أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / العيش على الهامش

العيش على الهامش

مصعب الأحمد

كاتب وباحث وشاعر سوري
عرض مقالات الكاتب

الحياة امتحان عظيم ، يحوي امتحانات كثيرة ، كلما زادت قيمة الفرع الذي تطلبه احتاج منك عملًا وسعيًا ،وكدًا، وبذلًا، وتضحيات كثيرة ، ثم تأتيك الامتحانات لتفت عضدك ، وتذهب راحتك ..

لكنك ومع النجاح الذي تحققه تعلو مرتبتك ، ويرتفع شأنك، وتنتقل من مكان لآخر في سلم الارتقاء ..

أما إذا فشلت حاول مرارًا، فإذا  استسلمت، فأنت كغيرك في مستنقع الفاشلين، الذين اختاروا الراحة العاجلة، والابتعاد عن المغامرة ، والدعة المفرطة ..

عاشوا كما تعيش كل الأشياء على هامش الحياة  لا نذكرهم حتى ننساهم ، ولم يكن لهم أي أثر، فيمن حولهم ، ولا حتى في أنفسهم ، حتى أبنائهم يقولون بعد وفاتهم : كما جاء خرج  ..

أي كما جاء إلى الدنيا خرج منها ..

وليته كان كذلك ..

ليت الإنسان حينما يعتزل الحياة، ويفرط في العزلة يخرج كما دخل دون أثقال من الذنوب، والمعاصي  ، وما خلق فيها ليعبرها، بل ليعمرها ..

ليته يخرج لا له، ولا عليه ..

يعتقد الناس أن من يعيش على هامش الحياة يخرج منها كفافًا ! وليست كذلك ..

من قال إن الإنسان خلق في الدنيا؛ ليأكل، ويشرب، ويعيش كما تعيش البهائم ..

لو كان ذاك لما فضله الله تعالى على البهائم، ولما اختاره لعمارة الكون ..

أقبح ما في هذه النظرة التي يرددها الجهلة عن عقيدة  أن يرددها علماء الدين عن رسوخ،  فيقولون دع ما لقيصر لقيصر ..

وهم المناط بهم إصلاح الناس وإيقاظ المجتمع

يدعون الناس إلى العزلة، والالتحاق بشعاب الجبال، والابتعاد عن الناس ، والزهد الأحمق الذي لا يمت إلى الزهد بصلة .. حتى رأيت كثيرًا من طلبة العلم، والأتباع يرددون ذلك في المجالس كالببغاوات ..

من قال إن الإنسان مطلوب منه أن يعيش ليعيش؟

من قال إن الإنسان مقبول منه أن يعيش لنفسه، ويخرج منها معافى ؟

ألم يقرأ هؤلاء القرآن الكريم، والسنة النبوية ؟

أين في القرآن ذلك ؟

أين في السنة ذلك ؟

أين في صالح الأمة ذلك ؟

يموت الناس جوعًا، ويموت هو تخمة ..

يموت الناس بردًا، ويموت هو حرارة ..

يموت الناس كدًا، ويموت هو دعة ..

تسلب البلاد، والعباد وهو يتفرج ..

العبادات في الإسلام واحدة من عشرة من عمل الدنيا، وجل عمل الدنيا في المعاملات ..

في الكسب، والسعي، والأخلاق، و المكارم، والرد، والردع، والجهاد ..

كان بوسع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقبل عرض أهل مكة، ويوفر على نفسه كمًا هائلًا من التضحيات ، ويصبح سيد مكة، وأغنى رجل فيها، وأعز نفرًا ومالًا، ونساء، وولدًا ..

كان بوسعه أن يبقى في الغار يتعبد، بعيداً عن الناس.

كان بإمكان أبي بكر أن يترك مرتدة العرب، ويكتفي بالمدينة، ومكة ،ولا يتحمل تلك الفاتورة المؤلمة من الحروب والتضحيات ..

كان بوسع عمر بن الخطاب أن يختلي بنفسه، وصحبه، ويتفرغون للذكر، والعبادة ، ولكنهم أبوا إلا أن ينشروا الإسلام، ويعلوا راية الحق، ويهزموا امبراطوريتين تستعدان لسحقه وأمته ..

