أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / ملاحظات لغوية ومضمونية ومنهجية على التفسير الموضوعي للأستاذ الدكتور حسن حنفي

ملاحظات لغوية ومضمونية ومنهجية على التفسير الموضوعي للأستاذ الدكتور حسن حنفي

أ.د. إبراهيم عوض

كاتب ومفكر مصري.
عرض مقالات الكاتب

فى الصفحات التالية دراسة لكتاب أستاذى د. حسن حنفى المسمى: “التفسير الموضوعى للقرآن الكريم” (القاهرة/ 2018م). وكنت قد دُعِيتُ مِنْ ِقِبَل الزميل العزيز أ. د. محمد صالحين لإلقاء بحث فى ندوة سوف تعقد قريبا بالقاهرة لمناقشة هذا التفسير بناء على رغبة المؤلف كى يستمع إلى الآراء المختلفة حول عمله، فكانت هذه الدراسة. والدراسة، كما سيرى القارئ، دراسة تحليلية، لكننى كنت فى ذات الوقت حريصا على أن أدلى برأيى فيما كتبه الأستاذ الدكتور. ولا بد أن أصارح القراء الكرام القول بأننى أختلف مع أستاذى الدكتور اختلافا جذريا، لكنه عودنا منذ كنت طالبا من طلابه بأواخر ستينات القرن الماضى بآداب القاهرة على سعة صدره وعدم تبرمه بمن يخالفونه وعلى صراحته التامة فى طرح أفكاره وآرائه دون أدنى مبالاة بما يعتقده أو يراه الآخرون مهما كانت حساسية القضايا التى يدلى برأيه فيها أو موقفه منها. فأنا إذن فى مخالفتى له إنما أستلهم سُنَّتَه، سنة الحرية فى القول وفى التعبير، وهى سنة حسنة درجتُ عليها معه فى محاضراته لنا أيام كنا طلابا فى الجامعة.

وكان الأستاذ الدكتور قد حاضرنا أنا وزملائى بقسم اللغة العربية بآداب القاهرة عامى 68- 1969 و69- 1970 فى الفرقتين الثالثة والرابعة فى مادتى “التصوف الإسلامى” و”الفلسفة الإسلامية” على التوالى، وكنت كثير الاختلاف مع سيادته، إذ كان يقول الشىء عازيا إياه إلى الغزالى مثلا أو ابن رشد، فأذهب أنا إلى مكتبة الجامعة فأقرأ ما قاله العالمان المذكوران فى الكتب التى أشار إليها الأستاذ الدكتور فأُلْفِيهما يقولان عكس ما يقول الأستاذ الدكتور، فآتى فى المحاضرة التالية وأرفع يدى وأقول له ذلك. وكان، والحق يقال، واسع الصدر فلا يرفض أن أتكلم رغم أنه يعرف أنى سأخالفه، ولم يكن يبدو عليه الضيق ولا كان يغضب. زد على ذلك أنى فى ورقة الامتحان كنت أتبنى رأيا مخالفا لرأيه فى الموضوعات التى يسألنا فيها. بل لم أكن أجيب من كلامه بل ألخصه ثم أكر عليه بالمناقشة والتفنيد، وحين تظهر النتيجة أجد أنه لم ينتقم منى بل أعطانى أعلى تقدير كان يعطيه فى المادة فى كل من العامين المذكورين.
وكانت محاضراته تحتشد بالطلاب، وذلك لسببين: فهو يملى ولا كتاب له، ومن ثم كان لا بد من حضور الطلاب حتى يكتبوا وراءه ما سوف يقرأونه ويؤدون الامتحان فيه. والسبب الثانى حيوية محاضراته، إذ كان يدلى بآراء تختلف عما نعتقده ونؤمن به، ويقول ذلك بذرابة لسان لم أُلْفِها لدى غيره، ضاربا أمثلة ضاحكة أحيانا ودون أن يبدو عليه أنه يمزح. ومن ذلك أنه كان يتكلم ذات مرة عن الجدل عند هيجل وماركس، فقال: أما الجدل عندنا فمثل “أنا والعذاب وهواك”. قالها جادا وبسرعة دون أن يتوقف إزاءها. لكل هذا كنا نحب حضور محاضراته. وهذه شهادة حق أدلى بها رغم اختلافى الحاد بل الجذرى مع سيادته لا حين كنت طالبا لديه بل فى الكتاب الحالى أيضا. فهذه نقرة، وتلك نقرة أخرى. ومن يومذاك وأنا كلما وردت سيرة الأستاذ الدكتور أمامى أو على لسانى سارعت فقلت هذا الذى أثبتُّه هنا، فذلك حقه.
والتفسير الذى بين أيدينا للأستاذ الدكتور اسمه “التفسير الموضوعى للقرآن الكريم”، وصدر فى القاهرة عام 2018م دون ذكر لأى دار نشر، ويقع فى نحو 1100صفحة من القطع الكبير، وكل صحفة مقسمة قسمين: العلوى كلام الأستاذ الدكتور، والتحتانى، وهو الهامش، يحتوى على الآيات القرآنية التى يتناولها سيادته بالتفسير فى النصف العلوى، وهى مكتوبة بخط أصغر من خط المتن.

ومن بين أشكال التفسير ومناهجه هناك لون لا يقف لدى كل كلمة أو لدى كل عبارة أو لدى كل آية أو حتى لدى كل مجموعة آيات داخل السورة كالذى رأيناه فى التفسير التجزيئى، بل يتناول القرآن حسب موضوعاته المختلفة، كموضوع الألوهية مثلا أو موضوع يوم القيامة أو موضوع القضاء والقدر أو موضوع الحساب الأخروى أو موضوع العلم أو موضوع الرِّدّة أو موضوع الجنس والحب أو موضوع الحدود…إلخ. ويسمَّى هذا: “التفسير الموضوعى”. وتكمن أهمية هذا الفرع من فروع التفسير فى أنه يخرج بنا من نطاق الجزئية، التى قد يكون من شأنها تغييم نظرتنا إلى القرآن الكريم فلا نتنبه إلى رؤيته العامة فى القضايا المختلفة، إلى نطاق الكلية التى تعين على الرؤية الشاملة المحيطة بكل جوانب الموضوع، وهى بكل يقينٍ رؤية أفضل وأوضح وأعمق. ومثالا على ذلك أشير إلى انقسام المتكلمين بشأن قضية الجبر والاختيار: فمنهم من جَبَّر، ومنهم من خَيَّر. والسبب هو اقتصار كل فريق على طائفة من الآيات القرآنية التى توافق نظرته. ولو أن كلا من الفريقين حشد الآيات جميعها التى تتعرض لتلك القضية ووضعها تحت عينيه وأمعن فيها النظر لكان أحجى أن يصيب وجه الحق. وليس معنى هذا أن التفسير الجزئى قليل الشأن، إذ الواقع أن التفسير الموضوعى لا يستطيع أن ينهض إلا إذا سبقه تفسير الآيات تفسيرا جزئيا، فهما إذن متكاملان لا متعارضان.
لا ينبغى أن يغيب عن بالنا لون من المؤلفات له أقوى الاتصال بالتفسير الذى نحن بصدده، ألا وهو المعاجم الموضوعية الخاصة بالقرآن الكريم، ومنها على التمثيل معجم المستشرق جون لابوم: “تفصيل آيات القرآن الكريم”، و”الترتيب والبيان عن تفصيل آى القرآن” لمحمد زكى صالح (الذى لم يكتف بهذا، بل أضاف إلى كثير من النصوص القرآنية التى يوردها فى أى موضوع من الموضوعات معانى المفردات التى يرى أنها بحاجة إلى شرح، جامعا بين الحسنيين، ومازجا الطريقتين: طريقة الكتب الخاصة بغريب القرآن، وطريقة الكتب التى تصنف الآيات حسب موضوعات القرآن)، و”تبويب آى القرآن من الناحية الموضوعية” للدكتور أحمد إبراهيم مهنا، و”الجامع لمواضيع آيات القرآن الكريم” لمحمد فارس بركات، و”دليل الباحثين فى الموضوعات القرآنية” لمحمد محمود، و”المعجم الموضوعى لآيات القرآن الكريم” لصبحى عبد الرءوف عصر، و”الفهرس الموضوعى لآيات القرآن الكريم” لمحمد مصطفى محمد، و”المعجم المفهرس لمعانى القرآن العزيز” لمحمد بسام ورشدى الزين. وهذه المعاجم من شأنها تسهيل عملية التفسير الموضوعى للقرآن المجيد لأنها توفر للمفسر آيات كل موضوع فى مكان واحد، فتغنيه عن البحث عن تلك الآيات. وأخيرا ننهى هذه الفقرة بإيراد بعض رؤوس الموضوعات التى ذكرها محمد زكى صالح فى كتابه: “الترتيب والبيان”، وهى “التوحيد، أسماء الله الحسنى، مفاتيح الغيب، القضاء والقدر، غرائز النفس، محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، الهجرة من مكة إلى المدينة فى أول الإسلام، الوحى، الدين السماوى واحد، باب التوبة، باب الخمر والميسر، باب المعاينة والمراهنة، باب الحدود والقصاص، باب الأيمان وكفارتها…” إلى عشرات أخرى مماثلة من تلك العناوين.
وكتاب “التفسير الموضوعى للقرآن الكريم” للدكتور حسن حنفى يتجاوز الألف صفحة بخمسين، ويتكون من ثمانية أبواب: الأول “نشأة الوعى”، والثانى “الوعى الذاتى”، والثالث “العواطف والانفعالات”، والرابع “الخيال والوعى الخلقى”، والخامس “المقاصد والأفعال”، والسادس “الأنا والآخر”، والسابع “الوعى والطبيعة”، والثامن “الوعى والتاريخ”، ثم خاتمة بملاحظات على الكتاب فنيا ومضمونيا سماها: “محاولة فى النقد الذاتى”. وكما نرى فإن الأستاذ الدكتور لا يجمع آيات القرآن حسب الموضوعات التى يتناولها الكتاب الكريم بل حسب مصطلحات ومفاهيم فى ذهنه هو، مع ترتيب الألفاظ المتعلقة بهذه المفاهيم ترتيبا يذكرنا إلى حد ما بالترتيب الذى يسير عليه معجما “المخصص” لابن سيده، و”الإفصاح فى فقه اللغة” لعبد الفتاح الصعيدى وحسين يوسف موسى وأشباههما من المعاجم الخاصة بالموضوعات العامة، وإن كانت مصطلحات الأستاذ الدكتور تتسم بالغرابة والتكلف والغموض فى غير قليل من الأحيان.

وهذا هو الفصل الأول: “الحمل والرضاع والفطام” من الباب الأول: “فى خلق الإنسان” من معجم “الإفصاح فى فقه اللغة” أسوقه للمقارنة كى يتضح للقارئ ما أقول عن الترتيب الذى اتبعه د. حسن حنفى فى كتابه الموجود بين أيدينا: “الباب الأول فى خلق الإنسان: الحمل والرضاع والفطام. الحمل وتدرجه. إسقاط الحمل. الولادة وحالاتها. التوليد. صوت المولود. خلقة المولود. النفاس. أسماء ما يخرج مع الولد. وصف المرأة من قبل مدة حملها. وصف المرأة من قبل أولادها. الأولاد نصفهم ذكور. المرأة لا تحمل. المرأة مات ولدها. الموتم والأرملة. اليتيم ونحوه. أسماء ولد الرجل فى الشباب والكبر. أول أولاد الرجل وآخرهم. التوءم والترب. الرضاع. الفطام. تغذية الولد. الحضانة والتربية. الولد السيء الغذاء. ظهور الأسنان. سقوط أسنان الصبى. أسماء الأولاد فى الصغر. المراهق والمدرك ونحوهما. الشباب ونحوه. مظاهر الشباب. الكهل ونحوه. المسن ونحوه. الهرم ونحوه. طرفة. أثر الهرم فى الإنسان. البنت باعتبار سنها. الشابة ونحوها. أوصاف الجارية من قبل ثدييها. أوصاف ثدى الجارية. النصف ونحوها. الشيخة والعجوز ونحوهما. الحيض. الطهر. المرأة التى لا تحيض. جسم الإنسان. الجسم والبدن. الرأس. جلدة الرأس. عظام الرأس. الدماغ. صفات الرأس. صفات الإنسان من قبل رأسه. الشعر فى الرأس والجسد. نبات الشعر. أسماء شعر الرأس. خصل الشعر وضفائره. شعر الوجه. الشعر فى الأذن والأنف. الشعر الكثير. الشعر السبط. الشعر الجعد. قلة الشعر. بقايا الشعر. تشعث الشعر وتلبده. قص الشعر وحلقه. آلات القص والحلق. سقوط الشعر. الصلع ونحوه. الرجل الكثير الشعر. الرجل الخفيف الشعر. الرجل الأجرد ونحوه. الشيب وحالاته”.

ويتضمن كل باب من تفسير د. حسن حنفى عدة فصول: فالباب الأول مثلا يتضمن فصلين هما “الجسم” و”الإدراك الحسى”، وفى الفصل الأول يتناول الأستاذ الدكتور “الجسم، والنطفة والعلقة والعظم واللحم والدم والجلد، والرأس والشعر والذقن واللحية، والوجه والفاه (يقصد “الفم”!) واللسان والحلقوم والعنق، والذراع واليد والإصبع، والظهر والصدر والبطن والأمعاء والأرحام، والدبر والفرج، والرجل والساق والقدم، والذكر والأنثى والرجل والمرأة، والطعام والشراب والجوع والمرض. أما فى الفصل الثانى فيتناول سيادته الإدراك والحس، والسمع والبصر، والنظر، والرؤية، والذوق واللمس والشم، والقلب والفؤاد واللب”… وهكذا.
وهو فى كل لفظ من هذه الألفاظ يقوم فى الهامش بنسخ الآيات القرآنية التى تذكره، بينما يخصص المتن لِكَرّ رؤوس الأقلام التى تتصل بهذه الألفاظ الموجودة فيما أورده بالهامش من آيات كريمة، قافزا بسرعة كبيرة فوقها منتقلا من آية إلى آية دون تنظيم، فتراه ينتقل من نقطة فقهية إلى حادث تاريخى إلى مبدإ خلقى دون أن يكون هناك رابط بين هذه النقاط سوى أن الآيات المرتبطة بها تتضمن نفس الكلمة أو أحد اشتقاقاتها بل دون أن يوضح للقارئ أنه ينتقل من نقطة إلى أخرى أو ينص على موضوع الكلام أو الأشخاص الذين يدور هذا الكلام عنهم، وبالتالى فهناك عتمة تغطى على كثير جدا مما يقول. ولولا أننى أعرف القرآن وأنظر فى الآيات المثبتة فى الهامش ما فهمت كثيرا مما يقول. ولذلك فهو فى كثير من رؤوس الأقلام هذه غامض وغير مبين وكأنه يغمغم لنفسه ولا يكتب لقراء يريدون أن يسمعوا ويفهموا، علاوة على ركاكة لغته على نحو منفر، ومعاظلة فى تركيب الكلام وأخطاء لا تليق فى الإملاء والنحو والصرف والمعجم. فمثلا تحت لفظ “البحر والبحار” يورد “البَحِيرة” قائلا إن البحر قد ورد فيها بصيغة المؤنت، وكأن البحر ينقسم كما ينقسم البشر والحيوانات إلى ذكر وأنثى، وأن “البَحِيرة” هى “البُحَيْرة”، وهذا إن كانت البُحَيْرَة صيغة تأنيثية للبحر!
ومن هنا فإن تسمية الكتاب بأنه “تفسير موضوعى للقرآن” فيه تجن هائل وتجاوز شديد، فالكتاب ليس سوى خواطر رجراجة غير منضبطة وغير محكمة وغير موثقة يسجلها الأستاذ الدكتور كما تخطر له. والتسمية التى تصدق على الكتاب هى “خطرات طائرة وعابرة حول المجموعات الاشتقاقية لألفاظ القرآن الكريم”. كما أنه فى تعريفاته للألفاظ التى يتناولها كثيرا ما يأتى بالعجب العجاب. وسبب ذلك أن الأستاذ الدكتور لا يرجع إلى كتب التفسير أو المعاجم أو التاريخ أو الفقه أو علم الكلام بل يمتح من ذهنه مباشرة اعتمادا على الخواطر التى تنبثق فيه أثناء الكتابة غير مبال بارتكاب الأخطاء الفادحة.
وينكر الأستاذ الدكتور أن يكون تفسيره هذا “تفسيرا لغويا للقرآن الكريم كالتفسيرات السابقة مثل الزجاج فى إعراب القرآن” (ص1040)، وهذه عبارته نصا. فهل كتاب الزجاج فى إعراب القرآن هو كتاب فى التفسير؟ إنه كتاب فى إعراب الكتاب الكريم لا فى شرحه. ثم هل ضاقت على الأستاذ الدكتور الدنيا فلم يستطع أن يتذكر شيئا من كتب التفسير على كثرتها الهائلة، ولم يجد أمامه إلا كتاب الزجاج، وهو كما قلنا كتاب فى إعراب القرآن؟ كما أنه عند إيراده كل لفظ يفسره تفسيرا لغويا على عكس ما يقول هنا، وإن كانت شروحه اللغوية تتسم فى كثير من الأحيان بعدم الدقة بل بالخطإ الصراح. ولقد بينا أن الأستاذ الدكتور لا يرجع إلى كتب التفسير حين يفسر القرآن بل يمتح من دماغه مباشرة دون تحقيق ولا تدقيق معتمدا فقط على “المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم”، فعانى كتابه فى أحيان كثيرة جدا جدا جدا من اضطراب الفكرة وغموض التعبير والتناقض واللامنطق.

