أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / بنو إسرائيل وميراث الأرض: لمَن العاقبة في الصِّراع العربي-الإسرائيلي؟ – 5 من 6

بنو إسرائيل وميراث الأرض: لمَن العاقبة في الصِّراع العربي-الإسرائيلي؟ – 5 من 6

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن

أكاديمي مصري.
عرض مقالات الكاتب

قصَّة بقرة بني إسرائيل ما بين القرآن الكريم والمصادر اليهوديَّة

جاء أمر الربِّ لموسى وهارون بإقامة شعيرة ذبح بقرة وحرقها والتطهُّر برمادها في سفر العدد “وَكَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى وَهَارُونَ قَائِلًا: «هذِهِ فَرِيضَةُ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا الرَّبُّ قَائِلًا: كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَأْخُذُوا إِلَيْكَ بَقَرَةً حَمْرَاءَ صَحِيحَةً لاَ عَيْبَ فِيهَا، وَلَمْ يَعْلُ عَلَيْهَا نِيرٌ…وَيَأْخُذُ أَلِعَازَارُ الْكَاهِنُ مِنْ دَمِهَا بِإِصْبِعِهِ وَيَنْضِحُ مِنْ دَمِهَا إِلَى جِهَةِ وَجْهِ خَيْمَةِ الاجْتِمَاعِ سَبْعَ مَرَّاتٍ. وَتُحْرَقُ الْبَقَرَةُ أَمَامَ عَيْنَيْهِ. يُحْرَقُ جِلْدُهَا وَلَحْمُهَا وَدَمُهَا مَعَ فَرْثِهَا” (سفر العدد: إصحاح 19، آيات 1-4). أمَّا عن سبب التطهُّر برماد البقرة الحمراء، فهو التخلُّص من النَّجاسة التي تنتج عن مسِّ جسد ميِّت “مَنْ مَسَّ مَيْتًا مَيْتَةَ إِنْسَانٍ مَا، يَكُونُ نَجِسًا سَبْعَةَ أَيَّامٍ. يَتَطَهَّرُ بِهِ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ، وَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ يَكُونُ طَاهِرًا. وَإِنْ لَمْ يَتَطَهَّرْ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ فَفِي الْيَوْمِ السَّابعِ لاَ يَكُونُ طَاهِرًا” (سفر العدد: إصحاح 19، آيتان 11-12). وفق موقع موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسُّنَّة، هناك مصادر أخرى لقصَّة بقرة بني إسرائيل، غير ما ورد في سفر العدد (سفر العدد: إصحاح 19، آيات 1-10)، وهي التلمود البابلي، كتاب القدُّوسين، والمشنا، وإن كان أقرب نصِّ في التوراة يتشابه مع ما جاء في الرواية القرآنيَّة، ما جاء عن البقرة في سفر التثنية “إِذَا وُجِدَ قَتِيلٌ فِي الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ لِتَمْتَلِكَهَا وَاقِعًا فِي الْحَقْلِ، لاَ يُعْلَمُ مَنْ قَتَلَهُ. يَخْرُجُ شُيُوخُكَ وَقُضَاتُكَ وَيَقِيسُونَ إِلَى الْمُدُنِ الَّتِي حَوْلَ الْقَتِيلِ. فَالْمَدِينَةُ الْقُرْبَى مِنَ الْقَتِيلِ، يَأْخُذُ شُيُوخُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ عِجْلَةً مِنَ الْبَقَرِ لَمْ يُحْرَثْ عَلَيْهَا، لَمْ تَجُرَّ بِالنِّيرِ. وَيَنْحَدِرُ شُيُوخُ تِلْكَ الْمَدِينَةِ بِالْعِجْلَةِ إِلَى وَادٍ دَائِمِ السَّيَلاَنِ لَمْ يُحْرَثْ فِيهِ وَلَمْ يُزْرَعْ، وَيَكْسِرُونَ عُنُقَ الْعِجْلَةِ فِي الْوَادِي. ثُمَّ يَتَقَدَّمُ الْكَهَنَةُ بَنُو لاَوِي…وَيَغْسِلُ جَمِيعُ شُيُوخِ تِلْكَ الْمَدِينَةِ الْقَرِيبِينَ مِنَ الْقَتِيلِ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْعِجْلَةِ الْمَكْسُورَةِ الْعُنُقِ فِي الْوَادِي. وَيُصَرِّحُونَ وَيَقُولُونَ: أَيْدِينَا لَمْ تَسْفِكْ هذَا الدَّمَ، وَأَعْيُنُنَا لَمْ تُبْصِرْ” (سفر التثنية: إصحاح 21، آيات 1-7).