كان بوسع أبي حنيفة أن يتجنب السجن ، وابن حنبل أن يتجنب الجلد، والعذاب ، والشافعي أن يتجنب الفقر، والحاجة، وغضب السلطان  ، والنسائي أن يتجنب القتل على أيدي الدهماء في الشام؛ لأنه ألف كتابًا، وغيرهم كثير ..

هؤلاء العظماء ما خلد التاريخ أسماءهم إلا؛ لأنهم لم يعيشوا لأنفسهم ..

ليس في الإسلام (فخار يكسر بعضه )!

في الإسلام (من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم ).

ليس في الإسلام أثرة، وأنانية، وذاتية مقيتة  (أنا والطوفان من بعدي )!

في الإسلام ما جاء عن أَبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيِّ قَالَ: أَتَيْتُ أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ قَالَ: قُلْتُ كَيْفَ تَصْنَعُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ؟ قَالَ: أَيَّةُ آيَةٍ ؟ قُلْتُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ ﴾، قَالَ: سَأَلْتُ عَنْهَا خَبِيرًا سَأَلْتُ عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:

(بَلْ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ، وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ، حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ شُحًّا مُطَاعًا وَهَوًى مُتَّبَعًا، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، وَرَأَيْتَ أَمْرًا لَا يَدَانِ لَكَ بِهِ فَعَلَيْكَ خُوَيْصَةَ نَفْسِكَ، فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ عَلَى مِثْلِ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ ) ..

ليس في الإسلام” نفسي نفسي” ..

في الإسلام” أمتي أمتي” ..

كيف يعيش الغني لنفسه، ويزداد سرفًا وتخمة، وإخوانه يموتون جوعًا، وقهرًا بدعوى أنه أدى ما يلزم ..

كيف يعيش الداعية لنفسه، ويقدم مصلحتها على هداية الأمة، ورشادها، وهو المناط به تنوير العقول ،وشحذ الهمم، وإشعال جذوة العمل ..

كيف يقبل من الأب أن يترك أبناءه عالة على الناس تربيهم القنوات الهابطة، ويجلس لملذاته، وشهواته، ونزواته غير مكترث بتربية، ولا تعليم، ولا رعاية  ..

كيف لمسلم أن يلاقي الله معتزلًا خاليًا؟  ، وهناك حرمات تنتهك، وأعراض تسفك، و دماء تسيل ، وأموال تنهب ؟ بدعوى (من تدخل فيما لا يعنيه لقي ما لا يرضيه )

ليست عزلة بل هبلا ..

العزلة الكاملة عزلة الضعفاء ، السفهاء ، الجهلة.

قال الإمام بن عجيبة رحمه الله:

العُزلة عن الناس.. عزلة الضعفاء، والعُزلة بين الناس.. عُزلة الأقوياء..

اعتزل ما يؤذيك ، اعتزل ما يفسدك ، اعتزل ما يضرك اعتزل الشر، وأهله اعتزل السلطان لا السلطة.

اعتزال السلطان ألا تكون له تبعًا كلب حراسة، واعتزال السلطة ألا تترك العمل السياسي، والدعوي؛ لتتفرغ في المسجد فيربي السياسي أبناءك؛ ليخرجوك من المسجد، أو يهدموه فوق رأسك  ..

أرأيت لو أن طبيبًا طلب منك أن تعتزل بعض الطعام فاعتزلته كله ؟ أين ستورد نفسك ؟

الحياة تعب، ونصب ، جهد، وعمل ، اجتهاد وطلب ، ردع ودفع ، إصلاح وهدم ، تغيير وتبديل .. وهي بغير ذلك لا تسمى حياة ..

من يعيش لنفسه “ربما ” يعيش حياة

(مطمئنة ، هادئة ، مستقرة )

لكنه يعيش صغيرًا، يموت حقيرًا، ويحاسب عسيرًا  ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

نفاق المجتمع المدني!

أ.د فؤاد البنا أكاديمي ورئيس منتدى الفكر الإسلامي تخيلوا معي لو أن مجموعة …