ومع ذلك فإن الأستاذ الدكتور قد يخرج عن خط التفسير الذى اختطه لنفسه فيلمس بعض القضايا التاريخية أو السياسية أو الاجتماعية أو الإنسانية التى تهم العرب والمسلمين، وبخاصة فى العصر الحديث، لمسات خاطفة مدليا برأيه فيها إدلاء سريعا فى جملة أو جملتين ثم يعود إلى خطه كرة أخرى كأن شيئا لم يكن. ومن ذلك قوله مثلا (ص37) أثناء كلامه عن حرمة سفك الدم فى القرآن: “وقد أخذ الله مثالُ المثل مع الإنسان ألا يسفك الدم، أى القتل والاغتيال، كما فعلت حروب العدوان على الشعوب أو الإخراج من الديار، أى التهجير القسرى وإخراج الشعوب من أراضيها وإحلال أخرى محلها كما فعلت الصهيونية بشعب فلسطين”. ولدن حديثه عن شهوات الدنيا، ومنها النساء، نجده يقول: “والنساء مع البنين من شهوات الدنيا، لذلك كثرت حفلات ملكات الجمال وممثلات الإغراء وجعلهن هدفا فى حياة البعض” (ص59). وفى التعليق على قوله تعالى: “أولم يروا أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها؟” يقول: “وتنهار الأمم عندما تتآكل من الأطراف كما حدث للدولة العثمانية عندما سقطت فى الحرب العالمية الأولى ووزعت أطرافها على الدول الاستعمارية الجديدة. وما زالت الأطراف تتآكل فى معظم الدول العربية فى حين تتزايد أطراف إسرائيل ويقوى القلب” (ص91). وفى كلامه عن الزمان وأنواعه من زمان مكانى وزمان جغرافى وزمان وجودى وغير ذلك مما لا أحقق الفرق بينها يقول سيادته: “والزمان المكانى هو الذى تقع فيه الأحداث الكبرى كيوم حنين أو 6 أكتوبر 1973 أو 25 يناير 2011… والزمان المكانى هو ما يشعر به الإنسان تجاه الحوادث الكبرى مثل ما وقع فى مكة أو فى المدينة أو ما يقع الآن فى دمشق والقاهرة وبغداد وطرابلس ومقديشيو والسودان. والزمان التاريخى يتجلى فى الذكريات: ثورة عرابى 1882 وثورة 1919 وثورة الضباط الأحرار 1952” (ص257). ومثل ذلك قوله بصدد الحديث عن الخصام وعيوبه: “وهو لا ينقذ بل يضيع كما فعل المسيحيون الشرقيون فى بيزنطة عندما كانوا يتناقشون فى القسطنطينية حول طبيعة المسيح: إلهية أم إنسانية؟ ومحمد الفاتح يحاصر ويدك أسوارها حتى استولى عليها، وكما تخاصم ملوك الأندلس فى الجنوب، ونصارى الشمال يستردون أسبانيا من الشمال” (ص540). ولدن حديثه عن مبدإ الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر فى الإسلام يقول: “والأمة خير أمة أخرجت للناس بشرط الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فهو حكم مشروط وليس بلا شرط كما يشعر الناس الآن وهم يدافعون عن المنكر وينهون عن المعروف. وهى أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ولا تضع الذين يفعلون ذلك فى السجون ويبررون المنكر ويدافعون عنه” (ص744). ولدى كلامه عن العدوان والعداء بين البشر يستطرد قائلا: “وهناك طوائف يعادى بعضها بعضا إلى يوم القيامة مثل اليهود والنصارى على غير ما يبدو الآن من اليهود الغربيين والأمريكيين ومحبتهم لإسرائيل تكفيرا عن ذنوبهم أنثاء النازية فيما يسمى بـ”الهولوكوست” وسوء تقدير سياسات العرب فى فلسطين” (ص789). وخلال حديثه عن القتال وموجباته يقول إن “القتال ضد الإخراج من الديار واجب، وبالتالى الإخراج من الأوطان مثل شعب فلسطين” (ص829). وعند كلامه عن البئر استطرد يقول: “وهو الجب الذى ألقى فيه إخوة يوسف أخاهم مما يدل على غياهب السجون والمعتقلات الكثيرة فى الوطن العربى والتى هى ضد روح القرآن” (ص852). وعلى نفس الشاكلة نراه أثناء حديثه عن الناقة يقول: “وهى الآن علامة البدوى وحياة الصحراء لا يأكل لحمها إلا الفقراء لكثافته ورخصه. واشتركت فى موقعة الجمل فى ثورة يناير 2011 مع الثورة المضادة. وهى فى هذه الحالة ليست ناقة الله بل ناقة الاستبداد التى توقع بالثوار على الأرض” (ص860). ولدن كلامه عن النبوات والأنبياء يقول: “والواقع أنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير مثل الصين والهند وفارس ومصر القديمة واليونان. وربما كان كونفوشيوس وبوذا وإخناتون وسقراط أنبياء” (ص946). ولدى تناوله زعم اليهود والنصارى أنهم أبناء الله وأحباؤه ينتقل إلى عصرنا قائلا: “وهو ما يعرف باسم “العنصرية” أو “المركزية الأوربية” التى تعتمد على اليهود والنصارى. ومنها خرجت الفاشية والنازية والإحساس بالتفوق على الآخرين. وهى عقدة العظمة الأوربية، وكأن الوعى الأوربى الحديث فى القرون الستة الأخيرة هى كل تاريخ الإنسانية” (ص986).

وفى كتاب الأستاذ الدكتور تقابلنا مصطلحات غير مفهومة وعبارات غامضة تفتقر إلى الوضوح والتحديد، ونلاحظ قفز المؤلف قفزا سريعا من نقطة إلى أخرى دون رابط سوى أن كلتيهما تحتوى على نفس الكلمة أو كلمة من نفس الاشتقاق مع عدم الاهتمام بتصنيف تلك النقاط أو تنسيقها بحيث يكون الانتقال من نقطة إلى أخرى انتقالا منطقيا أو مفهوما. وهناك أيضا الأسلوب المتهافت الركيك فى الغالب وكأن صاحبه شخص أعجمى. كذلك نرى حرص الأستاذ الدكتور على الإحصاءات التى لا جدوى منها، فهو لا يستخلص منها شيئا ذا قيمة بل تأتى فقط لمجرد إشعار القارئ أن ها هنا جهدا مبذولا فى تتبع الألفاظ، ولكن دون أية دلالة.

وتعريف الألفاظ أو شرحها مهوش ومفكك: خذ مثلا “الصِّلِىّ” (يكتبها: “الصْلّى” مما لا يمت للعربية بصلة). فهل هى الحرق والتعذيب كما يقول مرة؟ أم هل هى الاحتراق كما يقول مرة أخرى؟ إن هذا غير ذاك، فحسب الشرح الأول تكون الكلمة مصدر فعل متعد، بينما حسب الشرح الثانى تكون مصدر فعل لازم كما هو واضح. ثم هل الاحتراق إحساس؟ إنه يتولد عنه إحساس، لكنه هو ليس إحساسا بل حدثا. وانظر كيف يصوغ الأستاذ الدكتور الكلام صوغا ركيكا فيقول: “فالحريق عذاب إلهى للمكذبين للأنبياء، ثم القتل والغرق والخسف كما حدث لفرعون”. وما معنى “ثم” هنا؟ وهل هناك اتساق بين الحريق والغرق والخسف؟ إن الحريق فى الآخرة، أما الغرق والخسف ففى الدنيا. كذلك ما معنى القتل فى الكلام؟ وهل الويل إنذار وتحذير من الألم والعذاب؟ إنه دعاء أو تهديد لكنه ليس تحذيرا. ثم عندنا كَرُّ النقاط التى تتضمنها الآيات الكريمة دون أى نظام بل مجرد كَرٍّ وكأن أحدا يجرى وراء من يَكُرّ. ومن هنا لم تكن هناك فرصة لشرح أو توضيح اللهم إلا فى النادر، ولسوف يرى القارئ فى موضوع آخر من الكتاب أن هذا الشرح لم يكن موفقا فى كثير جدا من الأحيان
ورغم أن الكتاب الحالى هو فى تفسير القرآن الكريم، والقرآن عند المسلمين كتاب سماوى أوحى به الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فإن الأستاذ الدكتور كلما واتته الفرصة هاجم عقيدة الألوهية والبعث، وجعل همه صرف القارئ عن الإيمان بالقرآن والله ونبيه واليوم الآخر. وهذا يفسر عناوين بعض كتبه مثل “من النقل إلى العقل” و”من العقيدة إلى الثورة”. فالقرآن نقل، وهو يرفض النقل ولا يعتد إلا بالعقل، وكأن القرآن يقف ضد العقل ويرفضه رفضا مبينا وليس فيه سوى الخيالات والخرافات. والغريب أن العقل فيما خطه الأستاذ الدكتور فى كتابه الذى بين أيدينا غائب على نحو مخيف. أى أن تفسير القرآن فى كتاب الأستاذ الدكتور هو لنفى ألوهية القرآن وما يحتويه هذا القرآن، ومحاولة جاهدة للزعم بأن كل شىء فى كتاب الله من قصص ووصف لليوم الآخر والجنة والنار خيالات وانعكاس لرغبات البشر ومخاوفهم، فلا إله ولا نبوة ولا وحى ولا جنة ولا نار. ومع ذلك يكتب الأستاذ الدكتور تفسيرا كاملا ومطولا للقرآن، فضلا عن أن القارئ لا يخرج منه بشىء نافع إذ هو ليس أكثر من خطرات تلم ببال الأستاذ الدكتور تفتقر إلى العلم والتحقيق، وكتبت بأسلوب ركيك غامض فى كثير من الحالات، ولا يزيد كلامه فيه عن كر رؤوس الأقلام التى تحتويها الآيات المثبتة فى الهوامش كما وضحنا.
نعم إن قارئ تفسير الأستاذ الدكتور للأسف يفاجأ بأن صاحبه يلغى تماما فكرة الألوهية، فهو يقول مثلا (ص1025): “والله هو مجموع دورات التاريخ، تراكم الحضارات وثقافات الشعوب، والوعى التاريخى الذى يولد الوعى الذاتى” مستشهدا على ذلك بقوله جل شأنه: “ولله ميراث السماوات والأرض، والله بما تعملون خبير”، وهو كلام غريب، إذ ما معنى أن الله هو مجموع دورات التاريخ…؟ والجواب: معناه أنه سبحانه غير موجود، وأن الوجود للتاريخ فحسب. ولكن هل الآية الكريمة تدل ولو بلىّ الرقاب وكسر العظام على هذا الذى يقول؟ إن الأستاذ الدكتور يُقَوِّل الآية القرآنية ما لا يمكن أن تقوله، وإلا لهَدَمَتِ القرآنَ بل الإسلامَ كله.
ويشبهه ما قاله (ص1047) عن تأثير كتبه فى مشروع “التراث والتجديد” على الجماهير التى خرجت ثائرة فى عام 2011م ضد الظروف السياسية والمعيشية السائدة آنذاك وكيف أنها أعطتهم الشجاعة الأدبية على الاعتراض والثورة ضد الوضع القائم. “فالله هو الثورة تدفع المؤمنين به إلى التحرك، والله هو الأرض تدفع المحتل إلى الدفاع عن أرضه، والله هو العدالة الاجتماعية تدفع الفقراء إلى الثورة على الأغنياء، والله هو الحرية تدفع مغلول اليدين إلى كسر القيود، والله هو الذات تدفع الإنسان إلى الدفاع عن ذاته ضد الانحراف والاستغراب، والله هو ثورة الجماهير تدفع الناس إلى التحرك إلى الميادين بعد الخروج من المساجد”.

والمعنى واضح لا يحتاج إلى شرح أو بيان. فالله لا وجود له حقيقى، بل هو الشعارات التى يرفعها الناس بل هو ذات كل واحد منا، ولا وجود له سبحانه خارج نفس الإنسان وتطلعاته وأوهامه. وبطبيعة الحال سوف يقوم على الناحية الأخرى فى هذه الحالة من يقول إن الله هو التصدى لثورة الجماهير، وهو قمع شوق الناس إلى الفوضى التى يسمونها: حرية، وهو سحق شعوب العالم الثالث التى تتطلع إلى الانعتاق من عبودية القوى الكبرى واستغلالها لها، وهو رَكْل كلّ من تسول له نفسُه الأمارةُ بالسوء التفكيرَ فى تساوى الفقراء والأغنياء داخل المجتمع، وهو تحسين الجهل وفراغ العقل والنفور من الكتاب لدى مئات الملايين من أبناء العالم العربى والإسلامى كى يظلوا مطايا تُرْكَب ولا تعترض ولا تفكر فى رقى ولا كرامة. باختصار: كتاب الأستاذ الدكتور يحيل الله إلى الاستيداع.
بل لقد قال سيادته هذا صراحة فيما سماه: “محاولة فى النقد الذاتى” على النحو التالى: “وقد يتساءل أحد المشايخ: أين الله فى تفسيرك؟ والإجابة أن لفظ “الله” قد تم تحليله فى كتاب “من العقيدة إلى الثورة” فى باب التوحيد تحليلا للذات والصفات والأفعال، فهو أدخل فى علم أصول الدين المركز عند الفقهاء على الله نظرا لظروف العصر من تجسيم وتشبيه وتنزيه. وقد كان الإيمان حضور قوة للعرب المنتشرين من الجزيرة العربية إلى الأندلس غربا والصين شرقا، وإفريقيا جنوبا، وتركيا وقبرص شمالا، وبيان أن الذات هى الذات الإنسانية بصفاتها وأفعالها وأسماؤها. وهى فى الإنسان بالحقيقة، وفى الله بالمجاز كما قال ابن الأيادى فى التفسير القديم المذكور فى “مقالات الإسلاميين واختلاف العقليين” للأشعرى. ومن ناحية أخرى تم تحليل لفظ “الحق” كواقع وشهادة وصدق وتاريخ. فماذا يعنى الحق إذن؟ “فأينما تولوا فثم وجه الله”. فالله فى كل شىء كما يقول الصوفية، واتهامهم بوحدة الوجود. وأخيرا التفسير الحديث المركز حول الإنسان غير التفسير القديم المركز على الله. وكلاهما استجابة لمطالب العصر. بل إن لفظ “الله” نادرا ما يستعمل إلاحين الضرورة وعدم وجود لفظ غيره تجنبا للتمركز حوله. و”الله” لا يمكن معرفته إلا عن طريق الخبر والرواية، أى النص. والنص له حدوده المعرفية بحدود اللغة، وأولها التشابه” (ص1041- 1042).
ومرة أخرى فإن المحصلة النهائية من هذا الكلام واضحة. فالله لا وجود له، إذ هو مجرد لفظ، وهذا اللفظ قد تم تحليله وانتهى إلى لاشىء. كذلك فالحق هو أى شىء يقوله أى أحد. وننظر فى أخطاء اللغة والتعبير والتفكير فى هذا النص فنجد العجب: فمن ذلك قوله إن بحث مسائل التوحيد، ومنها الذات والصفات والأفعال، هو عمل الفقهاء، فى حين كلنا يعلم أن عمل الفقهاء هو البحث فى الواجب والفرض والمندوب والحلال والحرام، وموضوعهم هو التشريع من طهارة وعبادة وبيع وشراء وقرض وربا وزواج وطلاق وخلع وإجارة وحلف وجهاد ونحو ذلك، أما مسائل العقيدة فتقع فى نطاق اختصاص المتكلمين أو علماء التوحيد. واسم كتاب الأشعرى هو “مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين” وليس “مقالات الإسلاميين واختلاف العقليين”.
أما دعواه بأن لفظ “الله” لا يستعمل إلا حين الضرورة القصوى فكلام مضحك لا أظنه كان جادا حين كتبه. فالبشر كلهم يذكرون الله حتى إنك لو سألت أى ملحد قرارى كافر بالله وبرسله وكتبه واليوم الآخر عن أحواله لأتاك جوابه فى التو واللحظة: الحمد لله! وكتاب الأستاذ الدكتور الذى فى يدى الآن والذى سبب لى صداعا لما فيه من عسر والتواء لغوى ومعاظلة فكرية وتناقض عقلى وأخطاء فادحة فى تفسير النصوص واعتماد حصرى على ما يرد على ذهنه من خواطر سريعة، كتابه هذا يشهد بخطإ ما يقول، فهو يفيض بذكر اسم الله فيضانا رغم أن مؤلفه، كما شاهدنا، يرى أنه لا وجود له إلا فيما يسكن أدمغتنا من خيالات وأوهام.
وأما إشارته لابن الإيادى (نسبة إلى “إياد” وليس “ابن الأيادى” جمع “أيدٍ” التى هى جمع “يد”) فتدليس وتضليل: ذلك أن سيادته ينكر الذات الإلهية بصفاتها وأفعالها وأسمائها (وليس “وأسماؤها” كما كتبها هو) تماما، أما ابن الإيادى فهو يقول بمجازية الصفات فحسب. ومقصوده، فيما هو واضح، هو أن الله عليم وسميع وبصير وقادر وقوى ورحيم لا بصفات زائدة على ذاته بل بذاته فحسب. وهو اتجاه يتشدد فى إثبات التوحيد لله، وإن ظن كثير من المسلمين أنه ينكر صفات الله، وهو فى الحقيقة لا ينكرها بل يرى أن الذات الإلهية هى كل شىء ولا تحتاج إلى صفات تتعلق بها إذ صفاتها هى نفسها وهى هى صفاتها. وهذا كل ما هنالك. وكان المعتزلة يقولون بهذا، وتابعهم ابن الإيادى على هذا القول. وهذا يشبه من يتأول اليد والوجه والعرش والكرسى حين تضاف إلى الله سبحانه. فهؤلاء المتأولون لا ينكرون صفات الله بل يرون أنها تعبير مجازى: فاليد مثلا ترمز إلى القدرة، والعرش إلى السلطان… ويقول محرر مادة “المعتزلة” من “الموسوعة العربية العالمية”: “كان المعتزلة ينفون صفات الله تعالى معتقدين أن إثباتها يؤدى إلى تعدد القدماء، وذلك شِرْك. ومن أجل إثبات وحدانية الله تعالى وتنزيهه عن الشريك وتعدد القدماءفإنهم عطلوا صفات الله جل وعلا”.

