أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / ألا يمكن أن يكون الكورونا ابتلاء من الله؟

ألا يمكن أن يكون الكورونا ابتلاء من الله؟

الدكتور عزت السيد أحمد

كاتب ومفكر سوري
عرض مقالات الكاتب

في بداية تصاعد أزمة أو وباء الكورونا ناقشت موسعاً السخرية والاستهزاء الذي قابل به الناس هٰذا الوباء في أرجاء الأرض لا في بلاد محددة. وفيها عرضت لفكرة الاستهزاء بالبلاء… الذي لا يوجد ما يمنع من أن يكون ابتلاء. والسؤال المطروح منذ ذٰلك الحين علىٰ كل ما تكشف من حقائق خطيرة في الموضوع هو: ألا يمكن أن يكون الكورونا ابتلاء من الله تَعَالىٰ؟

كثيرون قالوا ذٰلك في البداية وسرعان ما تراجع هٰذا القول مع فضائح الأزمة وعلامات الاستفهام الكثيرة والكبيرة حول هٰذا الوباء التي تكاد تكون قد قطعت بأنه حرب بيولوجية أو استثمار بشري. ويصبح السؤال الآن: هل وباء الكورونا حرب بشرية أم ظاهرة طبيعية أم ابتلاء من الله تَعَالىٰ؟

لنلق بداية نظرة علىٰ وباء الكورونا في سياق الأوبئة التي اجتاحت البشرية… فقط الأوبئة الفيروسية هي التي سنتحدث عنها.

اجتاحت البشريَّةَ أوبئةٌ ڤيروسية سابقةٌ بعضها أكثر خطورة من الكورونا كما تقول التقارير العلمية وبعضها أقل. أولها الأنفلونزا الإسبانية، ثُمَّ السارز، وبعده أنفلونزا الطيور، ثُمَّ أنفلونزا الخنازير، ثُمَّ الإيبولا، ثُمَّ الكورونا اليوم.

لنلق نظرة سريعة عَلىٰ هٰذه الأوبئة لتكون مفتاحاً لمزيد من فهم معضلتنا مع الكورونا اليوم والألغاز التي تحيط بها. ولن نناقش الآن كل التفاصيل والألغاز بطبيعة الحال فقد ناقشت كل نوع منها في بحث خاص، وسأعرض هنا لبعض آخر.

الإنفلونزا الإسبانية ـ 1918م

أولاً: تاريخ ظهور الڤيروس: كانون الثاني/ يناير 1918م.

ثانياً: أماكن انتشاره الڤيروس: بدأ في دول أوروبيَّة ثُمَّ انتقل إِلىٰ الولايات المتحدة الأمريكيَّة وآسيا. لم تكن إسبانيا سبب الڤيروس ولا مكان انطلاقه وانتشاره كما يوحي الاسم، وإنما سمي بهذا الاسم لأنَّ إسبانيا كانت من أكثر الدول تضرراً من ناحية عدد الوفيات… ورُبَّما ثَمَّةَ سبب آخر.

ثالثاً: فترة حضانة الفيروس: ما بَيْنَ يومين و7 أيام.

رابعاً: عدد ضحاياه: نحو 50 مليون وفاة.

خامساً: نهايته: في كانون الأول/ ديسمبر 1920م. ولٰكنَّ العجيب أَنَّهُ حَتَّىٰ الآن ما يزال سبب التَّراجع المفاجئ للڤيروس غير مثبت علميًّا. بعضهم يعزو السبب إِلىٰ تطور تعامل الأطباء مع أساليب الوقاية منه، وهٰذا كلام غير صحيح، وبعضهم يرىٰ أنَّ الڤيروس نفسه تطوَّر إِلىٰ نسخة أقل فتكاً وهٰذا غير مثبت أيضاً، وأيضاً يفتقر إِلىٰ المنطقيَّة العمليَّة. ولا يمكن القطع إثباتاً ولا نفيًّا بأيٍّ من الاحتمالين.

