أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / الحماية القانونية للأوقاف الإسلامية بالقدس في القانون الدولي – 4 من 5

الحماية القانونية للأوقاف الإسلامية بالقدس في القانون الدولي – 4 من 5

الدكتور السيد مصطفى أبو الخير

خبير أكاديمي في القانون الدولي
عرض مقالات الكاتب

المطلب الثالث

الحماية القانونية للأماكن المقدسة في القانون الدولي

     أن قضية القدس وخاصة أوقافها الإسلامية هي إحدى النقاط الجوهرية في الصراع السياسي والديني، خاصة وأن كلاً من الفلسطينيين ويهود يعتبرها عاصمة لكيانه السياسي، ورغماً عن كل دعاوى التهديد والتهويد التي تقوم بها إسرائيل إلا أن القدس كانت وستبقى مدينة عربية إسلامية عريقة منذ تسلم مفاتيحها الخليفة عمر بن الخطاب سنة 638م، وهي أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين ومسرى الرسول الكريم سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، ونبين في هذا المبحث الحماية القانونية للأماكن المقدسة والأعيان الدينية في القانون الدولي وخاصة القانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإسلامي، وكذلك في اتفاقيات لاهاي لعامي 1899م و 1907م واتفاقيات جنيف لعام 1949م والبرتوكولين الإضافيين لهم لعام 1977م، وغيرهم من الاتفاقيات الدولية ذات الشأن.

     أن المحاولات الصهيونية ما فتئت تبرر الاستيلاء على المدينة المقدسة بادعاء وجود رموز دينية وتحويل المعركة حولها من معركة سياسية حول السيادة إلى معركة دينية عقدية تصل في نهايتها إلى منزلق خطير، إن إسرائيل لم تعد تتورع عن التهديد الصريح بنسف المعالم الإسلامية في القدس وعلى رأسها المسجد الأقصى وقبة الصخرة، وهي تهديدات ينبغي أخذها بجدية والتوجه بصدق لتحقيق الحماية الحقيقية للأماكن المقدسة([1]).

     القانون الدولي نص علي قواعد قانونية لحماية الأماكن الدينية المقدسة، فاتفاقية لاهاي لسنة 1904 اعتبرت الأماكن الدينية المقدسة ضمن الممتلكات الثقافية التي لها حمايتها نظرا لقيمتها الفنية والتاريخية والدينية للإنسانية جمعاء، كما أن المادة(27) من اتفاقية لاهاي 1907 تنص على أنه ( في حالة الحصار والضرب بالقنابل يجب اتخاذ ما يمكن من الوسائل لعدم المساس بالمباني المعدة للعبادة) واتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 حظرت ضرب أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب، وقد نصت المادة (53) من تلك الاتفاقية على أنه( محظور على دول الاحتلال أن تدمر أي متعلقات ثابتة أو منقولة خاصة بالأفراد أو الجماعات إلا إذا كانت العمليات الحربية تقتضي حتماً ضرورة هذا التخريب).

     أن القانون الدولي لم يتمكن حتى الآن من وضع ضوابط صارمة لحماية الأماكن المقدسة وصيانتها تحت الاحتلال، أو خلال ممارسة العدوان، وقد كان لهذا القصور آثاره الوخيمة على الأماكن المقدسة بالقدس، لذلك يجب علي الدول الإسلامية عن طريق منظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية، إبرام معاهدة دولية يكون موضوعها الوحيد هو حماية الأماكن الدينية المقدسة، لأن إسرائيل تستغل الثغرات التي يعاني منها القانون الدولي، وينبغي أن تتضمن هذه المعاهدة في صلبها اعترافاً صريحاً وواضحاً بأن أي شكل من الانتهاك الموجه ضد حرمة الأماكن المقدسة، يعتبر جريمة دولية، مع تحديد شروط الجزاء المناسبة للأفعال الفردية وكذلك الصادرة عن الدول، وتنص على اختصاص كل من المحكمة الجنائية الدولية ومجلس الأمن من أجل اتخاذ الإجراءات الرادعة، طبقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة ([2]).