والعجيب أن الأستاذ الدكتور لم يجد إلا ابن الإيادى (الذى جعله “ابن الأيادى”) يسير على خطاه، وهو رجل نكرة حتى لقد سماه الأشعرى: “بعض أهل زماننا، وهو رجل يعرف بابن الإيادي”، ولم يقل لنا ما اسمه الأول مثلا ولا ساق لنا نسبه ولا بلده. بل إن محمد محيى الدين عبد الحميد، وهو لا يترك شيئا فى الكتب التى ينشرها إلا ويعلق عليه إن كان فكرة، أو يترجم له إن كان شخصا، لم يقترب من الرجل فى نشرته لكتاب الأشعرى ولو بشطر كلمة مما يدل على أنه مجهول لا يعرفه أحد. ومن قبله كان كل ما قاله المستشرق ريتر محقق الكتاب الأول فى ترجمته له بفهرس الأعلام هو “يتبين من قول المصنف أنه كان معاصرا له”، ودمتم. ورغم ذلك كله يستشهد به الأستاذ الدكتور وكأنه يستشهد بعبقرى عصره صاحب الكلمة الفصل.
لكن الأمر لا ينتهى هنا، إذ إن الأستاذ الدكتور قد استغل الدين فى استنباط الثورة منه حين جعل الله هو “الثورة تدفع المؤمنين به إلى التحرك، والله هو الأرض تدفع المحتل إلى الدفاع عن أرضه، والله هو العدالة الاجتماعية تدفع الفقراء إلى الثورة على الأغنياء، والله هو الحرية تدفع مغلول اليدين إلى كسر القيود، والله هو الذات تدفع الإنسان إلى الدفاع عن ذاته ضد الانحراف والاستغراب، والله هو ثورة الجماهير تدفع الناس إلى التحرك إلى الميادين بعد الخروج من المساجد”. ومعنى هذا أنه قد استعان بسُلَّم الدين فى الوصول إلى الطابق التالى ثم يريد الآن تحطيم السلم وإلغاءه بعد انتهاء استغلاله للدين ووصوله إلى ما يبتغى. وإذن فلجوؤه إلى الدين هو عمل براجماتى يقوم على الخداع ومحاولة استغفال المؤمنين. كما أن موقفه هذا من الدين يلغى كل ما كتبه فى تفسيره إذ لا يعقل أن ينفق شخص كل هذا الوقت والورق والطباعة فى كتابة تفسير القرآن يقع فيما يزيد على ألف صفحة كى يأتى فى النهاية ويلغى كل ما عمله فى هذا السبيل بالتشكيك فى القرآن وأنه لا يصلح لأى شىء لأنه قائم على الخرافات والخيالات والأوهام والمخاوف، وكل ما فيه غير صادق ولا قيمة له. ثم هل يمكن أن يثق أحد بالقرآن فيستلهمه الثورة على الاستبداد والطغيان، أو الكفاح من أجل العدل والمساواة، أو التحرك الملتهب طلبا للعلم، أو النشاط المتوثب سعيا وراء الرزق بعدما رأى بأم عينيه أن القرآن ما هو إلا طائفة من الخرافات والخيالات اخترعها محمد اختراعا، ومحمد رجل بدوى ينتمى إلى مجتمع متخلف، فمن الطبيعى جدا أن يكون القرآن الذى ألفه مضطربا لا يوحى بشىء جازم ولا حاسم ولا راق؟ ترى كيف يمكن أن يكون ذلك؟ أما أنا فأرى أن الأستاذ الدكتور دخل الحلبة وفى نيته منذ البداية تسديد طعنات قاتلة إلى القرآن والتخلص منه، وفى سبيل ذلك لا مانع من قول كلمة هنا أو عبارة هناك تعمية على الغاية المقصودة مع أن الغايات واضحة لكل من له عينان.
سيقول الأستاذ الدكتور: لقد اخترتُ الجانب المضىء من القرآن وتركت الجانب المظلم، فعنده أن القرآن ذو وجهين كما يردد دائما، أى يدل على الشىء ونقيضه وليس له قوام ثابت ولا جوهر متماسك، لكنه بكلامه عن أن الله غير موجود وأن اليوم الاخر مجرد وهم جميل وأن قصص الأنبياء خيالات لا حقيقة لها قد أفسد دعواه هذه. فإذا أضفنا إلى هذا رداءة مستوى تفسيره وتناقضه وقبح لغته وغموض عباراته فى كثير من الأحيان فمعنى ذلك أن كل ما وضعه فى هذا السبيل هو كلام متهافت لا يصمد على محك النقد والعلم أبدا. فهل القرآن يقبل التفسير ونقيضه كما يزعم الأستاذ الدكتور؟
وردا على زَعْم الأستاذ الدكتور أن القرآن يقول الشىء ونقيضه نؤكد أن هناك دائما، لدن شرح أى نص، عدة شروط ينبغى الانتباه إليها ومراعاتها، وإلا فشل الشرح وابتعد عن المعنى الصحيح ابتعادا قد يصل إلى حد التناقض الذى لا يمكن جبره. ومنها احترام السياق، إلى جانب الذكاء والمرونة العقلية والإخلاص بطبيعة الحال، فضلا عن المعرفة الواسعة والعميقة بالموضوع المراد شرحه. والسياق فى موضوعنا ليس ضربا واحدا بل ضروبا: السياق اللغوى، والسياق التاريخى، والسياق القرآنى، والسياق الحديثى. فلا يصح أبدا أن يهجم هاجم على القرآن الكريم وهو لا يعرف العربية، أو يعرف العربية المعاصرة بينما يجهل العربية القديمة التى كانت سائدة أيام نزول الوحى على سيدنا رسول الله…

وأيا ما يكن الأمر فهل القرآن وحده ينفرد بهذا الذى قاله د. حسن حنفى عن اختلاف الناس فى فهمه؟ أبدا، بل هذا يصدق على كل كتاب: سواء كان كتابا دينيا أو أى كتاب آخر. وعندنا مثلا، فى مجال الأدب والنقد، وهو مجال تخصصى الأكاديمى، ما قاله أرسطو حول “التطهير”، الذى تقوم به المسرحيات بالنسبة للمشاهدين. لقد اختلف النقاد ومؤرخو الآداب فى تفسير هذه الكلمة على مدى القرون. كما أخطأ المترجمون العرب القدماء فهم كلامه فى كتابه: “فن الشعر” عن المأساة والملهاة فى المسرح ظنا منهم أنه يعنى المديح والهجاء فى الشعر الغنائى، الذى لم يكن العرب يعرفون من الشعر غيره. وهو ما ترتب عليه أن كتب ابن رشد كلاما عجيبا غريبا ما أنزل الله به من سلطان فى ذلك الموضوع، وجعلتُه أنا محورا من محاور كتابى: “ابن رشد- نظرة مغايرة” حيث أوضحت التخبط الفاحش الذى تخبطه الفيلسوف القرطبى لعدم تأنيه أو إعماله مبدأ التشكك فيما لا يحسنه ولا يعرف عنه شيئا واندفاعه فى هوج وثقة فى غير موضعهما مرافئا أرسطو على كل ما قاله رغم أنه لا يعرف عَمَّ كان الفيلسوف الإغريقى يتحدث، فأتى بالعجب العجاب مما كان كفيلا بأن يتجنبه لو اعتصم بالتريث والتنبه إلى أنه يقدم على أمر ليس له فيه عير ولا نفير ولا أثارة من علم.

ثم هل فشل الإسلام فى إنشاء الحضارة وصنع التقدم حتى ينحيه د. حسن حنفى عن صنع الحياة والحضارة والتقدم؟ لو كان الأستاذ الدكتور جادا لطالب بتنقية الدين من الخرافات الغريبة عن الإسلام والاعتقادات البالية المناهضة لما يريده لأتباعه من تحضر، ولاستفز المسلمين ليرجعوا إلى النصوص القرآنية والحديثية التى تحض على العلم وتشغيل العقل والاعتماد على التجربة والبرهان والتحقق دائما مما يسمعونه أو يقرأونه وعدم ترديده كالببغاوات دون تحقيق وتدقيق. وقد كانت النتائج باهرة، فإن العرب البدو الأميين الذى لم يكن عندهم لا كتّاب ولا مدرسة فضلا عن جامعة قد صنعوا حضارة عظيمة تقوم أول ما تقوم على العلم، وصارت البلاد المفتوحة تجلس إليهم تتعلم عنهم لغتهم وأدبهم ودينهم وقرآنهم وأحاديثهم.
والآن ننتقل إلى أسلوب الأستاذ الدكتور ونسجل ملاحظاتنا عليه سواء فيما يتعلق بالالفاظ المفردة أو التراكيب أو المعجم أو صياغة الفكرة أو إحكام الكلام أو تعريف الألفاظ أو استخدام المصطلحات، بالإضافة إلى الإملاء. ونبدأ بالإملاء، فنلاحظ أن سيادته مثلا قد يضيف ألفا بعد جمع المذكر السالم المرفوع مثل “متلقوا الوحى” (ص167). وكثيرا ما يثبت همزة الوصل، ويحذف همزة القطع، مما يدل على أن الأمر لا يخضع عنده لقاعدة بل هى “بختك يا ابو بخيت”، إذ يترك قلمه يكتب ما يعنّ له. وفى ص244 يكتب “الدفء” هكذا: “الدفىء”. كما يكتب الفعل: “يمتلئ” هكذا: “يمتلأ” (ص326)، و”الوطأ والتوكُّؤ”: “الوطىء والتوكأ” (ص685)، و”التنشئة”: “التنشأة” (ص758)، والفعل: “اسْتُؤْمِن” على النحو التالى: “استأمن” (ص347). على أن المشكلة لا تقف هنا بل تمتد إلى اعتباره “الاستئمان” هو الشعور بالأمان. ذلك أنه يعدّ أهل القرى الذين يأمنون إتيان بأس الله على غفلة منهم “مستأمنين”، أى يشعرون بالأمان التام دون أى قلق أو خوف أو توجس. أى أن القرآن يقول: “أَمِنَ أهل القرى” (الأعراف/ 97- 98)، فيقول هو: “استأمن أهل القرى” مفسرا له بـ”الأمن الخادع” مع أن الاستئمان هو أن تعتبر الشخص أهلا للثقة بحيث يمكنك أن تضع عنده مالك أو متاعك دون خوف من الغدر أو الخيانة. وهذا شىء مختلف عن “الأمن” المذكور فى السورة، وهو الاطمئنان الذى يخامر المغفلين حين لا يعرفون ماذا ينتظرهم من المصائب فى علم الغيب. و”نشوز النساء” عند سيادته هو “نشوذ النساء” بالذال (ص361).

وفى النص التالى يدلى الأستاذ الدكتور بتصريحات فى الصرف، فيقول عن “القربى” و”الأقربين”: “و”القُرْبَى” أقرب إلى الفرد من “الأقربين”. فـ”القربى” جمع مثل “الأقربين” ولكنها فى صيغة مفرد فى حين أن “الأقربين” جمع فى صيغة جمع” (ص720). وتعليقى على ذلك أن “القربى” ليست جمعا لا فى صيغة المفرد ولا فى صيغة الجمع، ولا هى أقرب من “الأقربين”. إن “القربى” هى “القرابة” لا “الأقارب”، فهى مصدر، مثلها مثل “القرابَةوالقُرْبَةوالقُرْبوالـمَقْرَبةوالـمَقْرُبة”، وتدل على معنى من المعانى، أما “الأقارب” فتدل على أشخاص. ومن هنا كان “الأقرباء” هم “ذوى القربى”، و”الأقربون” هم ذوى القربى القريبة.

وكثيرا ما يحذف الأستاذ الدكتور نون الأفعال الخمسة دون ناصب أو جازم مثل “يستمع الجن إلى القرآن ويؤمنوا بهدايته” (ص169. والصواب “ويؤمنون بهدايته”). ومثله قوله (ص1016): “الأنبياء الذين لا ييأسوا”. أما فى المثال التالى: “وحين يروا أهل النار الجحيم كأنهم لم يلبثوا فى الدنيا إلا يوما وليلة” (ص98) فزاد على ذلك أنْ حذف النون المذكورة واتبع لغة “أكلونى البراغيث”، وهى لغة قديمة لم تعد تستعمل الآن إلا فى العامية كما فى “ظلمونى الناس” و”ضربوه المجرمين”… وهلم جرا. والصواب هو “وحين يرى أهل النار الجحيم…”. ومن الأمثلة على هذا أيضا قوله أثناء تعريف “الحق”: “يكتمونه المكذبين” (399). وقد أخطأ هنا خطأ آخر، وهو نصب الفاعل: “المكذبين”. وأما فى قوله: “حتى لا يحاجونهم” فقد أبقى على النون المذكورة رغم نصب الفعل، وكان ينبغى أن يقول: “حتى لا يحاجوها”. وقد وقع فى نفس الخطإ فى قوله: “لن يفهمونه” (ص189). ومن كلامه فى النحو قوله عن الذوق فى القرآن: “فقد ذكر اللفظ فعلا فى زمنين: الماضى والمضارع دون المستقبل، إذ لا يستطيع أحد الحكم عليه” (ص99). يريد أن يقول إن فعل الذوق لم يرد فى القرآن فى صيغة المستقبل لأن المستقبل لم يقع بعد، ومن ثم لا يستطاع الحكم على شىء يقع فيه. وهو تعليل عجيب، فنحن ليلا ونهارا نقول: “سيحدث أو سوف يحدث كذا وكذا” قبل أن يقع شىء من ذلك. وينطبق هذا على كل الأفعال لا على فعل الذوق وحده، وإلا فماذا تفعل السين وسوف وصيغة فعل الأمر فى اللغة العربية؟ بل قد يكون الفعل المستخدم للدلالة على المستقبل هو المضارع بدون السين أو سوف، بل كثيرا ما يكون فعلا ماضيا، بالإضافة إلى الصفات المشتقة. وفى القرآن الكريم عن العالم الآخر وما فيه من نعيم وعذاب، وهو أبعد مستقبل ممكن: “ونقول: ذوقوا عذاب الحريق” (آل عمران/ 181)، “هذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون” (التوبة/ 35)، “هذا، فليذوقوه، حميم وغساق” (ص/ 57)، “ومن يَظْلِمْ منكم نُذِقْه عذابا كبيرا” (الفرقان/ 19)، “فلَنُذِيقَنّ الذين كفروا عذابا شديدا” (فصلت/ 27)، “ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون” (يونس/ 70)، “ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق” (الحج/ 9)، “إنكم لذائقو العذاب الأليم” (الصافات/ 38)… والواقع أنْ لو كان الأستاذ الدكتور يمارس ضبطا على قلمه ما وقع فى مثل تلك الأخطاء العجيبة. وإذا عزم علىَّ مثلا صديق أن أذوق هذه الكنافة فإنى ببساطة أقول له: “حين أنتهى مما فى يدى سوف أذوق الكنافة”، أو أقول: “أذوقها بعد قليل إن شاء الله” بدون السين أو سوف، أو “أنا ذائقها لا محالة حين أعود من الخارج” مثلا مستعملا اسم الفاعل بدلا من الفعل للدلالة على المستقبل. ومن حذفه نون الأفعال الخمسة رغم رفع الفعل قوله (ص253): “فكل هؤلاء لهم عذاب شديد… ويُسْقَوا من ماء حميم”. والصواب هو “ويسقون”.
وهو كثيرا ما يفتح همزة “إن” بعد القول. وفى الصفحة الأربعين يضع عنوانا جانبيا هو “الوجه والفاه واللسان والحلقوم والعنق”. فأما الوجه واللسان والحلقوم والعنق فمفهومة، ولكن ما “الفاه”؟ لقد وجدها الأستاذ الدكتور فى قوله تعالى بسورة “الرعد” عن الرجل الذى يبسط كفيه إلى الماء لكى يقفز الماء إلى الأعلى ويبلغ فاه ويدخله ويروى عطشه، و”فاه” فى الآية (كما هو واضح) معناه “فمه”، لكن الدكتور خبطها كما عَنَّتْ لقلمه، إذ ظنها كلمة واحدة تعنى “الفم”، فقال: “الفاه”، رغم أنه من المستحيل أن تقبل اللغة العربية دخول “أل” على مضاف جامد. ترى هل يصح أن نقول: “الفَمُهُ” بمعنى”الفم” أو “الكتابُهُ” بمعنى”الكتاب” أو “المسطرتُهُ” بمعنى “المسطرة”؟ طبعا لا يصح أبدا. فكذلك لا يصح أبدا أن نقول: “الفاه”. ليس ذلك فقط بل إنه اختار الصيغة المنصوبة (فصيغ الكلمة رفعا ونصبا وجرا هى “فوه، فاه، فيه”)، وهى سقطة أخرى. وقد كررها سيادته عدة مرات أخرى فى الصفحة 42. بل إنه فى الصفحة 108 يقول: “الفِيه”: “ووسيلة التعبير عن القلب اللسان أو الفيه”، وهذه أضل سبيلا. فتأمل كيف وصلت معرفةُ الأستاذ الدكتور بلغته ومقدرتُه على استعمالها إلى هذا الدرك.