السارز ـ 2002م

أولاً: تاريخ ظهور الڤيروس: في تشرين الثاني/ نوفمبر 2002م.

ثانياً: أماكن انتشاره: ظهر أولاً في الصين، ثمّ انتشر إِلىٰ دول آسيوية وقليل غيرها.

ثالثاً: فترة حضانة الفيروس: ما بَيْنَ يومين و7 أيام.

رابعاً: عدد ضحاياه 774 وفاة.

خامساً: نهايته: لم يتم تطوير أي لقاح ضدَّ هٰذا الڤيروس، وإنما اختفىٰ مع بداية الطقس الحار، وحجر المصابين به. الحالة الأخيرة التي تمَّ تسجيلها كانت في عام 2004م.

أنفلونزا الطيور ـ 2003م

أولاً: تاريخ ظهور الڤيروس: في عام 2003م.

ثانياً: أماكن انتشاره: ظهر أولاً في ڤييتنام عام 2003م، وانتقل إِلىٰ آسيا وأوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.

ثالثاً: فترة حضانة الفيروس: أنفلونزا الطيور الشَّديدة الإمراض مرضٌ شديد العدوى، يصيب الطيور البرية والدواجن أصلاً، ولٰكنَّهُ انتقل إِلىٰ الإنسان بحالات عدوىٰ شديدة.لم يتم تحديد فترة حضانته.

رابعاً: عدد ضحاياه: 603 حالات إصابة بشرية، منها 356 حالة وفاة.

خامساً: نهايته: في عام 2006م.

 إنفلونزا الخنازير: 2009م

أولاً: تاريخ ظهور الڤيروس: في كانون الثاني/ يناير 2009م.

ثانياً: أماكن انتشاره: تمَّ اكتشاف هٰذا الڤيروس لأوَّل مرَّة لدىٰ البشر في المكسيك في نيسان/ أبريل 2009م. ثُمَّ انتشر في كثير من أرجاء العالم.

ثالثاً: فترة حضانة الفيروس: ينتشر هذا الفيروس من شخص لأخر علىٰ نطاق عالمي، بنفس الطريقة التي تنتشر بها الإنفلونزا الموسمية العادية. معظم الذين أُصيبوا بهذا الوباء كانوا من الأطفال والشباب.

رابعاً: عدد ضحاياه: عَلىٰ الرَّغْمِ من شدة انتشار هٰذا الوباء الذب أصاب 21% من سكان المعمورة، فإن ضحاياه كانت فقط 284000 حالة وفاة.

خامساً: نهايته: 10 آب/ أغسطس 2010م.

إيبولا ـ 2013م

أولاً: تاريخ ظهور الڤيروس: كانون الأول/ ديسمبر 2013م.

ثانياً: أماكن انتشاره: ظهر في غينيا ومنها انتقل إِلىٰ عدد من الدول الإفريقيَّة، كان أكثرها تضرراً سيراليون وليبيريا.

ثالثاً: فترة حضانة الفيروس: ما بَيْنَ يومين و21 يوماً.

رابعاً: عدد ضحاياه: 11310 وفاة.

خامساً: نهايته: في حزيران/ يونيو 2016م، كان ذلك مع بدء استخدام لقاح غير معتمد رسميًّا حَتَّىٰ الآن، لمحاربة الفيروس

كوفيد 19 ـ كورونا ـ 2019م

أولاً: تاريخ ظهور الفيروس: كانون الأول/ ديسمبر 2019م.

ثانياً: أماكن انتشاره: بدأ في الصين وانتشر في كل أنحاء العالم.

ثالثاً: فترة حضانة الفيروس: بَيْنَ 5 و6 أيام وقد تصل عند بعضهم إلىٰ 14 يوماً.