بتناوُل قصَّة بقرة بني إسرائيل، نعود إلى قصَّتهم في سورة البقرة (آيات 47-123)، حيث ورد ذِكر أمر الله لقوم موسى بأن يذبحوا بقرة؛ بهدف إحياء قتيل وُجدت جُثَّته ولم يُعرف القاتل. جاء في التفاسير أنَّ رجلًا من بني إسرائيل قتل عمَّه ليرث ماله، وترك جثَّته في العراء؛ فحدثت فتنة بين قوم موسى بسبب تبادُل الاتِّهامات بالقتل، وتنصُّل الجميع من المسؤوليَّة. وجاء الأمر الإلهي بذبح بقرة، كما تخبر سورة البقرة “وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (67)”. يبدو أنَّ الأمل في امتلاك القدرة على إحياء الموتى قد استحوذ على الذهنيَّة الإسرائيليَّة وقتها؛ فتعجَّبوا أن يكون ذبْح بقرة هو السَّبيل إلى ذلك “قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا“. كما روى الصَّحابي الجليل عبد الله بن عبَّاس، لو أنَّ بني إسرائيل امتثلت لأمر الله مباشرةً، لنفعت أيُّ بقرة، لكنَّ أملهم في إحياء الموتى أعمى أعينهم عن تلك الحقيقة.

بدلًا من التأكُّد من أنَّ إحياء قتيلهم كان مؤقَّتًا ليخبر عن قاتله، بادروا بالسُّؤال عن مواصفات تلك البقرة، مُلزمين أنفسهم بشروط لم يفرضها عليهم الله، وقد أحسنت الحروف المدغمة في الآيات التعبير عنها “قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ ۖ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (68) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا ۚ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (69) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (70) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا ۚ قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ ۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (71)”. فرض بنو إسرائيل الشرط الأوَّل على أنفسهم في الآية 68 بأن سألوا عن هويَّة البقرة، كما يوضح إدغام النون في حرف اللام “يُبَيِّن لَّنَا“، وجاء ردُّ الله على لسان نبيِّه موسى “إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ“، أي متوسِّطة العُمر، وهذا الشَّرط كان يسهل الوفاء به؛ وقد عبَّر إدغام التنوين في اللام عن ذلك الشَّرط “بَقَرَةٌ لَّا فَارِضٌ“. قيَّد بنو إسرائيل أنفسهم بشرط جديد في الآية 69، وهو لون البقرة بنفس القيد السَّابق “يُبَيِّن لَّنَا“، وجاء الرَّد الإلهي “إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا“، ليعبِّر إدغام التوين في حرف اللام من جديد عن الشَّرط، برغم أنَّ أوَّل ما نطق به موسى هو “إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ“، بلا أيِّ تقييد يشير إليه دمج الأحرف. كان الوفاء بالشَّرط هذه المرَّة أصعب؛ والنتيجة هي العجز عن الوفاء به، ففرض بنو إسرائيل على أنفسه شرطًا جديدًا بنفس الطريقة السَّابقة “قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ”، لكنَّهم استعانوا بالله في تلك المرَّة وقدَّموا مشيئته “وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ“. غير أنَّ الردَّ هذه المرَّة فرض شرطين، عبَّر عنهما إدغام التنوين في حرف اللام “إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا”. اشترط الله ألَّا تكون البقرة تُستخدم في الحرث، وألَّا يعلو جسدها شعرٌ يختلف عن لونها السَّائد. ويُقال أنَّ مَن وُجدت عنده تلك البقرة لم يبعها إلَّا بمقابل وزنها ذهبًا. نلاحظ أنَّ الإدغام كان بصوتي اللام والنون، سواء حرف النون أو التنوين الصرفي؛ وكأنَّما الرسالة هي أنَّ القتيل “لن” يعيش بعد البوح بسرِّه، و “لن” ينتفع بنو إسرائيل بهذه الطريقة في إحياء موتاهم.