على أن الأستاذ الدكتور لم يكتف بذلك الخطإ المزعج بل أبى إلا أن يقوم أيضا بتفسير القرآن دون أن يكون قد أعد له أدواته ففسر بطريقة خاطئة تماما قوله تعالى: “كباسطِ كَفَّيْه إلى الماء ليبلغ فاه، وما هو ببالغِه”، وهى عبارة تشبّه دعاء المشركين يوم القيامة غير المجدى بمن يبسط فى الهواء كفيه نحو الماء ليبلغ الماء فاه فيشرب ويرتوى، ولكن ذلك مستحيل لأن الماء لا يقفز من البئر أو النهر إلى فمه ويدخل إلى بطنه بمجرد بسط الكف نحوه. هذا تفسير الآية، أما الأستاذ الدكتور فيقول إن “الفاه” لشرب الماء (يا له من اكتشاف!)، ويكون صورة فنية للذى يملأ كفه بالماء ليبلغ فاه فلا يبلغه إما لشرب (الصواب “لتسرّب”) الماء من بين الأصابع أو لعدم توازن اليد فيقع الماء منها (كرر الأستاذ الدكتور هذا الكلام ص851) أو لعدم رؤية الفم فيقع بجواره”، وكأن مريد الشرب الباسط كفيه نحو الماء طفل صغير لا يزال عاجزا عن الشرب وحده ولا يعرف طريق فمه، فهو يضع الماء فى أنفه أو فى أذنه أو فى عينه ظنا منه أنها الفم. ثم إن الفم ليس صورة فنية كما يقول الأستاذ الدكتور بل عنصرا واحدا فى الصورة ليس غير. وهذا كله من تسرع الدكتور وتصوره أنه يعرف كل شىء من لغة وبلاغة وتفسير وفلسفة وعلم نفس ومنطق واجتماع واقتصاد وسياسة… إلخ. على أية حال فالقرآن يقول إن الرجل يبسط كفيه نحو الماء متصورا أنه سوف يقفز إلى فمه فورا بمجرد مد كفيه إليه. وهذا، كما سبق القول، أمر مستحيل. أما د. حنفى فيظن أن الرجل قد نزل إلى الماء وملأ كفيه وصعد فتسرب الماء من بين أصابعه أو خر منه لعدم توازن كفيه… إلخ. لكن بالله لماذا لم يشرب الرجل ملء بطنه ماء حين نزل إلى البئر؟ لكن يبدو أنه رجل أبله. أستغفر الله رب العالمين.

وفى قوله: “والظن هو أحد درجات المعرفة” (ص124) يذكِّر الأستاذ الدكتور المؤنث، فـ”الدرجات” مؤثنة، (مفردها “درجة”)، وكان المفروض من ثم أن يقول: “والظن هو إحدى درجات المعرفة”. وفى النص التالى يقول سيادته عن “الخضوع”: هو الخنوع والاستلام (المقصود “الاستسلام”). وقد ورد اللفظ مجرد مرتين: مرة فعلا، ومرة اسم فعل. وكلاهما جمع” (ص503). والنصان اللذان يشير سيادته إليهما هما قوله تعالى لنساء النبى عليه السلام: “فلا تخضعْنَ بالقول فيطمعَ الذى فى قلبه مرض”، “إن نشأْ ننزِّلْ عليهم من السماء آية فظلَّتْ أعناقهم لها خاضعين”. فأين يا ترى اسم الفعل هنا؟ إن “تخضعن” حقا فعل، أما “خاضعين” فاسم فاعل، لكن سيادته لا يعرف معنى اسم الفعل فيخبطها كما تأتى. ليس هذا فحسب، فسيادته يقول إن كلا اللفظين جمع. والفعلان لا يجمعان، بل تجمع الأسماء فقط. ولكن يقال عن الفعل إنه مسند إلى ضمير جماعة الذكور أو الإناث. أما اسم الفعل من مادة “خ ض ع” فهو “خَضَاعِ”: للمفرد والمفردة والاثنين والاثنتين ولجماعة الذكور وجماعة الإناث بنفس هذه الصيغة، ومعناه “اِخْضَعْ، اخضعى، اخضعا، اخضعوا، اخْضَعْنَ”. وقد وقع فى نفس الغلطة المضحكة حين قال إن “لوط” هو اسم فعل من “لوط” (ص959). كيف ذلك؟ ليس عندى جواب.
والأغلب فى أسلوب الأستاذ الدكتور الخطأ فى التعامل مع أسماء الأعداد. قال سيادته فى الصفحة الرابعة والأربعين: “ستة وسبعين مرة”، وصوابها “ستا وسبعين مرة”. وبعدها بسطر يعد الفعل: “توجَّهَ” فى قوله تعالى: “ولما توجَّهَ تلقاء مدين قال: عسى ربى أن يهدينى سواء السبيل” اسما. إى والله العظيم. ومن باب الخطإ فى التعامل مع أسماء الأعداد قوله: “مائة واحد وعشرين مرة” (ص44)، وتصويبها “مائة وإحدى وعشرين مرة”، و”ذُكِر اللفظ اثنا عشرة مرة تسعة منها مضافة إلى ضمير الملكية” (ص50)، وصحتها “اثنتى عشرة مرة تسعٌ منها مضافة إلى…”، و”ورد لفظ “الدبر” ثمان وثلاثين مرة” (ص51)، والصواب هو “ثمانىَ وثلاثين مرة”، و”ذكر “الساق” أربع مرات ثلاثة حقيقية، وواحدة فقط مجازا” (ص53)، والصواب “ثلاث حقيقية”. ومن ذلك أيضا قوله (ص60): “وقد ورد اللفظ خمسين مرة فى صيغ إسمية، تسعة وعشرين، أكثر منها فعلية، واحدا وعشرين”. والصواب هو “تسعا وعشرين… إحدى وعشرين” علاوة على ركاكة التركيب، وكان يمكن أن يقول: “وقد ورد اللفظ خمسين مرة: تسعا وعشرين مرة أسماءً، وإحدى وعشرين مرة أفعالا”. فانظر كيف يعجز الأستاذ الدكتور عن الاهتداء إلى تركيب سلس مقبول فى عبارة ساذجة كهذه. وخذ هذه أيضا: “وقد ورد لفظ “درك” اثنا عشرة مرة” (ص69)، وفيها خطآن يدركهما القارئ من التصويب التالى: “اثنتى عشرة مرة”. وثم خطآن آخران أيضا فى قول الأستاذ الدكتور: “وانبثاق إثنتى عشر عينا”، وصوابه “اثنتى عشرة عينا” بحذف الهمزة من تحت ألف “اثنتى” وزيادة تاء مربوطة فى “عشرة”. وفى الصفحة 116 يقول إن لفظ “ذو” قد أتى فى القرآن “تسعة وسبعين” مرة، ومثناه “مرتان”. وهذا خطأ صوابه “تسعا وسبعين مرة” و”مرتين”. وفى الصفحة 120 يقول: “ورد لفظ “النوم” ومشتقاته أيضا أثنى عشرة مرة”، وصحته “اثنتى عشرة مرة” بحذف الهمزة من فوق الألف وتأنيث “اثنتى”. وفى الصفحة رقم 127 نقرأ “ورد حوالى إثنى وأربعين مرة” بخطأين فاحشين. والصواب “حوالى اثنتين وأربعين مرة”. ومثله “ورد اللفظ بالمعنيين إثنا وعشرين مرة” (ص728)، والصواب “ورد اللفظ اثنتين وعشرين مرة”. ومثله كذلك قوله: “ورد ذكره إثنى وعشرين مرة” (ص911). وفى الصفحة التاسعة والعشرين بعد المائة يقول عن لفظ “اليقين” إنه ورد “ثمان وعشرين مرة”، والصواب “ثمانىَ وعشرين مرة”. وقال: “واحدا وثلاثين مرة” (ص134)، وصحتها “إحدى وثلاثين مرة”. وفى الصفحة رقم 189 نجده يقول: “ذكر لفظ “التلاوة” إثنين وستين مرة: ستون منها فى صيغ فعلية، وإثنان فقط فى صيغ إسمية”. وصوابها: “اثنتين وستين مرة… واثنتان فقط فى صيغ اسمية” مع ملاحظة حذف الهمزات من تحت الألف فى “اثنين، اسمية”. وقد تكرر عند الأستاذ الدكتور كتابة العدد بالطريقة التى ينطقها العامة فيقول مثلا: “ورد اللفظ مائة ثلاثا وثمانين مرة” (ص331 مثلا. بالعامية “مية تلاتة وتمانيين” بدون واو بين المائة والثلاثة) عوضا عن “مائة وثلاثا وثمانين”. ومثلها “ثلاثمائة أربعا وسبعين مرة” (ص1022). والأمثلة على ذلك كثيرة.

وهو يسمى “ذو”: “حرف إضافة” (ص116)، وهذا مصطلح لم أسمع به طوال حياتى. فهو اسم من الأسماء الستة، وليس حرفا، علاوة على أنه لا يوجد شىء اسمه “حرف إضافة”، اللهم إلا إذا اخترعنا نحوا جديدا وترك الناس نحوهم القديم. وفى الصفحة التالية نقرأ: “حتى يظل الإنسان مهابا ذو كرامة”. وهو خطأ لا يغتفر، والصواب “حتى يظل الإنسان مَهِيبا ذا كرامة”. فهناك، كما نرى، خطآن فى هذه الجملة الضئيلة، وهما خطآن بدائيان. وفى الصفحة الثامنة عشرة بعد المائة يستخدم ما أسميه: “الواو اللعينة”، وهى الواو التى يفصل بها طلاب هذه الأيام بين النعت ومنعوته، وهذا خطأ وقع فيه الأستاذ الدكتور فى قوله عن “ذى القرنين”: “وهو، كما اتفق غالبية المفسرين القدماء، الإسكندر الأكبر والذى تظهر صورته على النقود اليونانية برأس ذى قرنين”. والصواب هو حذف الواو التى بين “الإسكندر الأكبر” وبين “الذى تظهر صورته…” (ومثل ذلك “واللامرئى مثل الله: ذاته وصفاته وأفعاله والتى يعيشها (؟) الإنسان على المرئى أو يسقط المرئى عليه”/ ص160).
وهو يكثر من استعمال الاسم الناقص النكرة المرفوع والمجرور بياء فى آخره، والمفروض أن تحذف الياء ويعوض عنها بكسرتين. ومنه “هناك معانى مجازية” (ص48)، و”معانى حقيقية” (ص50، و”بمعانى مجازية ثلاثة”/ ص74). وصحتها “معانٍ”، و”تَرَاضِى” (عدة مرات ص56- 57)، وصوابها “تراضٍ”. وقوله (ص131) إن الكلمة الفلانية قد جاءت بصيغة “تمنِّى ورجاء”. وصحتها “تمنٍّ ورجاء”. ومن ذلك أيضا قوله: “الخالص له معانِى كثيرة” (134، و”له معانى كثيرة”/ ص1005). وينبغى أن تكون “معانٍ” بحذف الياء الأخيرة والتعويض عنها بالتنوين. ومنه قوله: “لأنه تَعَدِّى على حرمات الآخرين” (ص158)، وصوابه “تَعَدٍّ”. وعند جمع “متساو”، وهو اسم ناقص، نرى الأستاذ الدكتور يجمعها على “متساويِين” (ص175) كما تفعل العامية. وصحة جمعها هى “متساوون، متساوِين”. كما يخطئ فى جمع “مصطفاة”فيصف نساء النبى: بأنهن “مصطفات” (ص57)، وصوابها “مصطفيات”.
وفى الصفحة 43 لدن الحديث عن “الحلقوم” يقول مفسرا قوله تعالى عن خروج روح الميت، وأهله محيطون به فى النزع الأخير دون أن يستطيعوا له شيئا: “الحلقوم هو الحلق فى صيغة المبالغة. الحلق لدرجة الاختناق حينئذ لا ينفع نظر من شدة الاختناق”. وفى الكلام تهويم لا يتضح المعنى بسببه، وهذا ديدن الأستاذ الدكتور. ثم من أين له يا ترى بأن “الحلقوم” هو صيغة المبالغة من “الحلق”؟ إن صيغ المبالغة إنما تدخل على أسماء الفاعل لا على الأسماء الجامدة، فنقول مثلا فى “قاتل”: “قتّال، قَتُول، قَتِيل، مِقْتَل، مِقْتال”. ثم لقد بحثت فى كل التفاسير والمعاجم التى أمامى، وليست بالقليلة أبدا، فلم أصادف أحدا من المفسرين أو المعجميين يقول بالذى يقول به الأستاذ الدكتور، ولا أذكر أنى قرأت أو سمعت يوما بهذا. وأتصور أن الأستاذ الدكتور قد خبطها هكذا نزولا على طبيعته الذربة فى الكلام، فظن أن اللغة أيضا تغنى فيها ذرابة اللسان عن البحث والتنقير.
وفى الصفحة الحادية والستين يقول سيادته إن “إيثار الطعام على المسكين واليتيم والأثير علامة المؤمنين”، وفى هذه الجملة اضطراب كريه سببه استعمال حرف جر فى غير موضعه مما أدى إلى أن يكون المعنى هو أن المؤمنين يفضلون الطعام على المسكين واليتيم والأسير. أى أن الطعام عندهم أهم من هذه الأصناف الثلاثة من البشر. وليس هذا بالطبع هو ما تريد الآية: “ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأثيرا” (الإنسان/ 8) أن تقوله، بل المقصود هو أن “الأبرار (الأبرار لا المؤمنين فقط) يتنازلون للمسكين واليتيم والأسير عما يحتاجون إليه من طعام. فانظر ماذا تريد الآية أن تقوله وماذا تقول عبارة الدكتور، وكل هذا بفضل الضعف اللغوى والتعبيرى حتى فى أبسط الأمور كما رأينا. إن القرآن يستلزم ممن يريد تفسيره أن يكون على مستوى سامق من الحساسية التعبيرية والعلم باللغة نحوا وصرفا ومعجما وبلاغة ونقدا وتعبيرا، إلى جانب كل ما يمكن حيازته من العلوم المختلفة لأن النص القرآنى نص فائق الغنى والرهافة والدقة. وفى ص 159 نراه يرفع أو يجر اسم “أنّ” المتأخر: “وأن عنده أجر عظيم”، وصحتها “وأن عنده أجرا عظيما”. وفى عبارة “يكون سجله إيجابى” (184) غلطة ساطعة، إذ رفعَ (أو خفضَ) سيادته خبر “يكون”.

ومن الركاكات الكثيرة والاضطراب والتلفيق قول سيادته: “وللرؤية ظاهر وباطن. رؤية الكفار تعجب أجسامهم. فالظاهر والباطن فى الواقع قبل أن يكونا فى النص. والتحول من الظاهر إلى الباطن يكون فى الواقع وفى النص على السواء” (ص82). وأول شىء أنبه عليه أن النص المومأ إليه ليس خاصا بالكفار بل بالمنافقين. وثانيا فإن ما يقوله سيادته من أن “رؤية الكفار تعجب أجسامهم” هو كلام لا يمكن فهمه، إذ كيف تثير الرؤية إعجاب الأجسام؟ هل الأجسام تُعْجَب بالرؤية؟ بل هل الأجسام تُعْجَب بشىء أى شىء؟ هل عندها عقل ومشاعر وذوق، ومن ثم يمكن أن تُعْجَب وتشمئز؟ إن القرآن يقول مخاطبا نبى الله، وزاريا على المنافقين: “وإذا رأيتَهم تعجبك أجسامهم”، فأجسام المنافقين تعجب الرائى، وليست الرؤية هى التى تعجب الأجسام. أما بقية النص فهو لغز غير قابل للحل.

