أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / الأتراك والعرب: العقلانية في آفاق الساحة الدولية

الأتراك والعرب: العقلانية في آفاق الساحة الدولية

ربيع الحافظ – Daily Sabah

ترجمه عن الإنكليزية:

أنس حافظ

باحث وكاتب في العلاقات الاستراتيجية التركية العربية والدراسات العثمانية
عرض مقالات الكاتب

لما بعد ترسيم الدول الشرق أوسطية وعلى أكبر شريحة على الخارطة السياسية، تظهر المنطقة اليوم مكشوفة خالية من مدافع تحميها أو أحد يحمي هويتها، فتنتج لذلك المدارس الفكرية بتنوع أطيافها الأيدولوجية.

بادئ ذي بدء

يعود الفضل للثراء السياسي التي تتمتع به الدول الحديثة إلى مثقفي السياسة الناضجين، وقد قطعت تركيا مسافة طويلة على مدارالسنوات الأخيرة بقفزات كبيرة وعلى كافة الاتجاهات.

ومن وجهة النظر في الأقاليم العربية، نجد تركيا متفوقة وبمسافات كبير بالمقارنة مع كافة أخواتها وجيرانها، كما تعد آخر دولة ذات مجتمع يجسد قيم المنطقة بألوانها السياسية والاجتماعية والدينية معاً. 

إن قواعد القيم ؛ والتي من دونها ستكون الدولة التركية مجرد نظريات تبقى في الكتب المدرسية ،على الرغم من أنها تجربة حية على أرض الواقع، إضافةً لذلك أنها مسألة حرجة وبالأخص وسط صراع أيديولجي محصور بين نموذجي الدولة والطائفية، وتلك الحالة توضح دوراً إقليمياً على المستوى الذي يخسر فيه الغرب على أرض الواقع ،  بالرغم من كل هذا ينبغي على تركيا كسب معركة الصراع أولاً.

الانحدار وسقوط الدولة

في المعركة الأولى، وهي أن الممثلين الأتراك (البعثات الدبلوماسية) ينبغي التعامل معهم بالتساوي وذلك لكونهم مثلاً ممثلي لنظام سياسي واجتماعي تؤديه المنطقة، والذي يمنحهم الحق في تولي دور تركه غيرهم بشكل شرعي (راعٍ للهوية الإقليمية).

وفي الشرق الأوسط ، يُعاد تقسيمها يشكل أوسع امتدادًا على الخريطة السياسية ،وتتعرى من أي مدافع لسياستها أو هويتها، ونتيجة لذلك، فإنّ هذا الفراغ ينشئ مدارس فكرية تحتوي على كافة الأطياف الأيديولوجية.  

وتحتاج تركيا كي تأمن الاعتراف بمكانتها الإقليمية في المجال الدولي واستعادة مكانتها “الوصاية الثقافية” للمنطقة التي أصبحت في وقتنا الحالي ناضجة، وعليها أن تتجنب أن تصبح بعثاتها الدبلوماسية أضرحة (في مثال شبيه لمعاملة سفارات الإتحاد السوفيتي السابق من قبل الدول الشيوعية)، فلذا ينبغي تحاشي الوقوع بنفس المنزلق السوفيتي، وجديرًا بالذكر، فإنه ليس من الممكن على تركيا اجتياز تلك المهمة الصعبة بمفردها.  

والأمر الثاني ، يتعلق بالدور المحوري الذي ينتظر الأذرع الثقافية للبعثات الدبلوماسية التركية بالتنسيق مع نظرائهم العرب (وبالأخص الدول العربية الأكثر تقرباً) إلى جانب استخدام إعلامي عربي جبار وتواصله الحيوي العربي والعالمي، وسوف يكون للدور المشترك القدرة على توفير المنصة التي تشتد الحاجة إليها لأي توجه فكري تركي-عربي ذي انسياقات الطبيعية الحقيقية.  

بهذه الانسياقات سوف تدفع القدرة على اختراق أقسام مهمة من المجتمع الغربي، على المستوى السياسي والأكاديمي والإجتماعي.

كما ويمكن للأماكن الفكرية البارزة أن تكون منصات طبيعية لأعمال بناء الحضارة الجماعية التي لا مثيل لها في العصر الحديث، مثل جامعات كامبردج وأكسفورد وتشاتام هاوس والمعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI) البريطاني ،والتي غاب عنها بشدة ولكنها لم يتم تقديمها من قبل الغرب في المجتمع الفكري.

كذلك ينبغي التذكير في شبكات الأخبار الأقل جاذبية مثل BBC والتي سيكون لديها قصص جديرة بالثقة لتروى لجمهورها (المشوش) بشكل متزايد حول واقع العالم الإسلامي في العقود القادمة. وبه أن الدافع التركي-العربي سوف ينطلق في أعماق المجتمع الغربي أكثر سلاسة.   