رابعاً: عدد ضحاياه: حَتَّىٰ كتابة هٰذه السطور بلغ عدد الإصابات نحو خمسين مليون إصابة ويقولون ستصل الإصابات إلىٰ أكثر من أربعمئة مليون إصابة. وعدد حالات الشفاء إلىٰ الآن نحو ثلاثين مليون حالة، وعدد الموتىٰ مليون وربع وفاة تقريباً كان لنا عليها من التعليقات ما كان فيما سبق.

خامساً: نهايته: ما زال سارياً إلىٰ الآن. والمشكلة هي أنهم منذ البداية أعلنوا أنَّهُ لن يتم اكتشاف علاج له قبل سنتين، وأنه لن يزول قبل سنتين، وأنه رُبَّما يستمر أكثر من ذٰلك بكثير. وهٰذا ما لم يكن مثله من قبل في أيٍّ من الأوبئة السابقة علىٰ مختلف أشكالها وأنواعها.

لنُعد باختصار ما سبق:

اجتاحت البشريَّةَ أوبئةٌ فيروسية سابقةٌ بعضها أكثر خطورة من الكورونا كما تقول التقارير العلمية وبعضها أقل.

ـ أول الأوبئة الفيروسية المعروفة ظهرت في أوائل القرن العشرين وكانت الأنفلونزا الإسبانية عام 1918م.

ـ بعد مئة سنة ظهر الوباء التالي الذي كان السارز 2002م.

ـ بعد سنة فقط ظهر الوباء التالي الذي هو أنفلونزا الطيور 2003م.

ـ بعد ست سنوات ظهر الوباء التالي وهو أنفلونزا الخنازير عام 2009م.

ـ بعد خمس سنوات ظهر الوباء التالي الذي كان الإيبولا عام 2013م.

ـ بعد ست سنوات أيضاً وهو الكورونا في عام 2019م.

من المصادفات العجيبة في هٰذه البيانات أن الأوبئة الأربعة الأخيرة قد ظهرت كلَّ ست سنوات بالضَّبط. نظامٌ هندسيٌّ يستحقُّ علامات الاستفهام مهما كانت طبيعة الوباء وأصله وأساسه؛ لولا أنَّ الإيبولا استغرق خمس سنوات لا ست. ولٰكن تبقىٰ هٰذه الفترة الدورية محيرة: خمس أو ست سنوات.

ويتعزَّز التَّساؤل إذا علمنا أنَّ الوباء الأول بعد انقطاع مئة سنة الذي هو وباء السارز كان جزءاً من التَّمهيد لغزو العراق والحرب علىٰ القاعدة إثر أحداث الحادي عشر من أيلول 2001م، ويذكر الذين عاصروا تلك المرحلة اتهام نظام صدام حسين بتصنيع فايروس السارز وإرساله إلىٰ الولايات المتحدة… وكثير مما دار في هٰذا الفلك ذٰلك الحين. وبعد هٰذا الوباء بسنة بدأت سلسلة وباء كل ست سنوات، وكان الكورونا هو الرابع في هٰذه السلسلة.

عمليًّا كان وباءٌ فيروسيٌّ واحدٌ طيلة القرن العشرين وهو وباء طبيعيٌّ لا ندري حَتَّىٰ الآن اسراره. بَيْنَما حدثت خمسة أوبئة فيروسيَّة في القرن الحادي والعشرين خلال أقل من عشرين سنة خلت، باستثناء الأول منها، كان بَيْنَ كلٍّ منها ست سنوات علىٰ التتالي.

ماذا يمكن أن نستنتج من ذٰلك؟

في الحقيقة، مع هٰذه المصادفة الدورية العجيبة بل المدهشة فإنَّنا لا نستطيع أن نستنتج منها شيئاً. ومع ربطها ببقية المعطيات لا يمكن أن نستخلص منها أي دلالة يقينية أو حَتَّىٰ شبه يقينية. إلا أنَّها كلها ما عدا الكورونا والسارز الذي هو الجد المباشر للكورونا سارت في سياق عادي لم يثر أي شبهات أو تساؤلات أو علامات استفهام أو استغراب وإن وجدنا تعليقات كثيرة عليها جميعاً ترىٰ فيها ابتلاء من الله تَعَالىٰ.