ومن الركاكات الكثيرة التى يعج بها الكتاب قوله: “وخلق المثل للفائدة العلمية مثل الركوب والانتقال مثل البغال والحمير، واليوم مثل السيارات والطائرات، ومثل البنايات الضخمة ذات العمدان التى تشبه ناطحات السحاب الحالية” (ص201). ومنها أيضا قوله قى الصفحة التالية: “وتأتى الأمثال من الطبيعة ومن الإنسان… والطبيعة التى نزل فيها الحى هى البيئة الصحراوية التى يحتاجها البدوى وتنقصه من ماء ونبات، وما فيها من رمال ورياح وحيوانات وحشرات”. ومنها “والإتباع للإيمان هو أيضا إتباع. فالتنزيل يحمى من التقليد. وحرية الرأسى تعالج ضرورة الأفقى. والاستجابة للرسل تتم فى وقتها وبلا أجر. والإتباع للرسول. ويقال إنهم الأراذل الذين يتبعون. فالإتباع له طريق الأنبياء. ولا يوجد أفضل من تبع وجهه لله، واتبع ملة إبراهيم وإسحاق ويعقوب وشعيب، فهو طريق فردى وتاريخى” (ص207). وقد نقلت الكلام كما هو بنفس علامات الترقيم وبنفس الهمزات. وأقر وأعترف أنا فلان الفلانى البالغ الرشيد بمحض إرادتى وبدون أى تهديد أو إكراه أنى لم أفهم شيئا من هذه السطور المستحيلة.
وفى حديثه عن سهم “المؤلفة قلوبهم” يقول: “أوقفه عمر لأنه كان والإسلام ضعيفا ثم أصبح قويا” (ص110). وهو غلط نحوى فاحش إذ ينصب سيادته خبر المبتدإ، وحقه الرفع، فكان يجب أن يقول: “لأنه كان والإسلام ضعيف”. وفى حديثه عن القرآن نراه يقول: “وهو بعيد عن السحر، وإن كان كليهما ينتجان نفس الأثر” (177)، فينصب اسم “كان”، وصوابه “كلاهما”. أما قوله إن القرآن والسحر ينتجان نفس الأثر فهو كلام غريب جدا، إذ وَصَفَ القرآنُ السحرَ بأنه تخييل، أى لا حقيقة له، وبأنه باطل وأن أصحابه مفسدون، وجعل عصا موسى تبتلع ثعابين رجال فرعون المسحورة. فكيف يقول الأستاذ الدكتور ما قال؟ ترى هل رأى أحد سحرا يهدى الناس إلى الحق والعدل ويقيم الدول وينشر المبادئ الراقية بين الناس ويجعل صاحبه مشغولا بالضعفاء والمسحوقين وقول الحق وإقامة الميزان وتأسيس الحكم الشورى ويحرم الخمر والزنا واللواط والربا والاحتكار ويجرِّم قول الزور وينصف النساء والعبيد ويدعو الناس إلى طلب العلم من المهد إلى اللحد وينهاهم عن مد اليد بالسؤال ويستثير فيهم الشعور بالكرامة والعزة ويحثهم على النظافة والتعاون والنظام والعمل والضرب فى الأرض بحثا عن لقمة العيش الكريمة حتى لا تجىء المسألة نكتة سوداء فى وجه الشحاذين؟ ولقد حمل الرسول حملة شعواء على السحر والساحرين وشدد فى ذلك تشديدا عظيما مؤكدا أن من يأتى ساحرا مصدِّقا به فقد كذَّب بما نزل على محمد. فالقرآن لا علاقة له بالسحر إلا علاقة العداء والتحقير. أما علاقة التشبيه التى ألقاها الأستاذ الدكتور بخفة واستخفاف فكلا ثم كلا ثم كلا. إنها ترديد على نحو أو على آخر لاتهام الكفار النبى عليه السلام بأنه ساحر. صحيح أن الأستاذ الدكتور قد ذكر أن القرآن بعيد عن السحر، لكن ما إن مرت بضع كلمات حتى قال إنه ينتج نفس الأثر. وأثر السحر هو الخداع وتخبيل العقل وإيقاف عمله، فهل هذا هو أثر القرآن؟ بل هل يقبل القرآن شيئا من هذا؟ وفى موضع آخر من الكتاب نرى الأستاذ الدكتور يربط بين الوحى والشعر (ص169- 170، 172). وهذا الكلام هو أيضا قريب مما كان المشركون يرددونه من أن الرسول شاعر لا نبى.
وفى حديث الأستاذ الدكتور عن “الذات” فى القرآن يقول إن لفظ “ذواتا” يأتى للأشياء فقط: للأفنان والجنتان” (ص116). وهى غلطة بلقاء، فإن كلمة “الجنتان” مجرورة، وهى مثنى، والمثنى المجرور لا يجر بالألف بل بالياء: “للأفنان والجنتين”. ليس هذا فحسب بل يتفذلك فى النحو فيقول إن “ذو” هو نفسه لفظ “ذات” لكن مرفوعا. والغريب أنه يقول عقيب ذلك إن صيغة الجر من هذا اللفظ هى “ذى”، وصيغة النصب هى “ذا”. ومعنى هذا أنه لا علاقة بين اللفظين فى الإعراب. فذات تعرب بالحركات: بالضمة والفتحة والكسرة، أما “ذو” فهى من الأسماء الستة، وتعرب بالحروف: بالواو والألف والياء.
وفى قول سيادته إشارةً إلى آيةِ “علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم…” (البقرة/ 187): “والله يعلم اختنان النفس” (ص151) خطأ لا يغتفر فى اشتقاق المصدر من الفعل: “تختانون”، إذ قال: “اختنان” وكأن الفعل هو “تختنُّون” لا “تختانون”، الذى مصدره “اختيان”، مثل “اصطاف اصطيافا، وازدان ازديانا، وازداد ازديادا، وامتاح امتياحا، واستاك استياكا”… وهلم جرا.

وكما أخطأ الأستاذ الدكتور فى تقصى أصل “تختانون” على هذا النحو أخطأ أيضا فى معرفة أصل “التراقى”، إذ حسبها تعنى “الرقىّ”. قال: “التراقى يعنى الرقىّ أو الصعود أو بلغة العصر: التقدم… والتراقى هو الرتبة الرأسية” (ص649- 650). واستشهد على ذلك بقوله: “حتى إذا بلغت التراقى * وقيل: مَنْ راقٍ” على حين أن “التراقى” هنا جمع “ترقوة”، وهى “عظمة مشرفة فى أعلى الصدر بين ثغرة النحر والعاتق تكون فى الإنسان والحيوان حيث يرتقى فيها النفَس. وهما ترقوتان”. وأغلب الظن أنه يظن “راق” أيضا من الرقىّ لا من الرُّقْيَة. وعنده كذلك أن المصدر من “ل و ى” هو “اللَّوْى” (ص654) بينما هو “اللَّىّ” مثل “الكَىّ (من “كَوَى”)، والشَّىّ (من “شَوَى”)، والغَىّ (من “غَوَى”)، والرَّىّ (من “رَوَى”)، والزَّىّ (من “زَوَى”)، والطَّىّ (من “طَوَى”)”. ومن أعاجيبه أن “البَحِيرَة” فى القرآن هى البحر فى صيغة التأنيث. وهذا نص كلامه (ص910): “وقد ذكر اللفظ: “البحر” جمعا أكثر من ذكره مفردا ومثنى. وقد جاء جمعا مذكرا، ولم يأت إلا مرة واحدة مؤنثا”. ثم أورد فى الهامش 1 كلمة “بَحِيرَة” على أنها ذلك المؤنث. ولا أدرى ماذا يمكن أن أقول. إن الكلمة تعنى الناقة المشقوقة أو المجدوعة الأذن اتباعا لاعتقادات العرب الوثنية آنذاك، ولا علاقة لها بالبحر من قريب أو من بعيد.
وكثيرا ما تنبتر الجمل عند سيادته فلا تصل إلى منتهاها كما فى قوله (ص33): “والسؤال هو: هل الفروق اللغوية تتضمن فروقا معنوية بالرغم من تكرار الآية: “فلا تعجبك” و”ولا تعجبك”؟ ما الفرق بين الفاء بالإضافة إلى ما يقوله فقهاء اللغة؟ الأولى للتساوى، والثانية للتعاقب”, وبعيدا عن الغموض فى استشهاده بـ”فلا تعجبك” و”ولا تعجبك” جراء ابتسار الآيتين الكريمتين الخاصتين بمخاطبة الله رسوله عن المنافقين: “فلا تعجبْك أموالهم ولا أولادهم” و”ولا تعجبْك أموالهم وأولادهم” (التوبة/ 55، 85 على التوالى) وعدم القدرة على توضيح المراد فأين الطرف الآخر فى البينية فى قول سيادته: “ما الفرق بين الفاء بالإضافة إلى ما يقوله فقهاء اللغة؟” إذ السؤال هو: “بين الفاء… وبين ماذا؟”. هنا يسكت الدكتور فلا يكمل الجملة. أما كلامه عن التساوى والتعاقب فهو كلام تهويمى يشير فيما أرجح إلى ما يقوله النحاة من أن الواو لمطلق الجمع، بينما الفاء للتعاقب. لكن “مطلق الجمع” تحولت عنده إلى “التساوى”. وهذا غير ذاك. ثم إن تلك التفرقة التى أشرت إليها إنما تكون بين الحرفين حين يكون كلاهما حرف عطف. لكننا نعلم أن هذين الحرفين لا يكونان دائما حرفى عطف، بل كثيرا ما تأتى الواو للمعية والحالية والاستئناف وواو “رُبَّ”، فضلا عن أنها قد تزاد فى موضع لا يتوقعها فيه المتوقعون، كما تأتى الفاء للسببية والاستئناف وفى جواب الشرط وفى التقسيم وفى جواب “أمَّا”. ثم فى نهاية هذه الفقرة يقول سيادته: “وهل تكرار حرف النفى أو عدم تكرار بين “أولادكم ولا أموالكم” و”أولادكم وأموالكم”؟ وهل فى ذلك يتفق اللغويون أم يختلفون طبقا لأساليب البلاغة” نجده لا يذكر خبر “تكرار حرف النفى” فتنتبر الجملة كالعادة فى غير قليل من الأحيان، فضلا عن هلامية السؤال عن اتفاق أو اختلاف اللغويين. فانظر إلى ما قال الأستاذ الدكتور وما وضحناه نحن.
ومن الأخطاء المعجمية قوله: “أما “النعيق” فهو النهيق، صوت الحمير، وهو صوت عال لا يسمع إلا حين النداء أو الدعاء أو الصراخ، أى الصوت الفارغ من المعنى” (ص75). وهو نص يعج بالأخطاء رغم قصره الشديد، ويدل على أن قلم الأستاذ الدكتور يكتب ما يعن له دون أن يعنى نفسه بمراجعته والتحقق من صحته. وحتى يتابعنى القارئ الكريم على بصيرة أقول إن الأستاذ الدكتور يشير هنا إلى قوله تعالى: “ومَثَلُ الذين كفروا كمَثَل الذى يَنْعِق بما لا يَسْمَع إلا دعاءً ونداءً. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْىٌ، فهم لا يعقلون” (البقرة/ 171). والمعنى أن الذين كفروا، حين يتلو عليهم الرسول آيات القرآن، إنما يشبهون البهائم التى يَنْعِق (أى يصيح) بها صاحبها فلا تفهم من نعيقه شيئا واضحا، بل مجرد دعاء ونداء منه لها، إذ البهائم لا عقل لها ولا فهم. هذا هو المعنى. وواضح من التفسير أن النعيق إنما يصدر عن صاحب البهائم لأنه هو الذى ينعِق بها، فهو الناعق، والنعيق يصدر عنه. أى أن النعيق ليس هو النهيق كما أداها قلم الأستاذ الدكتور. ثم مضى سيادته فقال إن النهيق لا يُسْمَع إلا حين النداء أو الدعاء أو الصراخ، وهو كلام غامض لا يؤدى أى معنى، وإلا فمن قال يا ترى إننا لا نسمع نهيق الحمير إلا حين يكون هناك دعاء ونداء وصراخ؟ ثم من يا ترى ينادى من؟ هل الحمير تنادى البشر أم هل البشر ينادون الحمير أم هل الحمير تنادى الحمير أم هل البشر ينادون البشر؟ الكلام غير واضح. وأيا ما يكن الجواب فالحمير تنهق سواء كان هناك نداء أو لا. ولا شك أن الحمير حين تنهق فإنما تريد التعبير عن شىء: فقد يرى الحمار أتانا ويريد أن يسافدها فينهق، وقد يرى حميرا مثله فيأتنس بها فينهق. أريد إلى القول بأن ما كتبه الأستاذ الدكتور من أن النهيق صوت فارغ لا معنى له هو كلام خطأ، فالله قد جعل الأصوات للحيوانات والطيور وغيرها من الكائنات الحية لكى تستخدمها فى التعبير عما تشعر به من فرح أو ألم أو خوف أو جوع وعطش أو شهوة جنسية. فتأمل كم من الأخطاء اجْتُرِحَتْ فى هذا السطر والنصف.

ومن أغاليطه الصرفية المحزنة قوله إن “الذين فى قلوبهم مرض ينظرون إلى الرسول وكأنهم مغشيون عليهم من الموت” (ص84). والصواب “وكأنهم مَغْشِىٌّ عليهم من الموت”. ومثلها قوله: “وإن رأته تقع مغشية عليها من الموت” (ص105)، والصواب “تقع مغشيًّا عليها من الموت”. وعلى هذا ينبغى أن نقول مثلا: “تلك النافذة مجلوسٌ أمامها”، و”هؤلاء النسوة منظورٌ إليهن ومُعْجَبٌ بهن”، و”هذان الطفلان مَقُولٌ لهما”، و”هاتان الفتاتان مشعورٌ نحوهما بالعطف”، و”أولئك العصاة مسخوطٌ عليهم”: كل هذا باستخدام اسم المفعول بصيغة المفرد المذكر مهما كان المتحدَّث عنه: رجلا أو امرأة أو اثنين أو اثنتين أو جماعة ذكور أو جماعة إناث، على أن نطابق بين الضمير المذكور بعد حرف الجر أو الظرف وبين المتحدَّث عنه كما هو واضح. ومن الأغلاط الصرفية المزعجة عند سيادته كذلك قوله: “استرقاق السمع” (ص86). يقصد “استراق السمع”. إن “استراق السمع” مشتق من “السرقة”، وهذا هو المراد هنا تعبيرا عن التنصت، أما “استرقاق السمع” فمشتق من “الرق”، وطبعا لا يقول أحد: إننى أسترقّ السمع، أى أتخذه رقيقا، أى عبدا.
ولا تقف أخطاء د. حسن حنفى هنا بل تمتد إلى تعريفاته للأشياء والمفاهيم. تعالوا نسمع كلامه عن “اللحم”: اللحم نوعان: طرى شهى، لحم الطير والبحر، ونيئ لا يؤكل مثل لحم الحيوان ولحم الإنسان” (ص36). وبعيدا عن ركاكة العبارة فتقسيم اللحم تقسيم عجيب لا يمكن أن يجول بخاطر أحد. ترى هل هناك فى الطبيعة لحم نيئ ولحم غير نيئ؟ إن كل اللحوم تكون نيئة ثم نطبخها أو نعالجها كى نأكلها، اللهم إلا إذا كنا بشرا متوحشين نأكل اللحوم نيئة، وهذا موضوع آخر. ثم ما الذى أقحم لحم الإنسان هنا؟ هل هو من اللحوم التى تؤكل؟ لقد قيل عن البشر البدائيين إنهم كانوا يأكلون لحوم أمثالهم من بنى آدم، بل إننا حتى الآن ما زلنا نسمع عن حوادث من هذا النوع يأكل اللحم البشرى فيها ناس من أوربا وأمريكا واليابان وغيرها من بلاد العالم المتحضر. لكن هذا كله لا علاقة له باللحم كما ورد فى القرآن. صحيح أن القرآن تكلم عن أكل الإنسان للحم أخيه الإنسان ميتا، لكن هذا كلام مجازى يراد به التنفير الشديد من الغِيبَة كما هو واضح من آية سورة “الحجرات” الشهيرة، ولا علاقة له بتصنيف أنواع اللحم على الإطلاق. ثم إذا كان القرآن قد وصف فى أكثر من موضعٍ لحم البحر بأنه لحم طرى كما فى قوله جل جلاله: “وهو الذى سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا…” (النحل/ 14)، فإنه لم يصف لحم الطير بتلك الصفة قط على عكس ما صنع الأستاذ الدكتور حين جمع بينهما فى صفة الطراوة والشهاوة.
ولدن حديثه عن “النطفة” و”العلقة” (ص35) يقول د. حسن حنفى: “النطفة، مثل العلقة والمضغة، مراحل من تكوين الجنين فى رحم الأم… وقبل النطفة كان الإنسان ترابا قبل أن يولد ويحب له زوجا تؤنسه وتعيش معه… والمنىّ يتكون من كائنات حية داخل الذكر كى يصب داخل البويضة فى رحم الأنثى فيصبح نطفة… ثم تتحول النطفة إلى علقة، والعلقة إلى مضغة، ثم تسوى المضغة رجلا قبل أن تتطور من طفل إلى شيخ”. وكان ينبغى أن يكون الكلام على النحو التالى: “النطفة، مثل العلقة والمضغة، مرحلة من تكوين الجنين…” لأن كلمة “مرحلة” هى خبر “النطفة” وحدها وليست خبرا للنطفة والعلقة والمضغة كما هو واضح. لكن عبارة الأستاذ الدكتور ملتوية لا تراعى قواعد اللغة. أما قوله: “وقبل النطفة كان الإنسان ترابا قبل أن يولد” فغير صحيح، إذ كل منا قبل أن يولد لم يكن ترابا، بل كان ينتظر فى عالم الغيب التقاء أبيه وأمه جنسيا وحَمْل أمه به من أبيه. فهذا ما تقوله عبارة الأستاذ الدكتور، وهى كما نرى جميعا عبارة خاطئة وملتوية وركيكة، وهذا ما نقوله نحن. وتزداد الركاكة فى قوله: “قبل أن يولد ويحب له زوجا تؤنسه وتعيش معه”.
ثم هل تعريف “المنى” هو القول بأنه مكون من كائنات دقيقة؟ إن الكائنات الدقيقة كثيرة. ولو حصرنا أنفسنا فى الكائنات التى لا ترى إلا بالمجهر لكان عندنا الجراثيم والمكروبات والفيروسات مثلا. فهل هناك علاقة بين المنى وبين هذه الكائنات الدقيقة؟ ثم هل المنى كائنات دقيقة فقط حتى لو قلنا إن الكائنات الدقيقة هى الحيوانات المنوية؟ أليس يحتوى على عنصر الماء وعناصر أخرى غير الحيوانات الدقيقة؟ وهل المنى يصب داخل البويضة فى رحم الأنثى؟ إنه ينصب فى رحم الأنثى لا فى البويضة، ثم يحصل تسابق بين ما يحتوى عليه من حيوانات منوية إلى أن يحرز قصبَ السبق حيوانٌ منوىٌّ واحد هو الذى يصل إلى البويضة ويمتزج بها. ولدينا كذلك قوله عن المنى إنه “يتكون من كائنات حية داخل الذكر”. والسؤال: أى ذكر؟ هل هو الذكر الذى يقابل الانثى؟ لكن هل يصح أن نقول إن المنى موجود داخل الرجل، هكذا بإطلاق؟ أم هل المقصود هو العضو التناسلى عند الرجل؟ لكن هل المنى موجود فى العضو التناسلى؟ لقد كان موجودا فى الخصية لا فى الذكر، إذ الذكر هو مجرَّد مَجْرًى يمر منه البول والمنى والْمَزْى والوَدْى ليس إلا ولا يحتوى شيئا من ذلك. فانظر إلى ما قال الأستاذ الدكتور وما يقع فعلا. واضح أنه يكتب كل ما يخطر له دون تفكير أو مراجعة أو تدقيق للعبارة. والغريب أنه يعود (ص880) فيقول عن المنى إنه “يخرج من بين الصلب والترائب، أى من العمود الفقرى والبيضتين”. وواضح أنه نسى ما قال قبلا، وهذا دليل على أن ما يكتبه إنما هو من وحى اللحظة دون أن تكون هناك فكرة متكاملة منضبطة ثابتة.