ومنه تتحدد ثلاث حقائق

تحتاج تركيا للعب دور رائد في الشرق الأوسط، ويسعى مواطنو المنطقة إلى عرض حقيقي لثقافتهم على المسرح الدولي، فالمجتمعات الغربية ذات الاهتمامات المختلفة تبحث عن صورة حقيقية للشرق الإسلامي، وتشعر أنها تفقد الكثير من خلال وسائل الإعلام الخاصة لديها.

وفي الحقائق الثلاث، ولو أنها كانت مختلفة بعضها عن البعض، فهي تتمثل في المتطلبات الأساسية لمشروع إقليمي-دولي قابل للتطبيق، والقاسم المشترك بين الثلاث هوغياب المفهوم الفكري، وهذا ما يشرح كيف أن تضارب المصالح لا يؤدي إلى جهود مشتركة.

إن ماضي تركيا (أي الإمبرطورية العثمانية) والوضع السياسي والإجتماعي الحديث ،هما مفتاحا المفاهيم الفكرية الغائبة، وتنطلق من مصدرين رئيسيين: المجال والأفلام الوثائقية للمجتمع التركي المعاصر والارشيف العثماني. وهي عبارة عن رسم خرائط يومية للحياة الاجتماعية وهيكل المجتمع العثماني، والذي كانت المنطقة جزءًا منه، ومن ثم، فإن تركيا اليوم سوف تخاطب جمهوريين، من طبقة النخبة، وطبقة العامة، وتلك الطبقة العامة، تندمج بمجتمعات الشرق الأوسط والمجتمعات الإسلامية في الغرب. كما وترتبط معظم القضايا العميقة التي يواجهها الغرب مع مجتمعاته الإسلامية بمفاهيم مرتبطة بغياب دولة إسلامية نموذجية. 

ولكن لم يحدث مما سبق في أي نطاق مناسب، وفي الواقع، لن تتحقق هذه الأهداف حتى يتم تمهيد الطريق أمام السياسيين في الداخل والدبلوماسيين في البعثات الخارجية والذي يجابه حالياً اقتحام الأيديلوجية القديمة، لكنه يمهد الطريق إلى البعثات الدبلوماسية جنباً إلى جنب مع مراكز الفكر والجامعات والمنظمات الغير حكومية، وإثارة مجرى المياه الفكرية الراكدة  وإطلاق الحوارات الفكرية المثمرة.   

كما ولن يتم ترك مساحات لتقاسمها تحت ضغوط لغة السلاح والبارود، التي تملي مسار الصناعات السياسية في المنتديات والمؤتمرات الغربية والتي تبقى منازعات فكرية. 

وعلى ما سبق يحدث تطوران رئيسيان:

هما الإعلان الرسمي للمجتمع الأوربي عن فشل التعددية الثقافية.

والثاني اعتراف المجتمع الأوربي بأن بقاء الأمن لا يمكن أن يستمر مع حدودها المحاصرة بالحطام الاجتماعي، إن إصلاح مجتمع الشرق المتحطم هو رغبة أوربا ومالا تستطيع النيل منه بمفردها. 

توحيد المثقفين والسياسيين في أوقات الأزمات ليس بالغريب على ثقافة الشرق الأوسط، ففي عام 1180م كان الحماة للمنطقة، خليط الأتراك والسلاجقة والعرب العباسيون، كما كانوا منشغلين بمحاولة الخروج من المآزق والمشاكل السياسية والاجتماعية التي تشترك في أوجه التشابه؛ ونفس الأعراض والنتائج ذاتها التي نشهدها في أيامنا هذه.

وشرعت الكتلتان في تحالف سياسي وفكري عرف وقتها باسم المدارس النظامية بهدف نفي نظام أيديولوجي نتج عنه الاحتلال الفارسي للعراق، وأدى إلى تأثير كبير على مناحي الحياة في المنطقة.

وحقق التحالف عدة أهداف، ومنها إعادة دور المثقفين (والذي يجمع النخبة الحاكمة وعامة الشعب) وفتح قنوات الاتصال بين هرم الطبقة الحاكمة وبقية الشريحة الشعبية، وبالرغم من ذلك، كانت أهم الأهدف تمكين الدولة من العمل في نهج “من الأسفل إلى الأعلى”، لكن الدولة استعادت السيطرة على زمام الشارع في النهاية، وتم القضاء على أصعب حلقات تلك الحقبة من التخاطب الفكري.  