     إن القانون الدولي لحقوق الإنسان في كافة مواثيقه وإعلاناته واتفاقياته  ينص علي حق الإنسان في حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة، يجب أن تكون مؤمنة للجميع عملاً بمبدأ معروف من مبادئ حقوق الإنسان وهي حرية العبادة والعقيدة، وقد ورد ذلك في البند الثاني عشر من الإعلان العالمي عن حقوق الإنسان في الإسلام، وفي المادة (18) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن الأمم المتحدة عام 1948م، وفي المادة (18) من الاتفاقية الدولية الخاصة بشأن الحقوق المدنية والسياسية، وفي المادتين (22 و23) من الميثاق العربي لحقوق الإنسان الصادر عن جامعة الدول العربية عام 1945م، وأيضا المادتين (26 و27) من الميثاق العربي لحقوق الإنسان الصادر بموجب قرار مجلس جامعة الدول العربية بالقرار رقم 5427 في 15/9/1997م، وفي المادة الثامنة من الميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان الصادر بالقرار رقم (115 الدورة 16) عام 1979م، والمادة (9) من الاتفاقية الأوربية لحقوق الإنسان اتفاقية حماية حقوق الإنسان في نطاق مجلس أوربا في نوفمبر 1950م، والمعدل بالبروتوكول رقم (3)لعام 1970م والبروتوكول رقم (5) عام1971م، والمادة العاشرة من ميثاق الحقوق الأساسية للاتحاد الأوربي الذي بدأ العمل به في السابع من ديسمبر عام 2000م، والمادة الثالثة من الإعلان الأمريكي لحقوق وواجباته الصادر عن منظمة الدول الأمريكية بالقرار رقم (30) الصادر في المؤتمر الدولي التاسع للدول الأمريكية عام 1948م، والمادة (12) من الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان سان خوسيه في 2/11/1969م الصادر عن منظمة الدول الأمريكية([3]).

  غير أن حق الإنسان في اعتناق دين معين وحقه في زيارة الأماكن المقدسة والمواقع الدينية لا يعطي لهذه الأماكن طبيعة قانونية خاصة تتميز بها من حيث السيادة عن غيرها من أراضي الدولة ومدنها وقراها ومواقعها، لا يمكن أن يختلف المركز القانوني للأماكن المقدسة عن المركز القانوني لباقي مدن الإقليم العادية التي لا يوجد فيها مواقع دينية، ولعل ذلك ينطبق بصورة أكثر وضوحاً عندما تكون الأماكن المقدسة لدى المسلمين والمسيحيين واليهود ولا يقبل أن تتوزع السيادة على هذه الأماكن بين جميع الدول المسيحية في العالم وجميع الدول الإسلامية كذلك وبين يهود العالم الذين لا تضمهم دولة واحدة باستثناء الكيان غير الشرعي القائم في فلسطين على غير أساس من المشروعية. وهناك فرق بين السيادة والملكية فقد تعود ملكية بعض المواقع الدينية إلى بعض الهيئات الدينية في نطاق الدولة ، وقد تدين هذه الهيئات بغير دين الدولة فهل يعني ذلك أن دولةً أو دولاً تشترك مع الدولة المعنية في السيادة على هذه المواقع وكأنها جزء خارج عن نطاق إقليم الدولة، الحقيقة أن السيادة الكاملة تبقى للدولة الوطنية دون منازع أو مشارك ولن يكون للملكية الفردية أو الجماعية أي أثر على السيادة.

     وقد فرض القانون الدولي الإنساني حمايته علي الأماكن المقدسة في العديد من الاتفاقيات الدولية، يأتي علي رأسها اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949م والبرتوكولين الإضافيين لهم لعام 1977م وخاصة البروتوكول الإضافي الأول الذي نص في المادة (53) علي (تحظر الأعمال التالية، وذلك دون الإخلال بأحكام اتفاقية لاهاي المتعلقة بحماية الأعيان الثقافية في حالة النزاع المسلح المعقودة بتاريخ 14 آيار/مايو 1954 وأحكام المواثيق الدولية الأخرى الخاصة بالموضوع:ارتكاب أي من الأعمال العدائية الموجهة ضد الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب،استخدام مثل هذه الأعيان في دعم المجهود الحربي، (ج) استخدام مثل هذه الأعيان محلا لهجمات الردع.).

     كما تضمنت المعنى نفسه المادة 53 من اتفاقية لاهاي لعام 1954 الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية وقت النزاع المسلح، كما أورد البروتوكول الثاني الخاص بالنزاعات المسلحة غير ذات الطابع الدولي في المادة(14) ما نصه ( يحظر ارتكاب أية أعمال عدائية موجهة ضد الآثار التاريخية، أو الأعمال الفنية، أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي والروحي للشعوب واستخدامها في دعم المجهود الحرب).