لنترك ما سبق كله جانباً ونسلط الضَّوء علىٰ وباء الكورونا وحده.

بغض النَّظر عن الشُّكوك والتَّساؤلات والشُّبهات والمبالغات وغير ذٰلك كثير مما كانت لي معه كله وقفات مطولة، لأنه مهما كانت الحقيقة في ذٰلك كلِّه، وإن كنَّا سنستعير وجازة خاطفة منه، فإِنَّهُ لا يؤثر في موضوعنا وتساؤلنا الآن، والذي هو ألا يمكن أن يكون وباء الكورونا ابتلاء من الله تَعَالىٰ؟! ونطرح السُّؤال من جديد.

إن القراءة المنطقيَّة والواقعيَّة للكورونا وما سبقها من أوبئة فيروسية تذهب إلىٰ التَّرجيح شبه القطعي بأنَّ الكورونا ظاهرةٌ بيولوجيَّة طبيعيَّة وفي احتمال غير مستبعد يمكن أن تكون صناعةً بشريَّة، وفي جزءٍ من هٰذا الاحتمال محتملٌ جدًّا يمكن أن يكون الكورونا حرباً بيولوجيًّة يقودها طرف ما: الأمريكان يتهمون الصين بها والصين تتهم الأمريكان بها وتخلو ساحة الروس والأوروبيين من الإدانة أو الاتهام مع عدم جواز القطع بالبراءة.

المهمُّ في هٰذه السِّلسلة كلها أنَّها كلها لا تخرج عن أن يكون الكورونا وباء طبيعيًّا أدَّت إليه تطوُّرات الحياة البيولوجية للفيروس إمَّا تلقائيًّا أو علىٰ أيدي بشرية قاصدة أو غير قاصدة.

وينبثق السُّؤال الجوهري الآن: ألا يعني ذٰلك أن الوباء الكورونوي هٰذا بهٰذا المنطق ليس ابتلاء من الله تَعَالىٰ؟!

هنا مشكلة البشر الحقيقية والأساسيَّة في هٰذا الموضوع تحديداً وفيما ماثله وخرج من معطفه، البشر هم كلهم إلا من رحم الله.

لا يقبلون تسمية شيء معجزة إلهية إلا إذا أتاهم بهم مَلَكٌ يفرد جناحية علىٰ نصف الأرض أو ربعها… ولا يقبلون بما دون ذٰلك بل قد لا يقبلون ذٰلك. علىٰ الرَّغْمِ من أن كل شيء في الإنسان وفيما حوله معجزة. ولٰكنَّهُم لا يقبلون بالمعجزة إلا إذا كانت من قبيل شق القمر بل حَتَّىٰ لو انشق القمر، وقد انشق، لقالوا أضغاث أحلام وإيهام وتخييل… وقد قالوا ذٰلك علىٰ الرَّغْمِ من اليقين الذي أتاهم. ولا يختلف الناس اليوم عم شاهدوا انشقاق القمر وقالوا سحر مستمر، قالوا ذٰلك لتكذيب من جاؤوا من بعيد يشهدون بانشقاق القمر وهم لا علاقة لهم بالسِّجال بَيْنَ الكفار ورسول الله صلىٰ الله عليه وسلم.

أمر تعامل البشر أكثرهم، حَتَّىٰ كثير من المؤمنين بالله، مع الابتلاء لا يختلف عن تعاملهم مع المعجزة. لا يكون الابتلاء من الله إلا إذا شاهدوا الطير الأبابيل ترميهم بحجارة من سجيل، ومكتوب علىٰ حجارتها إنَّهَا ابتلاء من الله… وغالباً سيجادلون في أنَّهَا طير أبابيل… سيتحزرون علىٰ نوعها واحتمال أن تكون طيوراً عادية وليست طيراً أبابيل… وسيجادلون في أن الحجارة التي ترميها حجارة من سجيل أم هي مشحونة شحنات كهربائية خطيرة تؤثر في البشر ولا تتأثر بها الطير!!! «قُتِلَ الْإِنسَٰنُ مَا أَكْفَرَهُ»([1]).