تعافي الرجل المريض

تمثل المدارس النظامية “Nizamiyya Madrasas” ما يشبه المعهد الذي يوّجه للمهام ويديره متطوعون بهيكل أفقي واسع، والشكل الأول للمنظمات غير الحكومية في تاريخ علم الاجتماع لدى العثمانيون، والذين كانوا امتداداً للنظام السلجوقي-العباسي، كما وأخذوا تطور التعددية الثقافية وحولوها إلى تشريعات ولدت المواطنة العثمانية بمفهومها المعاصر، وأضيف فصل جديد للمسيرة الطولية لبناء الدولة.

صورت الأحداث الضخمة التي هزت العالم في الآوانة الأخيرة الأفكار المتعاقبة على أنها مبنية من أبراج مصنعة من العاج، وعلى النقيض من طبيعتها ومهامها خلال الفترات المضطربة، فشلت الأحداث إظهار اللون الحقيقي للمواطن الذي فشل بدوره من إدراك الغرض من الرحلة بالنسبة لهم، كما أن مؤسسات الفكر والرأي متمثلةً بالمستشارين للحكومات، هي، وإن وجدت، مؤلفون مشاركون للمفهوم المشوه الذي تنقل من خلاله كافة الحكومات، والعديد من القصص والمعاهدات الفكرية البارزة لا يمكن أن ترويها الصحافة العامة.

وعلى الرغم من ذلك فليس من الصعب حل هذا اللغز، إن تبادل البيانات الميدانية التي لا يقدر بثمن مع الكتب المدرسية أو الإنترنت يخلق العديد من الدروب بين الرؤى والواقع، في أوائل القرن العشرين، نصحت السيدة (Bell) إلى المستشعر الميداني للمنطقة لآلة استراتيجية بريطانية، والتي أمرت بمعرفة تفصيلية وشاملة لمنطقة الجزيرة العربية (تضمنت معرفة تفصيلية لكلٍ من اللغة، القبائل، الطوائف والتقاليد وغيرها) وأنه لصلح محمية قابلة للحياة، كما نصحت أنه لكي تبني تركيا ينبغي عليها أن تعيد عملية البناء بمثل عملية بناء العراق الحديث وبنفس الأحجار التي ساعد الإنكليز فيها هدم الخلافة العثمانية بها.

وعلى الرغم من خروجهم عن مسارهم وحرمانهم من مناطق ثقافتهم، فإن المسلمين السنة، والذين كانوا على رأس إدراة العراق العثماني-العربي، استمروا في تطبيق خبراتهم الإدارية التي امتدت لقرون، وانسحبوا من بين الأنقاض ليشكلوا واحداً من أكثر المجتمعات نجاحاً وتلوناً في الشرق الأوسط، وعليه نرى أن معظم المجتمعات العربية المعاصرة تحمل نفس سمات المجتمع الإقليمي الأكبر.

وعلى مسافة من الزمان، ظهرت رؤى متعاقبة لمراكز البحوثات الغربية والتي نتج عنها أولوية استئصال السنة من السلطة وتسليم العراق إلى الأقليات التي تتمتع بحقوق المواطن الكاملة في ظل الدولة العراقية ولكن لم يكن في أذهانهم أبداً شعور بالانتماء إلى الوطن. 

كان ينظر إلى هذه الخطوة على نطاق واسع على أنها استكمال لأعمال غير مكتملة عندما وجدت السيدة (Bell) من حولها ولم تتمكن من العثور على إدارة الدولة الجديدة غير السنية ؛ لذا كانت النتيجة المباشرة هي الانهيار المتزامن للدولة والمجتمع، والهجرة الجماعية وتصدير العنف إلى قلب أوروبا. ووجد مواطنو الشرق والغرب أنفسهم فجأة في نفس النتيجة التي كانوا عليها، وعلى الرغم من قيامهم بمحاولات غير مناسبة.

وأخيراً، ومن الملفت أنه لا يدرك الكثير من المواطنين في الغرب أن نظام الرعاية الاجتماعية الذي تفتخر به الدول الأوروبية المعاصرة، قد استعار فكرتها من العثمانيين في استنبول وذلك في عام 1792م حين أمضى الملك تشارلز الثاني عشر (ملك السويد وقتها) سنوات في منفاه استنبول، ومن الممكن لمن يزور البرلمان السويدي يستطيع معرفة حقيقة تلك الحقيقة، وهذا يبين أن شريحة واسعة بين المواطنين “العوام” سواءً في الشرق أو الغرب معزولين حالياً عن بعضهم بعضاً بجدران إعلامية سميكة.

المصدر: Daily Sabah

https://www.dailysabah.com/op-ed/2015/12/09/turks-and-arabs-an-intellectual-task-on-international-arena

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بؤساء دمشق: ناموا على أبواب الفرن

فراس العبيد – رسالة بوستافترشوا الرصيف… ناموا والتحفوا السماء.. تاركين للبرد أن يمد يديه ويلعب …