يتَّضح ردُّ فعل بني إسرائيل على خيبة أملهم في إحياء الموتى وضمان الخلود في الآيات التَّالية في سورة البقرة “ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ” (سورة البقرة: الآية 74). واستخدم هؤلاء كتاب الله في استنباط تعاويذ وتراتيل اعتقدوا أنَّ فيها الذِّكر الأصح لله تعالى “أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ” (سورة البقرة : الآية 75)؛ ولأنَّ هذه الطريقة هي بداية احتراف ممارسة الطقوس الباطنيَّة، كتم هؤلاء ما توصَّلوا إليه، مظهرين الإيمان واتِّباع العقيدة السَّليمة، معتبرين أنَّ في تحريفهم كلام الله واستدعاء الشَّياطين والأخذ عنهم من علوم ظنيَّة فتحًا من الله “وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)”. وقد بيَّن الله لنا جهل فئة منهم بصحيح ما جاء في كتابه، واتِّباعهم الظنَّ، معتقدين أنَّه علمٌ صحيح من عند الله “وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78)”. ويشير الله تعالى إلى تحريف بعضهم الوحي الإلهي بغية التكسُّب “فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ (79)”.

أخذ الله تعالى العهد، أو الميثاق، على بني إسرائيل، وأوَّل فرائضه توحيد الله وعدم الشِّرك به، والإحسان إلى الوالدين والمستضعفين من النَّاس، وإحسان القول، وإقامة فرائض الدِّين، من صلاة زكاة “وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ (83)”، وكانت النتيجة أن تنصَّلوا من الميثاق، وعبدوا الثُّنائي البابلي، البعل وعشتار، وأحدثوا بدعة إسقاط الفرائض بحجَّة أنَّ النجاة يوم الدَّينونة هي بالإيمان. ويكمل الله تعالى باقي بنود الميثاق “وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (84)”، وكان ردُّ فعل بني إسرائيل كالتَّالي “ثمَّ أَنتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ ۚ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)”. وقد أوضح الله لنا سبب نقض العهد والتنصُّل من الميثاق، وهو الرُّكون إلى الحياة الدُّنيا ومتاعها “أُولٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (86)”.

بعثة المسيح عيسى بن مريم وردُّ الفعل الإسرائيلي

انتظر بنو إسرائيل المُخلِّص، يسوع الماشيح، ليحمل لهم الخلاص بمجرَّد الإيمان به، ويُظهرهم على الأمم؛ فجاءهم عيسى بن مريم، نبيُّ الله ورسوله إليهم، وتروي لنا الآيات في سورة آل عمران دعوته إليهم “وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ. وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ. إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۗ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ” (سورة آل عمران: آيات 48-51). سبقت الإشارة إلى أنَّ العقيدة التي انحرف إليها بنو إسرائيل أشبه ما تكون بالصُّوفيَّة، التي تغالي في إسناد الكرامات والخوارق إلى الأولياء، من قدرة على إحياء الموتى ومعرفة الغيب، وهذا ما عبَّر عنه المسيح في الآية 49 “أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ“. ربَّما أقنعت تلك القدرات بني إسرائيل بأنَّه البطل الخارق الذي كانوا ينتظرونه، ولكن يبدو أنَّ التزامه بصحيح الوحي الإلهي، المنزَّل في التوراة الأصليَّة “وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ“، بما تتضمَّنه من فروض وواجبات، أثناهم عن الإيمان به. كسائر الأنبياء والرُّسل من لدن آدم، أمر عيسى بني إسرائيل بالتَّقوى والطَّاعة فيما أمر الله “فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ“، طالبًا منهم تنحية عقائد الشِّرك التي تخلع صفة الربوبيَّة على غيره “إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ“. غير أنَّ بني إسرائيل آثروا البقاء على شريعتهم.