وفى الكلام عن “الرأس” يقول سيادته: “والرأس مكان الشعر والحلاقة فى شعائر الحج كعلامة على الطاعة، إذ يدخل الحجيج المسجد الحرام محلقى الرؤوس عنوانا على نظافة الجسد، وربما بقايا من الديانات الشرقية القديمةكالبوذية التى تحلق الرأس كلية. وقد تكون إطالة شعور الهيبيز ورفض الذهاب للحلاق رد فعل على ذلك بعد أن أصبح تصفيف الشعر والتفنن فيه من علامات الطبقة الراقية والحياة المصطنعة” (ص38- 39). ويلفت النظر قول الأستاذ الدكتور إن الرأس مكان الشعر فى الحج. وهو كلام يوحى بأن الشعر فى غير الحج ليس مكانه الرأس. فالمشكلة هنا هى مشكلة ركاكة التعبير مضافا إليها أن الشعر فى الحج أو فى غيره لا يوجد فى الرأس فقط بل فى أماكن أخرى: فالرجال لهم شعر على خدودهم وتحت أنوفهم وعلى أذقانهم وعلى أذرعهم وسيقانهم وصدورهم وحول أعضائهم التناسلية وتحت الإبطين. وللنساء شعر تحت آباطهن، وحول أعضائهن التناسلية. كذلك فالتحليق ليس فريضة لازمة فى الحج والعمرة بل يجوز التقصير، وهو ما أغفله أو نسيه الأستاذ الدكتور. ثم إنه أغفل أيضا أن الحاج الذى يعانى من المرض أو الأذى فى الرأس يعفى من التحليق والتقصير مع فدية من صيام أو صدقة أو نسك كما تقول الآية 196 من سورة “البقرة” رغم إثبات الأستاذ الدكتور لها فى الهامش رقم 6.
وهنا نتساءل ومعنا كل الحق: ما معنى هذا الربط بين التحليق (أو التقصير) فى الحج وحلق البوذيين رؤوسهم والزعم بأنهما بقايا من البوذية وغيرها من الديانات الشرقية القديمة؟ أهو كلام والسلام؟ أم إن المراد هو إشاعة البلبلة والتشكيك على أسلوب المستشرقين والمبشرين فى عزوهم كل شىء فى الإسلام إلى أديان سابقة، ومنها أديان وثنية؟ وإلا فمتى كان للإسلام صلة بالبوذية؟ كذلك ما معنى ذكر الهيبيز هنا؟ المفهوم من كلام سيادته عن الهيبيز أنهم حين أطالوا شعورهم إنما قاموا برد فعل على حلاقة الرأس فى الإسلام والبوذية وغيرها. ترى هل كان الهيبيز يعيشون فى مكة عند قيام المسلمين بشعيرة التحليق أو التقصير أو فى بلاد الهند مثلا وقت حلاقة البوذيين التامة لرؤوسهم كما يقول الأستاذ الدكتور حتى يقال إن إطالتهم شعر رؤوسهم هو رد فعل على هذا وذاك؟ الجواب: لا طبعا. إنما هى ذرابة لسان ليس إلا.
ومما قاله سيادته أيضا فى هذا السياق أن “طأطأة الرأس ووضع الجبين على الأرض رمز الخضوع” مشيرا إلى قوله تعالى الذى أورده فى الهامش (ص39/ ه3): “فلما أسلما (أى إبراهيم وإسماعيل) وتَلَّه للجبين (أى تل إبراهيمُ إسماعيلَ للجبين استعدادا لذبحه كما رأى فى منامه ظنا منه أن هذا أمر إلهى واجب التنفيذ)، و”يوم يحمى عليها فى نار جهنم فتكوى بها جباههم”. وهذا كلام لا شىء فيه، إلا أنه لا مكان هنا للآية الأخيرة التى لم يكتف سيادته بالاستشهاد بها بل حذف منها بقيتها، ولا نعرف الحكمة فى هذا الحذف، وبقيتها هى “(فتكوى بها جباههم) وجنوبهم وظهورهم”، ثم مرة أخرى لم يكتف بذلك، بل أتبعه بالقول بأن “الأرض ليست فقط مكانا للنبات الأخضر للطعام، بل هى أيضا مكان للصراع السياسى للإقامة”، وهو كلام لا موضع له هنا بتة، إذ لا يوجد نص قرآنى يتصل به، فضلا عن ركاكته وكأن كاتبه أجنبى.

ويعرف د. حسن حنفى الجوع بأنه “إحساس بدنى، وهو ناتج عن نقص الطعام والشراب” (ص64). وفى هذه الجملة القصيرة أكثر من خطإ، فالجوع يرتبط بالطعام، أما الشراب فمرتبط بالعطش. ومع ذلك يخلط الأستاذ الدكتور بين الأمرين كما لو كانا شيئا واحدا هو الجوع. كما أن الإنسان قد يشعر بالجوع ويقبل على الأكل لإسكات صرخات بطنه على حين تكون بطنه ممتلئة بالطعام، فقد أكل قبل قليل ولم يهضم ما أكله بعد، لكنه رغم هذا لا يزال يشعر بالجوع. أى أن جوعه هنا نفسى لا بدنى. وكثير من الناس ينتمون إلى هذا النوع، ويسمى الواحد منهم: “أكولا وشرها ومبطانا ونهما”. كذلك فالمصابون بالسكرى يشعرون أكثر من سواهم بالجوع رغم أن بطونهم ليست فارغة كما يظنون ويشعرون. وهنا يتبين لنا أن تعريف د. حسن حنفى “الجوع” بأنه “إحساس بدنى” لا يستغرق كل الجوعى بل صنفا واحدا منهم فقط. وعلى الناحية الأخرى هناك من لم يأكلوا، وبطونهم فارغة، لكنهم لا يشعرون بالجوع كما هو الحال مثلا فى حالات الحزن أو الفرح الشديد أو الاستغراق التام فى العمل مما يلهى صاحبه عن الوعى بالجوع. وليس الجوع دائما “بلاء يقترن بالخوف ونقصا فى الأموال والعرى، أى عدم الشجاعة على تنمية الموارد ونقصان أموال الاستثمار” كما جاء فى كلام الأستاذ الدكتور، بل كثيرا ما يجوع الإنسان (ويعطش أيضا) صياما أو تدريبا روحيا أو رغبة فى الرشاقة أو إضرابا عن الطعام أو نزولا على نصيحة الطبيب لسبب أو لآخر.
وفى نفس الصفحة يتناول د. حنفى تعريف “المرض” قائلا: “وللمرض معنيان: مرض الجسد الذى يعتنى به أطباء الأبدان، ومرض القلوب الذى يعتنى به أطباء النفوس. الأول يعبر عنه بـ”المريض”، والثانى بـ”المرض”…”. ترى هل فهم أحد شيئا؟ كيف يعبر عن “المرض” بالمريض؟ ثم كيف يعبر عن “المرض” بالمرض؟ ثم يمضى الأستاذ الدكتور فيقول إن “مريض البدن قد يكون أعرجًا أى مصابا بعاهة بدنية تمنعه من الحركة أو أداء الشعائر الدينية”. وأول شىء ننبه إليه هو أن الأستاذ الدكتور ينون الممنوع من التنوين فيقول: “أعرجًا”، وصوابها “أعرجَ” بفتحة واحدة، وهذه من الكلمات التى يعرف الجميع أنها لا تنون والتى لا تحتاج إلى تعمق فى النحو. والمفروض أن سيادته تعلم النحو والصرف مرارا فى المدرسة فى مراحلها الثلاث. ومع ذلك فهذه هى النتيجة. وقد تكرر وقوعه فى نفس الخطإ فى قوله: “ومن لا يعقل يكون أصمًّا أبكمًا أعمى” (ص13)، وتصويبها “أصمَّ أبكمَ أعمَى” بدون تنوين كما شرحنا آنفا.
ثم ننتقل الآن إلى النظر فى تعريف “الأعرج”، فهل الأعرج يكون مصابا بعاهة بدنية (هكذا دون تحديد مكانها من بدن الإنسان) تمنعه من الحركة؟ ترى متى كان العرج مانعا لصاحبه من الحركة؟ إنه يتحرك ويمشى ويقوم ويقعد وينام ويدخل الحمام ويذهب إلى عمله، وإن كان بشىء من المعاناة، لكن عاهته لا تمنعه من الحركة. ثم متى كان العرج مانعا للمصاب به من تأدية الشعائر الدينية؟ هل العرج يمنع صاحبه من الصيام؟ هل يمنعه من الزكاة؟ هل يمنعه من الحج؟ ولنفترض أنه يخشى الإرهاق فى الطواف وما إلى ذلك أفلا يستطيع أن يؤدى هذه الشعيرة محمولا على الأعناق؟ كذلك هل يمنع العرج صاحبه من الصلاة؟ إنه يستطيع أن يصلى جالسا أو قائما أو نائما حسب حالته. بل إنه حتى لو كان مشلولا شللا تاما فبمكنته الصلاة بجفونه أو حتى بفكره كما نعرف جميعا. إذن فتعريف الأستاذ الدكتور لـ”العرج” هو أيضا تعريف خاطئ تماما ومرتبك ومربك، ولا يصلح فى الكتابة العلمية ولا حتى فى الكتابة غير العلمية.

ثم ننتقل نقلة أخرى مع الأستاذ الدكتور، فنجده فى الصفحة التالية يعرّف “المكان” على النحو التالى: “المكان، وله معنيان: حسى ومجازى. الحسى هو المكان”. أى أن المكان هو المكان، كمن يفسر الماء بعد الجهد بالماء. ويا له من تعريف منطقى جامع مانع! (ومثل ذلك قوله ص336: “الحَلِف هو القسم بالله للتصديق. وإذا كان الحالف يعلم أنه كاذب فهو دليل على الكذب أكثر منه برهانا على الصدق”). أما المكان المجازى فتعريفه عنده “هو عدم العناية والإهمال”. فانظر وتأمل هذا التعريف العجيب الذى لم يقل به أحد من الأولين ولا من الآخرين!

وفى الصفحة الثالثة عشرة بعد المائتين يعرّف سيادته “التخافت” بأنه “هو الصوت المنخفض إلى درجة التمتمة، وعدم سماعه كما يحدث فى لحظات التآمر، وهو عكس الصراخ. وهو تآمر ضد المساكين والمظلومين. وقد ورد اللفظ ثلاث مرات فى صيغ فعلية مما يدل على أنه فعل ذاتى. والصلاة بين ارتفاع الصوت والتخافت” (213). وهذا تعريف يحتاج إلى إعادة نظر، فالتخافت ليس صوتا كما يقول الأستاذ الدكتور بل هو طريقة من طرق تأدية الصوت. ونحن لو قلنا مثلا: “فلان يُعَلِّى صوته” فهل نسمى “التعلية” صوتا؟ طبعا لا، إذ التعلية شىء، والصوت شىء آخر. وبالمثل إذا قلنا: “خفص صوته” فلا يصح أن نقول إن “الخفص صوت”. ولكى يكون كلامى واضحا أقول إننا كثيرا ما نقول: “ضوء خافت”، فننقل الخفوت من الصوت إلى الضوء. ومثله قولنا: “فلان خافت”، أى ضعيف هزيل. ويمكننا أيضا أن نقول:”خَفَتَ الرجل”، أى مات فجأة، و”خفتت دقات قلبه”، أى صارت واهنة، و”خَفَتَ السحاب” حين لا يكون فيه ماء، و”خَفَتَ الزرع” عندما لا يطول، و”خافتت الإبل المضغ” إذا اجترت، و”التَّخافُتُ” هو تَكَلُّف الضَّعْف والسُّكون. كذلك نسى سيادته أن يتعرض للتخافت يوم القيامة حين يتخافت المجرمون فيما بينهم عند اختلافهم حول المدة التى قضوها فى البرزخ. وهو تخافت المرتعبين من ربهم لا المتآمرين على أمثالهم من البشر كما هو واضح. أما أن التخافت فى القرآن فعل ذاتى لأنه ورد بصيغ فعلية فأرجو أن يشرح لى أحد معنى هذا الكلام.
وفى تعريف سيادته لـ”الخَبْت” يقول إنه “يعنى الطاعة”، ثم يقول بعد سطرين إنه ورد فى القرآن “بصيغة اسمية هى “الخبء” من “خبأ”، وهو المخفى فى السماوات والأرض وفى القلوب والذى يعلمه الله” (ص337). وطبعا لا علاقة بين “خبت” و”خبء”، بل هما لفظان مختلفان لكل منهما طريقه الخاص. لكن الأمور عند الأستاذ الدكتور ينقصها التدقيق والتحقيق، وكل ما يخطر على سن قلمه فإنه يترك القلم يكتبه، مريحا نفسه بهذه الطريقة من هم التقليب والبحث.
وفى تصنيف الألفاظ الخاصة بالزمان يقسمها الأستاذ الدكتور إلى خمسة أنواع: “الزمان الوجودى المرتبط بالدنيا والآخرة والحياة والموت. والزمان الطبيعى أو الكونى المرتبط بالليل والنهار والفجر والضحى والظهر والعصر والمغرب والعشاء. والزمان المتخيل، وهو ما يتعلق بالزمان ما بعد الموت حين يخيل الإنسان عودة الحياة إليه وقيام الساعة ويوم الحساب. والزمان النفسى الذى يميز من الخلود والأبد والدهر والقرن والسنة حتى اليوم والساعة والأمس واليوم والآن والغد. والوعى بالزمان الذى يتجلى فى حروف الزمان مثل القَبْل والبَعْد والْمَعَ والذى يضم جميع أنواع الزمان الأخرى” (ص221).
وهذه التقسيمات غير دقيقة ومتداخلة، وبعضها خاطئ. وأبدأ أولا فأجلى الخطأ النحوى الأبلق الذى وقع فيه الأستاذ الدكتور حين سمى “قبل وبعد ومع” حروف زمان. فالواقع أنه لا يوجد فى لغتنا شىء اسمه حروف الزمان. والكلمات التى أوردها سيادته هى ظروف لا حروف. وقد كرر (ص315) أن “مع” حرف، وبعد قليل يتحدث عنها باعتبارها مضافا. ومعروف أن الحرف لا يضاف بل يدخل على الكلمة التى تأتى بعده، فعلا كانت أو اسما. وفى ذلك الموضع يقول أيضا إن الله لا معية له رغم قول القرآن الكريم: “إن الله مع الصابرين، ومع المتقين، ومع الذين أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، ومع الذين اتقوا والذين هم محسنون، ومع المحسنين، ومع الاثنى عشر نقيبا من قوم موسى ما داموا يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويؤمنون برسله سبحانه ويعزّرونهم ويقرضون الله قرضا حسنا، ومع الملائكة فى بدر حين كلفهم بالقتال فى صف المؤمنين، ومع موسى وهارون عند دعوتهما فرعون إلى إطلاق سراح بنى إسرائيل، ومع النبى والصديق فى الغار، ومع أى عدد من البشر يتناجَوْن. ويقول موسى لقومه يطمئنهم قبل انشقاق البحر لهم بأن فرعون الذى كان يطاردهم بجنوده لن يستطيع إداركهم: “إن معى ربى سيهدين” (الشعراء/ 82). والغريب أن سيادته فى ص316 يقر بأن لله معية سوف يحظى بها من يوحد الله. وبعد ذلك بثلاث صفحات يتحدث سيادته عن المعية الإلهية مع المتقين. وفى الصفحة 527 يتكلم عن “العهد مع الله”… فانظر وتعجب.

