أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / قصة بورتسودان وكسلا… سيمفونية الإخاء الخالدة!

قصة بورتسودان وكسلا… سيمفونية الإخاء الخالدة!

الحسن محمد عثمان

مدوّن سوداني
عرض مقالات الكاتب

كان لقائي به للمرة الأولى في أحد أزقة “ديم المدينة” في بورتسودان رفقة أحد أصدقائي الذي كان زميلا له في المرحلة الثانوية وجمع بينهما الكثير من الود والإخاء فهما صديقان مقربان ،عرفني عليه صديقي وحدثه عني و وصفني ب”ود كسلا الوريفة” ، تبسم صديقه وتحدث عن علاقته بكسلا وزياراته المتكررة لها حين يشتد هجير الصيف الذي لا يرحم أهل “بورتسودان” فينتشرون في شتى أصقاع السودان ، حدثني عن حبه للقاش وأمسيات قضاها رفقة أقاربه في “توتيل” ، مضت أشهر كثيرة وعدت مرة أخرى إلى بورتسودان جمعني به لقاء آخر رفقة صديقي الذي جمع بيننا في المرة الأولى كان النقاش في هذه المرة مختلفا عن السابق فالأول لم تكن فيه أحاديث عن السياسة وتطوراتها إلا القليل المقتضب عن الثورة وضرورة تكاتف الشعب للنهوض بالوطن من جديد بعد عقود الدمار والفساد ، بدأ صديقي النقاش وأشار إلى الاحتقان القبلي في شرق السودان قائلا :”ربنا يصلح بين أهلنا ويجنبهم الفتنة” ، حينها لاحظت سكونا اعترى صديقه وكأنه يفكر في أمر يقلقه قد تملكه حتى أنه نسي موقعه وذهب بخياله بعيدا يفكر في السوء الذي تعاني منه مدينته وكيف سيخرج أهلها من أتون الصراع القبلي الذي وجدوا أنفسهم فيه دونما مقدمات وبشكل سيء ، باغته صديقي بسؤال عن حاله وما الذي جعله شاردا هكذا ، تحدث وقد بدا على عينيه شيء من الحزن عن الأزمة ووصفها بالفتنة الدخيلة على مجتمع الشرق المترابط ، أضاف متسائلا عن هدف هذه الصراعات وهل هي صراعات لأجل أسباب مفهومة ؟ ، فهي ليست إلا شرخا بين إخوة جمعت بينهم هذه الأرض المعطاءة التي اشتركوا فيها على مضى أعوام كثيرة لم تمنعهم هذه الأرض من فيضها وكرمها فهم تمسكوا بوحدتهم وبإخائهم رغم تعاقب الأنظمة عليهم سواء أكانت مستعمرة أو وطنية ، اتحدوا ولم يتخلوا عن هذا الإخاء الذي عرفوا به وعرفهم به القاصي والداني ، أضاف قائلا: أنا من أسرة فيها كل هذا التنوع فوالدتي من “البني عامر” ووالدي من “الهدندوة” ومضى قائلا: لم أشعر يوما بفرق بين القبيلتين فوالداي ربياني على الود الذي رأيته بينهما وبين أهلي جميعا ، بين أنه يسعد بتراث أهله البني عامر عندما يشترك في لقاءاتهم الجامعة كما يفرح بتراث أهله الهدندوة ،يعتز بإجادته للسان “التقرايت” مثلما يعتز ب”البداويت” ، لم يسمع عن حرب ولم ير من الطرفين “كرها” و”بغضا” ، تجمع بينهم المدارس والأسواق ، وكل المؤسسات ، يعتزون بتراثهم المشترك فهم يرتدون زيا واحدا ولا يكاد أحد يميز بينهم فالملامح لا فرق بينها إلا القليل ، تحدث عن الأزمة في بورتسودان وكسلا وقال إنه حزين على الاصطفاف القبلي والخطاب العنصري ، وبين أن أمثاله يجب عليهم أن يقربوا وجهات النظر لا أن يكونوا وقودا لصراع تدعمه وتغذيه مجموعات وصفها ب”المجرمة” وتساءل عن مصلحة أبناء الشرق من هذا الخلاف الذي أدخلهم فيه فلول النظام ومن اتبع نهجهم من ذوي النفوس التي وصفها بالمريضة التي تعشق الدماء ،قال جملة وجدت فيها وصفا دقيقا لأزمة الشرق “ستصمت الدولة حين تتقاتلون فيما بينكم ، لكن عندما تعارضون مصلحتها وقراراتها فلن تجدوا منها سوى الرصاص” ، إذ به يشير إلى مجزرة 15 أكتوبر في كسلا وأزمة الاحتقان القبلي الذي رافق قرار إقالة والي كسلا صالح عمار وأدى لمقتل وجرح العشرات في بورتسودان وسواكن ، صمت قليلا ولم يكمل حينها باغته صديقي و ربت على كتفه وحدثه صديقي عن بورتسودان التي جمعت منذ القدم مختلف الجنسيات من الشرق والغرب عربا وأعاجم لكنها لم تعرف خطابا عنصريا أو صراعا بين مكوناتها رغم الاختلاف والتنوع الشاسع بين أبنائها الذين جمعتهم هذه الأرض وكانوا خير سكان لها ، مضى صديقي موجها حديثه لصديقنا المشترك الذي كان يتحدث بحزن عميق وأسى على مآلات الأوضاع في بورتسودان وكسلا ، حدثه عن أهمية الاتحاد لمواجهة التعصب الأعمى للقبيلة و التكاتف لمنع ذوي المآرب السيئة من استغلال أبناء قبائلهم وإقحامهم في أزمات لا نهاية لها ، وأسهب مذكرا بالبعد الديني الرافض لهذا التعصب و ذكر قول الرسول –صلَّى الله عليه وسلَّم- في الحديث الشريف: “مَن قُتِلَ تَحْتَ رايَةٍ عِمِّيَّةٍ، يَدْعُو عَصَبِيَّةً، أوْ يَنْصُرُ عَصَبِيَّةً، فقِتْلَةٌ جاهِلِيَّةٌ” ، وفي ذلك تأكيد عظيم على رفض هذه الممارسات التي لا ينبغي لأهل كسلا وبورتسودان أن ينخرطوا فيها وهم الذين تساموا طوال عقود من الزمن عن الخوض فيها وعرفوا بكونهم جسدا واحدا متماسكا ، ذكر صديقي مثالا على تآلف أهل كسلا مستشهدا بحفل أقامته فرقة “نوبية” احتفالا بزواج صديقهم الذي ينتمي للبني عامر ، وهي أمثلة تعبر عن حقيقة الشعب بعيدا الفتنة التي ترعاها جهات مخربة لا هم لها سوى إشعال نار القتل والحقد والكراهية ، مضت على حوارنا ساعات وانصرفنا واتفق الجميع على التلاقي مرة أخرى وكلنا أمل على أن يكون لقاؤنا القادم ابتهاجا بزوال الاحتقان القبلي ونهاية الخطاب العنصري ، قلنا وداعا وفي ذاكرتنا الكثير لم نبح به وننتظر أن يأتي وقت يزول فيه السوء الاعتراضي ويحاسب فيه كل من قتل بريئا وكل من حرض على الابرياء وكل من استعاض عن الوطن بالعصبية القبلية الضيقة !

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

في مأرب يتخلق تاريخ جديد لليمن المعاصر

د. أحمد عبيد بن دغر رئيس مجلس الشورى اليمني من ينتظرون سقوط مأرب …