     وهناك أيضا المبادئ الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح المقررة في اتفاقيتي لاهاي عام 1899 وعام 1907 وميثاق واشنطن المؤرخ 15 نيسان/أبريل 1935؛اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح 14 أيار/مايو 1954م، واللائحة التنفيذية لاتفاقية حماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح لاهاي  14 أيار/مايو 1954م، وبرتوكول من أجل حماية المملكات الثقافية في حالة نزاع مسلح 14 أيار/مايو 1954م، والبروتوكول الثاني لاتفاقية لاهاي لعام 1954م الخاص بحماية الممتلكات الثقافية في حالة نزاع مسلح لاهاي في 26 مارس عام 1999م([4]) نستنتج هذه المبادئ من مجموعة من التشريعات والبيانات والإعلانات والقرارات الصادرة من المنظمات الدولية وعلى رأسها الجمعية العامة للأمم المتحدة، ومجلس الأمن،  ونجملها هذه المبادئ فيما يلي:-

أ‌- حرية ممارسة الشعائر: وهذا المبدأ لا خلاف عليه، ويتفق مع مبادئ حقوق الإنسان ومع قواعد قانون الاحتلال الحربي، ولا يوجد أي شك في ضرورة تحققه، سواء من ناحية السلطة المحتلة أو المجتمع الدولي بهيئاته ومنظماته المختلفة، ومن ثم نجد تعبيراً واضحاً عن هذه الحرية في وثائق عديدة تتصل بهذه المدينة وخاصة في قرارات الأمم المتحدة سواء من الجمعية العامة أو مجلس الأمن.

ب- حرية الوصول إلى أماكن إقامة الشعائر: وهذه الحرية مرتبطة بحرية العقيدة ومترتبة عليها، فليس هناك أية قيمة للحرية إذا كان وجد ما يمنع شخصاً أو طائفة من حرية الوصول إلى الأماكن المقدسة في المدينة.

ج- الحفاظ على الأماكن المقدسة: والواقع أن هذا المبدأ يكمل المبدأين السابقين- فلا يمكن ممارسة حرية العقيدة أو تقرير حرية الوصول إلى أماكن العبادة دون الحفاظ على هذه الأماكن من كل اعتداء أو تغيير من شأنه أن يهدد سلامة واستمرار هذه الأماكن المقدسة.
     وهكذا نستطيع أن نؤكد أن الأماكن المقدسة تحظى بحماية قانونيـة واسعة في القانون الدولي، هذه الحماية تجد أصلها في عادات الشعوب وأعرافها وقوامهـــا أن تكون هـــذه الأماكــن متاحـــة للكافة، وأن تكون آمنة من أي ترويع، وأن تمنعها الدول تماماً عن الخطر سواء الدولة الموجودة فيها هذه الأماكن نفسها أم الدولة التي تكون في حالة حرب معها، أو الدول التي تقع تحت يدها نتيجة للاحتلال الحربي([5]).أن المركز الديني للأماكن المقدسة فيالقدس الشريف لا يختلف عن المركز القانوني لباقي إقليم فلسطين، فالسيادة على الإقليم والأماكن المقدسة فيه كل لا يتجزأ ، ثابتة لشعب فلسطين بكل فئاته، وإن الحرية الدينية وتأمين سلامة الأماكن المقدسة وتأمين الوصول إليها يجب أن تكون مصانة من أي أعتداء ومن أي جهة، ولا يحق لقوات الاحتلال الإسرائيلية أي حق في السيادة أو السيطرة علي أي جزء من فلسطين التاريخية من النهر إلي البحر بما فيها القدس الشريف والأماكن المقدسة فيها.   


[1] – الدكتور/ محمد تاج الدين الحسيني، مستقبل القدس وإشكالية الحماية القانونية للمقد سات، الموقع الالكتروني علي الانترنت للمنظمة الإسلامية للعلوم والقفافة.

[2] الدكتور/ محمد تاج الدين الحسيني، مستقبل القدس وإشكالية الحماية القانونية للمقد سات، المرجع السابق.

[3] – راجع لمؤلف كتاب نصوص المواثيق والإعلانات والاتفاقيات لحقوق الإنسان، ايتراك، القاهرة، عام 2005.

[4] – راجع النصوص الكاملة لهذه الاتفاقيات في موسوعة اتفاقيات القانون الدولي الإنساني، النصوص الرسمية للاتفاقيات والدول المصدقة والموقعة ، إصدار بعثة اللجنة الدولية للصليب الأحمر بالقاهرة، الطبعة الرابعة عام 2004م.

[5] – الدكتور/ جعفر عبد السلام، القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان من منظور إسلامي، علي الانترنت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بولس الرَّسول: رائد دعوة التَّبشير أم مؤسِّس المسيحيَّة؟ 1من 3

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. بسم الله الرحمن الرحيم …