إذن فلله سبحانه معية، وإن كان عز وجل يرفض أن يشرك أحد من عباده أىَّ إله معه كما جاء فى القرآن مرارا، إلا أن هذا لا ينفى المعية عنه جل وعلا بل كل ما يدل عليه هو أنه سبحانه وتعالى واحد أحد وليس له شريك. ولتقريب هذا المعنى نقول: إن الأب قد يكون له بيت يملكه ويسمح لأبنائه بالعيش فيه ومن ثم يستطيعون الدخول والخروج منه فى أى وقت حسبما تقتضى مصالحهم وظروفهم، ثم إنه رغم هذا يرفض أن يدخل أى من أبنائه البيت بزجاجة خمر أو بائعة هوى أو صاحبٍ ردىء الخلق والسلوك. فهل نقول عندئذ إن الأب لا يملك بيتا؟ طبعا لا يمكن قول ذلك، بل يظل صحيحا القول بأنه يملك البيت، ولكنه فى ذات الوقت يرفض أن تدخله خمر أو بائعة هوى أو صاحب فاسد الخلق والسلوك. فكما نرى فالأستاذ الدكتور لا يراجع نفسه بل يهضب بما يفد على خاطره كيفما جاء.
ثم إن الزمان النفسى ليس هو الذى يميز من الخلود والأبد والدهر والقرن… إلخ بل هو الزمان كما يحسه الشخص طبقا لحالته النفسية: فإذا كان مستعجلا فإنه يحس بمرور الزمن بطيئا مرهقا، وإذا كان يتوقع مصيبة كان مر الزمن عليه سريعا كالبرق. ثم إن الزمان المتخيل لا ينحصر فى تخيل الإنسان لنفسه بعد البعث، وإلا فنحن لا نكف عن تخيل أنفسنا فى الماضى أو المستقبل هنا على الأرض فى أوضاع مختلفة لا تكاد تحصى. ومن ذلك مثلا ما جاء فى رواية “آلة الزمان” للعالم والأديب البريطانى هربرت جورج ولز، تلك الآلة المتخيلة التى صنعها بعض المخترعين لتجوب الزمان فتعود للماضى البعيد أو تقفز إلى المستقبل القاصى. وقد تخيل المؤلف الأوضاع فى كل زمن زاره بطل الرواية بآلته، وغلب عليه التشاؤم فيما يتعلق بالمستقبل البعيد حيث يتوقع أن تشهد البشرية كوارث وبلايا اجتماعية وبيولوجية مرعبة. ولدينا أيضا الزمان الطبيعى أو الكونى، وهو لا يتميز فى كلام الأستاذ الدكتور عن الزمان النفسى، الزمان النفسى حسبما عرَّفه هو لا حسبما عرفته أنا. ويبقى الزمان الوجودى، وهو غير مفهوم لأن الكلام فيه كلام عام ينقصه التحديد. ويبدو لى أن هذا التقسيم هو من بنيات أفكار أستاذى الدكتور، وإلا لجاء أفضل من ذلك وأدق وأوضح وأصوب. ورغم هذا كله فقد ذكر الأستاذ الدكتور فى موضع آخر من الكتاب أن “الموت يعنى وضع نهاية للزمن” (ص274). والسؤال هو: ألم يقل سيادته إن هناك زمنا أخرويا؟ فكيف يضع الموت نهاية للزمن، والزمن الأخروى إنما يأتى بعد الموت؟
وفى تعريف “الود” يقول الأستاذ الدكتور إنه “يعنى التمنى والرجاء، وهى أمنيات مستحيلة” (ص327)، خالطا بين “التمنى” و”الرجاء”، والأول يصعب أو يستحيل تحقيقه، أما الثانى فيسهل، لكن سيادته وضع التمنى والرجاء معا فى كفة واحدة، وجعلهما “أمنيات مستحيلة”. وهو مظهر آخر من مظاهر عدم الانضباط التعبيرى عند سيادته. وفى تعريف “العطاء” يقول إن “أعطى” معنى بديهى (ص329). ولا أدرى كيف يكون معنى من المعانى بديهيا، ومعنى آخر غير بديهى. ألا يمكن أن يكون هناك إنسان لا يعرف لتلك الكلمة هذا المعنى؟ ممكن جدا. فالطفل فى بداية تعلمه الكلام لا يعرف لهذه الكلمة معنى. ومتعلم العربية المبتدئ لا يعرفها أيضا… وهكذا. فليس فى الأمر بداهة بل تعلم. فإذا كان الشخص قد تعلم هذه الكلمة فإنه سيعرف معناها، أما إذا لم يكن قد تعلمها فلن يعرف.

ولدن تعريف “الفزع والرعب والقشعريرة والرهبة” نجده يعرف كلا منها على نحو أو على آخر بالخوف مع الارتعاش: فالفزع هو الخوف المفاجئ أو الرعب، والرعب هو الخوف الشديد لدرجة الارتعاش، والقشعريرة هى الخوف الشديد إلى درجة الرعب والارتعاش والرجفة، والرهبة هى الخوف الشديد مع الارتعاش (ص65- 367). فإذا كان الأمر كذلك وكانت كل تلك الألفاظ لها نفس الدلالة فلماذا نعنى أنفسنا بتصنيفها وتعريفها؟ لقد كان يكفى فى هذه الحالة أن نوردها معا ونقول إنها كلها مترادفات وتعنى كذا. وينتهى الأمر عند هذا الحد. وقد لاحظت أنه يستعمل الضمير “هو” لكل كلمة من تلك الكلمات بما فيها الكلمات الثلاث المؤنثة، فيقول: “القشعريرة هو…”، “الرهبة هو…”.

وفى تعريف “الضرر” يقول إنه “يصيب الإنسان دون توقع مثل حوادث الطريق والجروح الباطنية، وقد نشأ علم الجراح لهذا السبب. وجلب المنفعة ودفع الضرر مقياس الإيمان بالإله… والصبر يمنع الضرر ويجلب المنفعة مثل الله” (373). ولكن من قال يا ترى إن الضرر يصيب الإنسان دون توقع؟ ثم إذا كان الضرر يقوم على المباغتة، إذ هو غير متوقع، فكيف يدفعه الإنسان، والدفع عنده يعد مقياسا للإيمان بالله؟ ثم من قال بأن جلب المنفعة ودفع الضرر هما مقياس الإيمان بالله؟ إذن فالبشر جميعا مؤمنون بالله إيمانا عظيما لأن البشر جميعا يعملون جهدهم على جلب المنفعة ودفع الضرر لأنفسهم. وهذا طبعا لا منطق فيه ولا عقل. وبالمثل كيف يكون الصبر مانعا للضرر وجالبا للمنفعة؟ لو قال الأستاذ الدكتور إن الصبر مع الإيمان مثلا من شأنه تخفيف الشعور بالحزن والسخط ومساعدة الشخص على التحمل وعدم الإحباط لضربنا له تعظيم سلام. على أن تشبيه الصبر بالله هو كلام لا محل له من الإعراب. إنما هو مجرد حشو تملأ به الصفحات.
وفى تعريفه لـ”السلوى” فى القرآن يقول سيادته: “السلوى حرفيا هو الفداء وتطييب الخاطر والمشاركة الوجدانية. وهى باستمرار مقرونة بالمنّ والطعام المنزل من السماء” (ص391). وواضح أنه يظن أنها هى التسلية مع أن السلوى هى الشعور الذى يحسه الشخص حين يسليه الآخرون مثلا، أما التسلية فهى ما يقوم به الآخرون من أجل تخفيف هذه الأحزان عنه. لكن الأستاذ الدكتور لا يعنى بهذه الدقائق التافهة. هذه واحدة، أما الثانية فتكمن فى أنه لا يعرف أن السلوى هنا لها معنى آخر تماما، وهى طائر السُّمَانَى أو قريب منه. فهى ليست شعورا بل طعاما كان الله سبحانه يرسله على بنى إسرائيل فى برية سيناء ومعه المن، وهو شىء يشبه العسل. هكذا قال المفسرون، وهكذا جاء فى العهد القديم. لكن الأستاذ الدكتور لا قرأ ما كتبه المفسرون ولا رجع إلى ما قاله الكتاب المقدس، بل اكتفى بـ”المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم”. ومن هنا امتلأ كتابه بالأخطاء العجيبة. وأما فى ص893 فيقول وهو بصدد الحديث عما ينزل من السماء إلى الأرض: “وبالإضافة إلى الماء تنزل الأشياء المحددة كالمن والسلوى والأنعام والخزائن أو العامة كالرزق. والتنزيل للمن والسلوى كما كان الحال عند بنى إسرائيل. وهو ثمرة تنبت بأشجار العراق”. فما هى الثمرة التى تنبت بأشجار العراق؟ لقد كان الكلام عن المن والسلوى، فهل هما معا الثمرة المقصودة؟ لكنهما شيئان اثنان لا واحد، فكيف يقول: “وهى ثمرة” ولم يقل: “وهما ثمرتان”؟ أم هل هو يقصد “السلوى” فقط على اعتبار أنها أقرب مذكور للضمير: “هى”؟ لكن هل السلوى ثمرة تنبتها الأشجار؟ إنها طائر. أم هل هى المن؟ لكن هل يصح أن يعود الضمير بغتة على أبعد مذكور؟ ثم ما معنى أن شيئا ما هو ثمرة تنبت بأشجار العراق: هكذا بإطلاق؟ إن معنى ذلك أن هذه الثمرة، أيا كانت، تنبت فى كل أشجار العراق؟ فأية ثمرة هذه؟ ثم لو أننا استبعدنا السلوى باعتبار أنها طائر، وركزنا على المن رغم أن اللغة لا تسمح بذلك كما وضحنا فهل المن ثمرة تنبت فى الأشجار؟

فى مادة “المن” بـ”دائرة المعارف الكتابية” نقرأ أن “المن هو الطعام الذى أمد به الله بطريقة معجزة بنى إسرائيل فى برية سيناء. وقد بدا فى أول ظهوره “مثل قشور دقيق كالجليد على الأرض”. فلما رأى بنو إسرائيل قالوا بعضهم لبعض: “من هو؟”. ومن هنا جاءت تسميته بـ”المن” (خر 16: 14 و15). “وكان كبزر الكزبرة، ومنظره كمنظر المقل” (عد 11: 7)، أما طعمه فكان “كرقاق بعسل” (خر 16: 13)، أو كطعم “قطائف بزيت” (عد 11: 8)…”.
وفى تعريف “الصَّرْع” يقول الأستاذ الدكتور: “هى نتيجة سلبية لفعل. أى أنه انفعال. وقد ورد اللفظ مرة واحدة… ويرى الناس صَرْعَى كأنهم أعجاز نخل خاوية” (ص396). والإشارة فى الكلام إلى قوله جل شأنه عن قوم عاد حين أرسل عليهم الريح العقيم: “فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية”. وكما يرى القارئ فالأستاذ الدكتور يظن أن قوم عاد قد أصابهم الصرع بينما الصواب هو أنهم كانوا صَرْعَى، بمعنى “هَلْكَى”. أى أن هذا المعنى الواضح تمام الوضوح قد غاب عن سيادته. والسبب هو أنه لا يقرأ كتب التفسير والمعاجم والتاريخ بل ينظر فى “المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم” ويكتب دون تردد أو مراجعة أو تحقيق.
وعند تناوله تعريف “العَنَت” نقرأ ما يلى: “العنت هو العناد والرفض غير المعقول… والعنت موقف ذاتى، وهو موقف متصلب لا يستند إلى عقل أو إرادة حرة” (ص502). وإنى لأتساءل: من أين لسيادته بهذا الكلام الذى لم يرد فى أى كتاب؟ إن “العنت” هو المشقة والمعاناة، لكن سيادته يحولها إلى العناد والرفض غير المعقول. والآيات التى استشهد بها فى الهامش تقول هذا فى منتهى الوضوح. ومنها “لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا. ودوا ما عَنِتُّم”. أى ودوا لكم المعاناة والتعب. “لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم”، أى يؤلمه أن يراكم تعانون وتتألمون، فهو يعمل بكل طاقته من أجل إزالة هذا العنت. “ذلك لمن خشى العنت منكم”. والمعنى أن بمكنة الرجل الذى لا يستطيع الزواج من مُحْصَنة اتخاذ امرأة من ملك اليمين ما دام لا يمكنه العيش بدون امرأة فى معاناة ومشقة. وكالعادة لا يحب الأستاذ الدكتور أن يغادر الموضوع دون اجتراح أخطاء أخرى فادحة، فنراه يستشهد، ضمن استشهاداته عن “العنت”، بقوله عز وجل عن البشر يوم القيامة: “وعَنَتِ الوجوهُ للحى القيوم”، أى خضعتْ واستسلمتْ. وهو معنى معاكس تماما لتعريفه للعنت كما هو واضح. كما أن هذا الفعل ليس من الجذر: “ع ن ت” بل من الجذر: “ع ن و”. ولكن د. حنفى ظن أن “عنت” فى “عنت الوجوه للحى القيوم” هو نفسه “العنت” رغم أن “عنت” الأولى فعل ماض من “عنا يعنو”، والثانية مصدر من “عنت يعنت”.
وفى تعريفه للنفاق يقول سيادته: “النفاق لا يضاف إلى ضمائر الملكية لأنه لا يمتلكه أحد، فهى صفة طارئة، سلوك وقتى” (ص514). وكلنا يعرف أن اللغة العربية ليس فيها شىء اسمه “ضمائر الملكية”، بل الذى فيها هو الضمائر المتصلة والضمائر المنفصلة. والإضافة لا تعنى أبدا بالضرورة أن المضاف مملوك للمضاف إليه، بل لها معان عدة سوف نتطرق إليها بعد قليل. وحتى عندما تكون للملكية فكثيرا ما تكون طارئة كقولنا: “ثوبك، وساعتك، ونقودك”، إذ ما أسرع ما يتمزق الثوب أو يبلى أو يعطيه صاحبه لفقير مثلا فلا يعود ملكا له. ومثل ذلك قولنا: “رئاسة أحمد للوزارة أو وكالته للكلية أو أوليته على رصفائه”، إذ لا أحد يبقى رئيسا للوزارة ولا وكيلا للكلية ولا الأول على أنداده على الدوام. وأما أنواع الإضافة فنمثل لها على سبيل التقريب بـ”سيارة أيمن” (إضافة تدل على الملكية)، “شعر الرأس” (تدل على الجزئية)، و”مكر الليل والنهار” (تدل على الظرفية)، “مباراة برج العرب” (تدل على المكانية)، “كتاب التاريخ” (تدل على التصنيف)، “ضاربُ الولدِ” (تدل على الفاعلية)، “مشروب الأغنياء” (تدل على المفعولية)، “ذكاء سعيد” (تدل على الصفة)، “شعار الشيوعيين” (تدل على الانتماء)، “شيوعية الصين” (تدل على النوع)، “إسهال فيروس كورونا” (تدل على السببية)، “ورد الخدود” (تدل على التشبيه)… وهكذا. وأخيرا هل هناك مانع من اللغة أو العقل يمنعنا أن نقول: “نفاقه رخيص” بإضافة النفاق إلى الضمير؟

ويعرف الأستاذ الدكتور “الأمة” تعريفا لا أدرى من أين أتى به، فهو يقول: “الأمة وعى جماعى… والأمة هى الأمة الإسلامية التى لم توجد بعد والتى يمكن أن توجد أو هى أمة بالتوارث أبا عن جد، ابنا عن أم” (ص742). وهو كلام غير قابل للفهم. فما معنى أن “الأمة”، وهى كيان من البشر، وعى جماعى؟ كيف توصف جماعة بأنها وعى؟ وما معنى “وعى جماعى”؟ إن الأمة تعى، أى يعى أفرادها، أنها تشكل كيانا واحدا على أساس اللغة مثلا والعادات والتقاليد والدين وما إلى هذا. أما أن تكون هى نفسها الوعى فهذا ما لا يمكننى أن أفهمه. ثم كيف أن الأمة هى الأمة الإسلامية التى لم تكن قد وجدت بعد، ولكنها يمكن أن توجد؟ وكيف تكون أمة بالتوارث؟

على أن ليس هذا لا يمثل كل ملاحظاتنا حول تفسير الأستاذ الدكتور وأسلوبه فى ذلك التفسير، بل هناك أيضا الغموض والتناقض والتهويم والتشوش الفكرى والربط بين أشياء لا علاقة لبعضها ببعض. يقول الأستاذ الدكتور فى أوائل الكتاب تحت عنوان “الجسم أو البدن أو الجسد”: “بالرغم من أن الجسم بداية نشأة الوعى الذاتى إلا أنه يعود حاملا للأفعال الشعورية فلا ينشأ الوعى الذاتى إلا فى جسم. وقد أصبح الجسم فى الفلسفة الغربية المعاصرة هو محور الأنا، وليس الفكر. فهو اللغة والحركة والحب والاتصال والحرب والسلام. فالجسم قادر على التعبير عن الحالات النفسية بل والدلالات العقلية. وفيه ينشأ الوعى الذاتى ويستمر تطور الوعى من خلاله، ويظل أداة للتعبير كما هو الحال فى التمثيل الإشارى الحركى: فن البانتوميم. والجسد لغةٌ مثل السؤال بالرأس عن التوقيت لغة الإشارة، فلا تحتاج إلى ألفاظ. تكفى حركات الجسد كما هو الحال فى لغة الصم والبكم. فالوعى الخالص تتعدد وسائل تعبيره بما فى ذلك لغة الإشارة. وللجسد لغة مثل عض الأنامل من الغيظ والندم. وهى أحيانا أكثر بلاغة من اللغة الصوتية. والجسم أو البدن هى نقطة البداية التى يشعر بها الطفل بعد الولادة. وقد استعمل اللفظان فى النص على قدر متساو. وهو ليس وعيا بالجسم لأن الوعى لم يتحقق بعد. والوعى لا يكون إلا فى جسم، والجسم لا يتحدث عن نفسه لأنه لا وعى له. والكلام من مظاهر الوعى. ويصبح الجسم موضوعا للحديث بعد نشأة الوعى الذاتى فى الإدراك الحسى. ويمكن وصف جسم الآخرين. ولم ترد ألفاظ الجسم أو الجسد كثيرا. فقد ذُكِر الجسد فى نطاق العجل الذى عبده بنو إسرائيل بعد أن غاب عنهم موسى: مرة بحليّهم أغلى ما لديهم، ولم يكونوا حسدا (جسدا) ولم يكونوا خالدين. ومرة له صوت حتى يكون كالمعبود الحى. وقد فتن سليمان بهذا الجسد ثم تاب وغُفِر له. والمعنى الثانى جسد الإنسان كدليل على الفناء. الأول بمعنى إيجابى: “بسطة فى العلم والجسم”، “وإذا رأيتهم تعجبك أجسادهم”. والثانى بمعنى سلبى: جسم كبير فى الظاهر لا يعنى شيئا. ولا يصل الأمر إلى قول أحد الفلاسفة الغربيين المعاصرين: “أنا جسدى” أو “أنا جسمى” كرد فعل على ثنائية النفس والبدن فى العصر الوسيط والديكارتية فى بداية العصور الحديثة الغربية. وقد ذكر لفظ “الجسم” مرتين: الأولى إيجابية كصفة للأنبياء ومقرونة بالعلم. فالجسم فارغ (فارع؟)، وصاحبه عالم. وهى صفة لوط فى قومه، وسبب اختياره نبيا وملكا عليهم بعد أن كان صفة الملك عليهم المال. والثانية سلبية صفة للمنافقين. وقد ظهر لفظ “الجسد” وهل (وهو؟) أقل اتصالا بالروح. وذكر أربع مرات. هو الجسد المزيف، الجسد المصنوع من ذهب. يصدر أصواتا عجلا أم إنسانا. والأنبياء ليسوا أجسادا لا تأكل ولا هم خالدون. فالجسم ليست له أهمية كبيرة، وليس كما هو الحال عند فلاسفة الغرب المعاصرين. وذكر لفظ “البدن” مرة واحدة فى مقابل الروح. والبدن هو الذى ينجو أو يهلك” (ص33- 35).