لماذا يجب أن يكون الابتلاء استثنائيًّا ومكتوب عليه أنَّهُ ابتلاء من الله؟

ألا يمكن أن يكون الابتلاء الإلهي من صنع البشر؟

ألا يمكن أن يكون الابتلاء الإلهي سيرورة منطقية لقوانين (الطبيعة)؟

وما قوانين الطَّبيعة أصلاً؟

أليست قوانين الله تَعَالىٰ؟

إذا كان البشر ينكرون المعجزات التي هي معجزات وفق قوانين البشر فكيف لا ينكرون الابتلاء الذي يكاد يخضع لقوانين البشر. قال تَعَالىٰ: «وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ»([2]). يعني ذٰلك لو أن الله أوضح لهم أن ما هم فيه هو ابتلاء منه لتولوا عنه معرضين وأنكروا أن يكون ابتلاء أو معجزة، وقال تَعَالىٰ: «فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُم بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ»([3]). هٰؤلاء القوم رأوا الابتلاء، رؤوا المعجزة، فتولوا عنها مفسرين إياها بأنَّهَا غيمة عادية ستمطر عليهم وكفى.

نحو ثلاثة أرباع السَّنة إلىٰ الآن والمساجد مغلقة، والعمرة معطلة، والحج هٰذا العام تعطل علىٰ الرَّغْمِ من الشَّكليَّات التي قامت بها المملكة لتصوير حج لعشرات السعوديين.

ما يقل عن نصف الكرة الأرضيَّة من دول أغلقت حدودها، وتعطلت الرحلات البرية والجوية والبحرية… بل حدث شلل تام للحياة في كثير من بقاع العالم…

نصف الشَّركات وقطاعات العمل والإنتاج ما بَيْنَ توقفت أو انتهت.

مليارات العاطلين عن العمل بسبب الكورونا.

عشرات ترليونات الدولارات هي خسائر الاقتصاد العالمي حَتَّىٰ الآن…

إذا لم يكن هٰذا ابتلاء فما هو الابتلاء؟

وما هٰذه إلا صورة مصغرة لأعظم بكثير مما هو قائم في حقيقة الأمر. مهما كانت الأكاذيب والتضليل والاستثمار السِّياسي في هٰذه الظَّاهرة من قبل الغرب والشَّرق والدُّول الكبرىٰ والدُّول الصغرىٰ.

هو بلاء بالضرورة التي لا يختلف عليها أحد. قد لا تجد، غير سفسطائي سخيف، من يجادل في أن ما فيه البشرية هو بلاء وبلاء عظيم، ولٰكن بالكاد تجد من يرىٰ أنَّهُ ابتلاء من الله تَعَالىٰ.

ولماذا لا يكون ابتلاء من الله تَعَالىٰ؟

مهما يكن أصله ومنبته ومصدره ونتيجته فإِنَّهُ علىٰ ما هو كائن ليس إلا ابتلاء من الله تعالىٰ وفتنة للناس، ألم يقل سبحانه وتَعَالىٰ: «أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ»([4]). إذن البشريَّة جمعاً وفرادىٰ أمام ابتلاء في كل عام مرة أو مرتين، ومع ذٰلك لا نرىٰ هٰذا الابتلاء علىٰ شكل معجزة مكتوب عليها إِنَّهَا معجزة وابتلاء من الله تَعَالىٰ. فلما لا يكون الكورونا ابتلاء من الله تَعَالىٰ؟ إِنَّهُ وفق هٰذه الآية ابتلاء عظيم جدًّا.

