا تسَلْ عن اليقين من العلم الحاصل للإنسان المنبَّإِ في يوم الدِّينِ ولا للنَّبِـيّ في الدُّنيا لأن اللهَ يُرِي النبِـيَّ ذلك العرْضَ يقظةً بأم عينيه في الدنيا كما في الأحاديث النبوية المتواترة ومنها:
ـ هل ترون ما أرى إني أرى الفتنَ تقع خلال بيوتكم مواقع القَطْر [متفق عليه]
ـ عُرِضت عليَّ الجنة والنار آنفا في عَرْض هذا الحائط فلم أرَ كالخير والشر. [صحيح البخاري] كتاب مواقيت الصلاة باب وقت صلاة الظهر بعد الزوال.
وإن النُّبُوَّة المقيدة بالعلم كما في قوله ﴿نَبِّئُونِـي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[الأنعام 143] لتعني أحدَ أمرين:
أولا: الإخبار والعرض يقظة وهو ما اختصّ به النبيُّون.
ثانيا: الإخبار بالكتاب الذي جاء به النبيُّون وهو العلم.
ويعني أن الله دعا المشركين الذين حرّموا من ثمانية أزواج الأنعام ما لم يأذن به اللهُ أن يُنبِّئوا النّبِـيَّ الأُمِّيَّ صلّى الله عليه وعلى ءالِه وسلم أي يُـخبِروه بعِلْمٍ أي يَعرِضوا عليه ساعةَ نزل عليهم لأول مرة من الله تحريمُ البَحيرة والسّائبة والوصيلة والحامِي أو يأتوا بكتاب من عند الله نزل فيه تحريمُ ما زعموا، وهو الدليل القوي لو استطاعوه.
فالنبوةُ بعِلْمٍ بمعنَـى عَرْضِ الغيْبِ الْـمُنَبَّإِ بِهِ يقظةً على الْـمُنَبَّإِ هي ما اختصّ به النبيُّون وهي أخصُّ من قوله ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْزِيلِ مَا لَـمْ تَسْطِع عَلَيْهِ صَبْرًا﴾[الكهف 78] وقوله ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْـمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُـحْتَضَرٌ﴾[القمر 28] أي أخبرهم بِـحُكْمِ اللهِ فيه ولم يسبق إليهم عِلْمٌ به.
إن التقدم العلمي اليوم لم يبلغ بعضَ ما عُرِضَ على النبيّ الأميّ صلّى اللهُ عليه وعلى ءالِه وسلم ومنه أنْ عُرِضَ عليه مِن الحوادِثِ الغابِرَة البعيدة خُروجُ أُلُوفٌ مِن دِيَارِهم حَذَرَ الْمَوْتِ وإِماتَتُهم وإحياؤُهم، وعُرِضَ عليه مُـحاورَةُ الملَإِ مِن بنـي إسراءيلَ مِن بعد موسَى نبيَّهم يسْألونَه أن يبعَثَ مَلِكًا يُقاتِلون معه في سبيل الله جالوت وجنودَه، وعُرِضَ عليه كَيْفَ فَعَلَ رَبُّهُ بِأصحاب الفيل وحيث تضمّن تفصيلُ الكتاب المنزَّلِ ﴿أَلَـمْ تَرَ﴾، للدلالة على أنْ سيقَعُ مِثْلُهُ فِـي أُمَّتِه.
وإن التقدم العلمي اليوم لم يبلغْ بعضَ ما عُرِضَ على النبيّ الأميّ صلّى اللهُ عليه وعلى ءالِه وسلم ومنه أنْ عُرِضَ عليه مِن حوادِثِ الغيْبِ الـمُنتَظَرَةِ كالذين يُسَارِعون في اليهودِ والنصارَى خَشْيةَ الدَّائِرةِ عليهم، وكثيرٍ مِن الْـمُنافِقِينَ يتوَلَّوْنَ الذِينَ كَفَرُوا مِن دونِ الْـمُؤْمِنين، وحيث تضمّن تفصيلُ الكتاب المنزَّلِ ﴿فَتَرَى﴾ ﴿وَتَرَى﴾ للدلالة على أنه مما عُرِضَ عليه ثُمَّ نُبِّئَ به في القرآن، وذلكما الفرْقُ بين مَا نُبِّـئَ به النبِـيُّ صلَّى اللهُ عليه وعلى ءالِه وسلّم عَرْضًا ووحْيًا وبيْنَ ما خُوطِبتِ البشريّةُ بتأمُّلِهِ مِن الظواهِر والسُّنَنِ وتضمّنه تفصيلُ الكِتابِ كما في ﴿أَفَرَأَيْتُمْ﴾ ﴿أَفَلَـمْ يَرَوْا﴾ ﴿أَلَـمْ يَرَوْا﴾ وبزيادة تأكيد كما في ﴿أَفَلَـمْ يَرَوْا﴾ ﴿أوَلَـمْ يَرَوْا﴾ وبيْن ما نبَّأَ اللهُ البشريّةَ كلّها أن ستتبيَّنُه رأيَ العيْنِ كما في ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِـي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ ﴾[الأنبياء 44].
إنّ النبِّـيَّ هو الذي نبَّأَه اللهُ وحْيًا إليه وعرْضًا عليه في يقظته مما سيكون من الحوادث في الدنيا والآخرة وأرسلَه إلـى مُعاصِريه وآخرين لما يلحقوا بهم من الأجيال اللاحقة.
والنبيون ثلاثة أصناف:
أولا: النبيّون قبل موسى آتاهم ربهم الكتاب فحفظوه عن ظهر قلب وعلِموه تعلُّما خارقا وأرسلهم اللهُ إلى مُعَاصِرِيهم ولاحِقِيهم فعلّموا منه بقَدْر استعدادِ المعاصرين للتّلقِّي.
ثانيا: النبيُّون الذين أنزل اللهُ عليهم الكتاب للناس: موسى وعيسى ومحمد أرسلهم اللهُ بالبيِّنات لِـما في الكتاب وبالنُّبُوَّة إلى مُعاصِريهم ولاحِقيهم.
ثالثا: النبيّون الذين أرسلهم الله بالنُّبُوة وبالبينات لما في التوراة وهم أنبياء بني إسرائيل بعد موسى وكذلك عيسى لتبيانِه بيّناتِ ما في التوراة ومـحمدٌ صلّى الله عليه وعلى ءاله وسلم لِتِبيانِه بيِّناتِ ما في التوراة والإنجيل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

أقاويل الظالمين

أ.د فؤاد البنا أكاديمي ورئيس منتدى الفكر الإسلامي تهافت الاتهامات:تبرُز عظمة القرآن في …