نعود إلى الآيات (47-122) من سورة البقرة، ونقف عند استعراضها ظهور المسيح بين بني إسرائيل “وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ ۖ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ۗ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)”. رفض بنو إسرائيل دعوة عيسى، التي تُلزم باتِّباع النصِّ الصحيح للكتاب، وليس تعاويذ يستخلصونها من آياته لاستحضار الشَّياطين، التي يعتبرونها ملائكة تأتيهم بخبر السَّماء. كان بنو إسرائيل ينتظرون المُخلِّص ويتوعَّدون الأمم الأخرى بأنَّه سيسحقهم عند ظهوره؛ فخاب أملهم لمَّا رفض عيسى اتِّباع هواهم “وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89)”، وقد سبقت الإشارة إلى الثَّورة الدِّينيَّة التي قادها الكاهن متثيا ضدَّ الرُّومان، لمَّا أراد الرُّومان إجبار بني إسرائيل على ترك شعائرهم وممارسة الشَّعائر الوثنيَّة الرُّومانيَّة، أي أنَّهم كانوا “يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا“، لكنَّهم كفروا بصحيح رسالة عيسى المخالف للعقيدة التي كوَّنوها من جلسات التأمُّل وتنزُّل الحكمة.

أوضحنا من قبل أنَّ من أهم أسباب معاندة الأقوام لرُّسُلها استكثار الفضل الإلهي على الرُّسُل واصطفائهم من بين النَّاس، على اعتبار أنَّهم بشر عاديُّون ممَّن خلق الله “بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ (90)”. أصرَّ بنو إسرائيل على اتِّباع العلوم الظنيَّة التي تُملى عليهم في جلسات التأمُّل “وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَهُمْ ۗ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (91)”. وقد عبَّر الله تعالى عن طبيعة العقيدة التي آمن بها بنو إسرائيل، وهي ذاتها التي أخذوها عن قوم فرعون، وأغرتهم بعبادة عجل صنعه السَّامري بنفخه استعان فيها بتعاويذ مستمدَّة من نبذ كتاب الله، أي تقطيع أحرفه وإعادة تشبيكها بما يستحضر الشَّياطين؛ وقد استحوذت هذه العقيدة عليهم “وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ“، فأصبحوا لا يؤمنون بغيرها لن تحقق لهم النَّفع الفوري الدُّنيوي  “وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا ۖ قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ۚ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (93)”. وقد فُصِّل من قبل كيف اعتقد بنو إسرائيل أنَّ النجاة في الدار الأخرى، وهي فترة ما بعد ظهور المُخلِّص، وليس يوم القيامة وفق المفهوم القرآني، هي لمَن يؤمن بالمُخلِّص ويلتحم به روحيًّا. وعلى ذلك يردُّ بيان الحقِّ “قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا ۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96)”.

وللتأكيد على استعانة بني إسرائيل بعلوم باطنيَّة تُؤخذ عن الشَّياطين، أخبرنا الله في الآيات التَّالية من سورة البقرة عن موقف بني إسرائيل من رسالة عيسى، وإن كان ذلك ينطبق على موقف من رسول الله إلى النَّاس كافَّة، مُحمَّد (ﷺ) “وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101) اتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102)”. سبق تحليل هذه الآيات من قبل في الدِّراسة بعنوان ‘‘القبَّالة اليهوديَّة وديانة بابل السِّريَّة’’، وأهم ما تؤكِّد عليه هو اتِّباع بني إسرائيل العلم الباطني “مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ” و “مَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ“، مفضِّلين المنفعة الآنيَّة على النجاة في الآخرة، التي كفروا بها، “وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ”، واتَّبعوا الهوى “كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ” بما ينتظرهم من عذاب على عوذهم بالجنِّ، الذين يزيدونهم رهقًا. من جديد، يذكِّرنا الله تعالى بفضل الإيمان والتَّقوى، لكنَّ المتهافتين على الدُّنيا لا يقدِّرون مغبَّة الاستعانة بالشَّياطين “وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ خَيْرٌ لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ” (103).

وتنقل لنا الآيات في سورة البقرة خوف أولياء الشَّيطان من ذِكر الله تعالى، المُبطل لتعاويذهم والمُصرف لشياطينهم، والذي بمداومة المؤمنين عليه، ما ذهب سُلطان أولياء الشيطان وخارت مملكتهم؛ لذلك، يستخدم أولياء الشَّيطان علمهم الباطني في تحريف المؤمنين عن سبيل الله وإلهائهم عن الذِّكر؛ فتقوى مملكة الشَّيطان ويتجبَّر أولياؤه “مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)”. وتزداد هذه النيَّة الخبيثة وضوحًا في قوله تعالى “وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)”. ومن بين وسائل إغواء المؤمنين ادِّعاء السموَّ العرقيَّ لبني إسرائيل، واختصاص الربِّ إيَّاهم بالفضل لانحدارهم من نسل إبراهيم، ويأتي الردُّ القرآني ليدحض هذه الشُّبهة “وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (111) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)”. على العكس من زعم اليهود والنَّصارى، يشترط الله الإسلام، بطاعته وأداء فروضه، والإحسان، بمراعاة مراقبته للعبد وعلمه بسرِّه وعلنه “مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ“.