فكيف تعامل النَّاس مع هٰذا الابتلاء الذي بدا منذ البداية أنَّهُ ابتلاء عظيم وخطير؟

أوَّل استقبال له كان بالاستهزاء والسُّخرية والتَّهريج، فاستحقُّوا حسرة من الله عليهم، قال تَعَالىٰ: «يَا حَسْرَةً عَلَىٰ الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ»([5]). الابتلاء رسول فلا يتنطعن من يجادل في أن الله يقول رسول ولا يقول وباء أو ابتلاء.

وعندما انفلت الأمر وتصاعدت مخاطر الوباء الابتلاء انكفأت النَّاس فجأة في آراء العالم تقريبا إلىٰ التَّوبة والاستغفار ولٰكن العجيب العجيب أنَّهُم سرعان ما انتكسوا إلىٰ السُّخرية من جديد مع وصول الكورونا إلىٰ الذروة وإغلاق الحدود وإيقاف كل أنواع العمل في كثير من دول العالم منها معظم الدُّول الأوروبية… في هٰذه الذروة غابت التوبة والاستغفار وعادوا إلىٰ الغفلة والاستغفال، وتعاملت النَّاس معه وكأنه أمر عادي. وهو ليس كذٰلكَ أبداً… ولٰكن فست قلوب البشرية أكثرها وتحجرت، وفي ذٰلك قال تَعَالىٰ: «فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ»([6]). وقال تَعَالىٰ: «وَكَأَيِّن مِّنْ ءَايَةٍ فِي السَّمَٰوَٰتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ»([7]).

الله تَعَالىٰ يقول لنا: «وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا»([8]). فهل عاشت البشرية كلها مثل هٰذا الخوف من قبل؟ هل سبق أن استطاعت حَتَّىٰ أعتىٰ الحروب أن تحبس النَّاس في بيوتها وتخلي الشوارع من البشر وتوقف عجلة الاقتصاد العالمي علىٰ نحو ما فعل الكورونا؟!

حَتَّىٰ أعتىٰ الحروب لم تفعل ذٰلك أبداً.

خوف ورعب حقيقيٌّ عاشته أكثر بقاع الأرض ولم تزل من هٰذا الڤيروس الذي لا يرىٰ بالعين ولا بالمجهر العادي. ومع ذٰلك كان الدَّرس المستفاد أقل بمليار مليار مرَّة مما يستحقُّ أن يكون. فيا حسرة علىٰ بني البشر.

الحسرة مني ومن غيري ما معناها؟ ما قيمتها؟ إنها محض إحساس بالألم تجاه شخص أو جماعة أكثر كثير أو قليل علىٰ عرضوا أنفسهم له من خسارة أو نقص أو ضياع…

ولكن، تخيَّل أنَّ الله عز وجل هو الذي قال: «يَا حَسْرَةً عَلَىٰ الْعِبَادِ»([9]).

فهل تستطيع إذن أن تتخيَّل مدىٰ تفريطهم وخسارتهم والثَّمن الذي سيدفعونه نتيجة ذٰلك؟!

هٰذا ما يجب أن تفكر فيه.


([1]) ـ القرآن الكريم ـ سورة عبس ـ الآية 17.

([2]) ـ القرآن الكريم ـ سورة الأنفال ـ الآية 23.

([3]) ـ القرآن الكريم ـ سورة الأحقاف ـ الآية 24.

([4]) ـ القرآن الكريم ـ سورة التوبة ـ الآية 126.

([5]) ـ القرآن الكريم ـ سورة يس ـ الآية 30.

([6]) ـ القرآن الكريم ـ سورة الأنعام ـ الآية 43.

([7]) ـ القرآن الكريم ـ سورة يوسف ـ الآية 105.

([8]) ـ القرآن الكريم ـ سورة الإسراء ـ الآية 59.

([9]) ـ القرآن الكريم ـ سورة يس ـ الآية 30.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

حدث في رمضان 25

أ.د. أحمد رشاد أكاديمي مصري حدث في 25 رمضان سنة 8 هـ    …