ونبدأ من تحت فنقول إن الاهتمام الشديد بالجسد ليس اتجاها عاما عند الفلاسفة الغربيين بل عند بعضهم فحسب. وقد ذكر الأستاذ الدكتور منهم جابريل مارسيل ليس إلا. فهذه واحدة. كما أن الجسد ليس شيئا لا قيمة له فى الإسلام: فالله سبحانه يمن علينا بألوان الطعام والشراب فى الدنيا والآخرة، وهى نعم مادية للجسد، ومعه الروح طبعا، فالإنسان لا يأكل فقط بل يأكل ويستمتع بالطعام. وبالمثل فإذا كانت هناك ضرورة جسدية أُخِذَتْ هذه الضرورة فى الاعتبار كما هو الحال عند الجوع الشديد وعدم وجود طعام مما يحل أكله للمسلم، ففى هذه الحالة يمكنه أكل لحم الخنزير أو الميتة حتى لا يهلك، ويمكنه شرب الخمر حتى لا يموت عطشا أو اختناقا بشىء وقف فى بلعومه ولا يجد حوله ما يسيغه به إلا أم الخبائث. وحين تكون المرأة حائضا مثلا أو نُفَسَاء سقطت عنها الصلاة. وحين يسمع المسلم الأذان وهو يتناول طعامه فعليه إتمام الأكل أولا ثم يذهب بعد ذلك للصلاة. وكان بدوى مسكين يتبول ذات مرة فى جانب المسجد، فصاح به الصحابة أَنْ يَكُفَّ عما يفعل، فنهاهم النبى عن إزعاجه حتى ينتهى من التبول كيلا يؤذوه إذا قطع بوله وحبسه. ويقول عليه السلام: “لا صلاة لحاقن” لنفس السبب. وإذا كان الصيام فوق طاقة الجسد حل للمسلم أن يفطر ويكفِّر عن إفطاره. ويقول النبى عليه السلام: “إن لبدنك عليك حقا” فى النوم الكافى والزواج وإشباع شهوة الجنس… وما إلى ذلك. وفى الإسلام أيضا لا يصح أن يجلس القاضى للفصل بين الخصوم وهو مرهق من شدة الحر أو عدم النوم الكافى أو الجوع أو العطش حتى لا يتأثر حكمه فلا يصيب فيه الحق. وحين يقضى الإنسان حاجته فإنه يحمد الله أن خلص جسده من الأذى. وينصح النبى أتباعه متى مرضوا أن يبحثوا لمرضهم عن دواء يزيله. ورأى الرسول عليه السلام رجلا قاعدا فى الشمس يعذب نفسه تقربا إلى الله فأنكر عليه ذلك أشد الإنكار وقال: “ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟”. والرهبانية ممنوعة فى الإسلام، وانتقد القرآن والحديث الأقوام السابقين الذين اتخذوها منهجا. وذكر القرآن أن الشهوات قد زُيِّن حبها لنفوس البشر. ومعناه أنها جزء من الطبيعة البشرية. وقال عليه السلام تنبيها على أنه يمارس بشريته إنه كما يصوم يفطر، وإنه يحب النساء. وكان أكله الطعام واتخاذه زوجة من أسباب استغراب المشركين فى مكة، فرد القرآن عليهم بأنه ليس بدعا من الرسل، فكلهم كانوا يأكلون ويشربون ويتزوجون، وأن من رغب عن سنته فليس منه فى شىء. وكان إذا أتاه رجل غير متسوك وأسنانه صفراء أو زرقاء أمره بالسواك، وإذا دخل عليه شخص غير ممتشط الشعر أمره بالامتشاط. بل لقد جعل السواك سنة من سنن الوضوء والصلاة وغيرهما، وقال فى المظهر الحسن: إن الله جميل يحب الجمال. ووضع المؤمن القوى فى مرتبة أعلى من مرتبة المؤمن الضعيف. وقال علىٌّ: لو كان الفقر رجلا لقتلته.

وليس هذا الاهتمام خاصا بجسد الإنسان فقط بل يشمل جسد الحيوان أيضا، فقد ورد فى الحديث أن امرأة دخلت النار فى هرة حبستها فلا هى أطعمتها ولا هى تركتها تبحث عن طعامها بنفسها فى جنبات الأرض، وأن مومسا أشفقت على كلب يلهث من شدة العطش فسقته بخفها، فغفر الله لها. كما نهى الرسول عن تعذيب الحيوان بأى شكل. وجعل صلى الله عليه وسلم زكاة على كل عضو من أعضاء الجسم كالسلامى والبراجم، وهى التسبيح والتحميد على هذه النعم التى أفاضها الله علينا. وهى، كما نرى، نعم جسدية.
والثانية أن سيادته ذكر لوطا وتملُّكه على قومه، والصواب طالوت لا لوط. والثالثة أنه استشهد مرتين بقوله تعالى: “وإذا رأيتَهم تعجبك أجسامهم”، الذى أخطأ فيه وقال: “تعجبك أجسادهم” (بالدال لا بالميم): مرة بوصفه دليلا على إيجابية الجسد، ومرة أخرى عقب ذلك مباشرة بوصفه دليلا سلبيا، إذ الظاهر فخم ضخم، والباطن خاو تافه. وهذه من سمات تفكير الأستاذ الدكتور، إذ لا شىء واضح عنده، فهو يكره التحقيق والتدقيق فيكتب كل ما يخطر على بال قلمه. والرابعة أنه لا يرسو على بر فيما يخص علاقة الوعى بالجسد، فنراه يقول الشىء ثم يعود فينقضه، ثم يعود فيثبته… كل ذلك فى لغة سائلة لا قوام لها.

أما قوله، عقب حديثه عن العجل الذى عبده قوم موسى فى غيابه، إن سليمان فتن بذلك الجسد، فهو كلام خاطئ، إذ لم يفتن سليمان بذلك الجسد، بل قال القرآن: “ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب”، والمفسرون لا يعرفون بالضبط طبيعة ذلك الجسد، بينما يوحى كلام الأستاذ الدكتور بما يسىء إلى سليمان عليه السلام. ثم إن قوله عن عبدة العجل إنهم لم يكونوا جسدا ولم يكونوا خالدين فلا أدرى من أى واد أتى به سيادته. صحيح أننا نقرأ فى القرآن: “وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين”، لكن المقصود هم الأنبياء والرسل، الذين كان المشركون يتحججون بأنهم لا يصح أن يأكلوا الطعام، فقال لهم الله سبحانه إنه لا يعقل أن يكون للرسل أجسام ثم لا يأكلون أو لا يموتون. وهو، كما ترى، لا صلة بينه وبين قوم موسى على الإطلاق. ومعنى هذا أن الأستاذ الدكتور يطلق قلمه يكتب ما يعن له دون أن يراجعه. وأما قوله عن الجسد إنه هو الذى ينجو أو يهلك فكلام غير مفهوم. فالنجاة تشمل الإنسان كله، أما الإشارة فى قوله تعالى عن فرعون موسى: “فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية” فالمراد أن الله سبحانه أراد ألا يضيع جسد فرعون وتأكله الأسماك بل أن يحمله الموج إلى الشاطئ حتى يكون عبرة لقومه، الذين كانوا يعبدونه فيروا عجزه وهوانه وموته بأعينهم عن قرب. فهذا غير ذاك.

ويتبقى كلامه عن الموقع الذى يحتله الجسد فى فكر بعض الفلاسفة المعاصرين واستشهاده بكلمة مارسيل: “أنا جسدى”. وكنت أحب أن يحلل هذا الرأى لنرى موقفه من تلك الفلسفة، ولكنه ضرب عن ذلك صفحا. والحق أن الإنسان ليس جسده فقط بل جسده وروحه، وإلا فمتى فارقت الروح (أو ما نسميه: “الروح”) الجسد فساعتئذ لا قيمة للجسد البتة، إذ لا إحساس ولا فكر ولا حركة ولا كلام ولا أكل ولا شرب، بل ويتحلل ويصير ترابا. فها هو ذا الجسد البشرى أمامنا هامدا جامدا ثم متحللا إلى تراب لا يصلح لشىء بدون الروح التى كانت ترافقه. ومعروف أنه كثيرا ما يكون القائد فى مجموعة ما أضعفهم جسدا لكنه أقواهم روحا وعزيمة. وكم من جاهل ضخم الجسد، وصحته حديد، ومع هذا لا يساوى شيئا إزاء عالم ضئيل الجسد ضعيف الصحة. وكان عبد الله بن مسعود رضى الله عنه ضئيل الجسم مما بعث بعض الصحابة على السخرية منه، فما كان من رسول الله إلا أن تدخل قائلا: إن عبد الله صغير فى جسمه، كبير فى دينه. وكان القاضى الفاضل ذا حدبة، ومع هذا كانت له كلمة مسموعة فى الدولة، وكانت لرسائله الديوانية تأثير هائل فى تسيير أمور الدولة وانتصار جيوش صلاح الدين، وكان صلاح الدين لهذا يجله ويحترمه ويرفعه مكانا عليا رغم افتقار شكله إلى الوسامة. والأمم المستعمرة تسيطر على عدد من الأمم بجيش صغير وأعداد من الإداريين قليلة. وكما قال جمال الدين الأفغانى فلو أن الأمم المحتلة قامت وبصقت على محتلى أراضيها لأغرقتهم فى بصاقها. ولكنها رغم ذلك لا تفعل رغم كثرة مواطنيها، أى كثرة أجسادهم أضعاف أجساد محتليها. والعبرة الحاسمة ليست فى الجسد رغم أهميته، بل هو يتبع العقل والنفس والضمير. فهو كالعبد بالنسبة لسيده. صحيح أن الإحساس يبدأ من الحواس، وهى أعضاء من أعضاء الجسد، لكن دورها إمداد العقل بالمعلومات الخام فيقوم العقل بتوظيفها واستغلالها ويصدر أوامره إلى عناصر الشخصية المختلفة ليؤدى كل منها دوره مستعينا بتلك المعلومات الأولية التى لا يستطيع الجسد فى حد ذاته أن يفيد منها فى قليل أو كثير. فالجسد بدون روح، أى بدون العقل والنفس والضمير، مادة مصمتة. وقد كانت أوربا فى العصور الوسطى تقمع الجسد وتنكره وتدعو إلى إماتته جريا مع الرهبنة النصرانية. فكان هذا الموقف الجديد رد فعل على ذلك الفهم الخاطئ لطبيعة الجسد ودوره فى الحياة. أما فى الإسلام فهذا الاتجاه محرَّم ومجرَّم. وللجسد، طبقا لما أخبرنا به الرسول وما نراه فى الحياة، حق علينا، وإهماله يؤدى إلى أوخم العواقب. والإنسان بشقيه معا: الجسد والروح، لكن للروح الأولوية والرئاسة فى كيان الإنسان.

وخذ هذا النص أيضا من كتاب الأستاذ الدكتور وحاول أن تفهمه وقل لى ما معناه، فإنى عاجز عن الفهم: “فالإصطفاء لا يكون إلا للطاهر. فكل مصطفى طاهر، وليس كل طاهر مصطفى. فالإصطفاء درجة بعد التطهير. ومريم مصطفاة قبليا، ولكن نساء النبى مصطفات بعديا بجهد ومشقة وعزيمة أخلاقية. فإن لم تفعل يضاعف لهن العذاب لأنهن عندما يطلَّقن يفقدن النموذج. ولا يجوز أن يتزوجن النبى معهن حتى لا يتزوجن غيره أو يظللن عوانس بلا زواج حتى ولو كان فى ذلك قسوة عليهن” (ص57).

ويا ليته توقف هنا فلم يضف الكلام العجيب التالى عقب ذلك مباشرة: “فاحترام أزواج النبى جزء من احترامه، ولا يشهّر بهن المشركون بأنهم نالوا أزواجه كما هو الحال فى غنائم الحروب، وذلك منعا لادعاء النبوة من الزوج الجديد بعده اعتمادا على معلومات مُدَّعاة من الزوج القديم. والحديث عن نكاح الزوجة وكأنه بيد الرجل ولا رأى لزوجة الرسول فيه وكأنها أقرب إلى الإرث مع أن الزوجة احتراما للنبى ترفض الارتباط بغيره حتى ولو كان من أشراف القوم أو كبير الصحابة” (ص57- 58). ترى ما معنى تشهير المشركين بأنهم نالوا زوجات الرسول كما هو الحال فى غنائم الحروب؟ واضح أن هذا الاحتمال لم يكن مطروحا على نطاق البحث البتة، بما يدل على أن القرآن من عند رب العالمين، إذ حرم على المسلم أن يفكر فى نكاح أى من زوجاته عليه السلام ولم يتطرق الكلام إلى المشركين من بعيد أو قريب، وهو ما يفيد أن ذلك لن يحدث، وهو فعلا لم يحدث. فكيف نقل الأستاذ الدكتور الكلام من تحريم زوجات النبى على المسلمين إلى الكلام عن سبى المشركين لهن. وبالمناسبة فوضع خصوم القبيلة اليد على النساء فى الحروب عند هزيمة قومهن هو سبى لا غنائم كما جاء فى كلام د. حسن حنفى، وهو ما يشير إلى أن الأمور والأفكار والمعانى والمصطلحات غائمة ومضطربة ومختلطة عنده.

ثم كيف يكون مقصد الآية الكريمة هو ما يزعمه د. حنفى، والمشركون لن يسلِّموا بالمنع لأنهم لا يؤمنون بأن القرآن وحى سماوى، ومن ثم لن يلتزموا بأوامره أو نواهيه؟ ثم لقد ضحكتُ كثيرا من التعليل الذى لا يمكن أن يطرأ إلا على ذهن الأستاذ الدكتور، وهو الخشية من أن تبوح زوجة النبى لمن يتزوجها بأسرار النبوة، وكأن النبوة صنعة لها أسرارها متى ألم بها أى شخص وحازها صار نبيا فى الحال. بالله أهذا كلام يقوله مسلم؟ أم هل يقول المسلم إن تحريم الزواج بنساء النبى بعد وفاته هو بمثابة وراثة لهن؟ إن تحريم الزواج بأمهات المؤمنين ليس توريثا لهن، وإلا فمن الوارث؟ إن الأستاذ الدكتور يقول أى كلام يخطر لسن قلمه دون تمعن. كما أن فى الكلام ركاكة، تتمثل فى قوله: “حتى ولو كان (الزوج) من أشراف القوم أو كبير الصحابة”. وكان المتوقع أن يقال: “أو من كبار الصحابة” وليس “كبير الصحابة”.

وبعد، فقد كانت هذه بعض الملاحظات المنهجية حول “التفسير الموضوعى” الذى كتبه د. حسن حنفى، أطال الله عمره. وأرجو أن يكون فيها بعض النفع. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بولس الرَّسول: رائد دعوة التَّبشير أم مؤسِّس المسيحيَّة؟ 3من 3

د. محمد عبد المحسن مصطفى عبد الرحمن أكاديمي مصري. انطلاق دعوة التَّبشير بملكوت …