نأتي إلى مسألة الفروق العقائديَّة بين اليهود والنَّصارى، والتي تشير إليها الآية الكريمة “وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)”. يعرف حكماء اليهود والنَّصارى حقيقة المسيانيَّة، وزيف القول بأنَّ لله تعالى ولد يجسِّده وتحل عليه روحه “وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ“؛ مع ذلك، كفر اليهود بالمسيح بن مريم ولم يعتبروه مُخلِّصهم؛ وذلك لأنَّه لم يُنجز المهام المنتظَر من الماشيح أن يُنجزها، وهي جمع شتات بني إسرائيل، وتأسيس دولة عالميَّة من هيكل أورشليم، ودحر الأمم عدا بني إسرائيل. في حين آمنت النصارى بأولويَّة العهد الجديد على العهد القديم، وبأنَّ يسوع النَّاصري هو المُخلِّص والفادي بدمه الأمم. وبينما يعتقد اليهود أنَّ الماشيح لم يظهر قط، تعتقد فرق النَّصارى أنَّ الظهور المرتقب للماشيح هو الثَّاني. ويتعهَّد الله تعالى بالفصل بينهم في الخلافات العقائديَّة بينهم. وقد ردَّ الله تعالى على فرية ادِّعاء الولد المُجسِّد له بين خلقه “وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (116)”.

نأتي مرحلة تُعدُّ الأحدث في تاريخ بني إسرائيل، وهو ظهور نبيِّ العرب ورسول الله للعالمين، مُحمَّدٍ بن عبد الله(ﷺ)، بالهُدى ودين الحقِّ، ليُظهره على ملَّة الكُفر المنسوبة إلى الوحي الإلهي زورًا “إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)”. وتعزز هذا المعنى الآيات في سورة المائدة “يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ ۚ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15)”. يفضح الله تعالى إخفاء بني إسرائيل الكتاب المنزَّل من السَّماء، لاتِّباع الهوى والصدِّ عن سبيل الله، مبيِّنًا بطلان عقيدة المسيانيَّة، وموضحًا رأيه في معتنقيها “لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۚ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ۗ وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ۚ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)”، ومن الإعجاز القرآني أن أشار الله للمُخلِّص باسم “الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ“؛ لأنَّ المشترك بينه وبين نبيِّ الله عيسى الانتساب إلى الصدِّيقة مريم ابنة عمران، فالَّذي آمن به النَّصارى يكون يسوع، وليس عيسى. ويسوع بن مريم لدى اليهود هو الماشيح بن يوسف؛ أمَّا الَّذي ينتظرونه، فهو الماشيح بن داود.

وتعكس هاتان الآيتان طبيعة الصِّراع الناتج عن دعوة الرَّسول الكريم بني إسرائيل إلى نبذ ملَّتهم واتِّباع ما جاء به من هدى “وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121)”. ينفي الله تعالى أيَّ إمكانيَّة آنيَّة لوجود تقارُب بين الرَّسول وأهل الكتاب في زمنه، أو مستقبليَّة لتعايُش اليهود والنَّصارى مع المسلمين، ويشير قوله تعالى “وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ” إلى أنَّ السَّخط والعداء، وما قد يتبع ذلك من كيد وتدبير، من جانب اليهود والنَّصارى، وأنَّ هاتين الفئتين هما السَّاعيتان إلى تحريف المسلمين عن الإسلام، ملَّة أبيهم إبراهيم، لاتِّباع ملَّة المسيانيَّة، أو ما يُسمَّى الإبراهيميَّة، وما يرتبط بها من طقوس وشعائر تتنافى مع صحيح رسالة السَّماء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بطلان قيام دولة يهودية في فلسطين في القانون الدولي

الدكتور السيد مصطفى أبو الخير خبير أكاديمي في القانون الدولي رغم كل ما …