أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / إشكالية البيئة المجتمعية في تصنيع الثقافة العامة

إشكالية البيئة المجتمعية في تصنيع الثقافة العامة

أحمد بهاء داود

ماجستير قانون أحوال شخصية
عرض مقالات الكاتب

للوهلة الأولى سيعتقد القارئ أنني سأطرح كلاما تقليديا مفاده أن العلم النور والجهل الظلام وان القراءة والاستزادة من المعرفة مفتاح للعقول المنغلقة وو… إلخ مما اعتدنا على سماعه وقراءته ، فلا تتعجل ، وحاول إكمال القراءة لعلك تتفق معي في وجهة النظر التي سأطرحها…

بعد الأحداث التي عصفت بالعراق منذ ما يقرب من عقدين ، توصلت إلى قناعة مغايرة لما هو متعارف عليه ، هذه القناعة تقول : إن من الخطأ إتاحة المعرفة للجميع بشكل مطلق!!

يقول الله جل وعلا في كتابه العزيز(الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ….. ) وقد ذكر المفسرون أن هذه الآية لا تعد من باب الذم والتوبيخ لأهل البادية ، إنما توصيفا لما كان عليه الحال ، حيث إن أهل البادية وبسبب بعدهم عن أماكن الحضر والتي تعد منطلق الرسالة، كانوا أشد غلظة من أهل الحضر في الكفر والنفاق وأبعد عن معرفة حدود الله من حلال أو حرام ………

وقد ورد عن نبينا الأكرم أنه قال( إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق) أو كما قال ….وأضيف أيضا ما ذكره محمد أسد في كتابه الطريق إلى مكة من أن أفكار محمد عبد الوهاب قد غلظتها وشددتها بيئة البدو هناك ، ولو أنه عمد إلى نشرها في بلاد الشام مثلا لكانت أكثر اعتدالا وتهذيبا !

بهذه الركائز ، وبما نشاهده اليوم ، في كون المعرفة متاحة للجميع بشكل مطلق ، إلا أن المجتمع بات أكثر تخلفا ورجعية ، أكثر تطرفا في السلوك الديني وكذلك نبذ الدين والإلحاد في الجانب الآخر….نتوصل إلى القناعة التي ذكرتها آنفا ، في خطورة إتاحة المعرفة بشكل مطلق ، ذلك لأن الإيغال المشار إليه في الحديث الشريف لم يأخذ الوقت الكافي ، لم يكن إيغالا برفق ، لم يكن تدريجيا كما يستوجب الإدراك ، فلكل فئة عمرية إدراكا قد لا يمكنها تجاوزه….

الثقافة والمعرفة ، تحتاج إلى تهيئة مسبقة ، من العائلة وولي أمر الفرد والبيئة التي تحيط به …بل إنني سأغالي وأقول إنه يحتاج إلى تهيئة جيليه أن صح التعبير ، تنتقل عبر الأجداد ثم الأب ثم أبنائه وهكذا…..ويستوجب ذلك تهذيب الفرد للمعرفة منذ الصغر ، لكي يحسن فهمها وتوظيفها عندما يكبر ، فالورد منها بشكل مفاجئ ما بعد البلوغ بسنوات ،يخلق فهما مشوها وتوظيفا خاطئا ، قد يسبب إراقة الدماء أو على الأقل يسبب الضغائن والأحقاد وقطع للأرحام أحيانا !

من خلال ما عايشناه في العراق ، وجدنا أن الفئة التي استقطبتها التنظيمات المجرمة مثلاً ، أغلبهم لا يمتلكون خلفية تؤهلهم لفهم الدين وتوظيفه بالشكل الصحيح ، لذا كان من السهل أن ملئت عقولهم بأفكار منحرفة تهلك الحرث والنسل ، لتستقتل في الطاعة العمياء والذود عن كيان تلك التنظيمات باعتبارها بقية الله في أرضه كما رسمتها في عقولهم !

وكذا الحال على الجانب الآخر ، فالكثير ممن نبذوا الدين وسلكوا طريق الإلحاد ، إما أن يكون السبب يكمن في ثورة وانتفاض على بيئة متدينة تقوم على الخرافات والخزعبلات وكل ما يتناقض مع ثوابت العقل والمنطق ، وإما أن يكون قد فقد حلقة التهيئة فصار من السهل إملاء جعبته بافكار إلحادية منحرفة كما هو الحال مع التنظيمات المتطرفة!

في موضع اخر ، فان غياب التهيئة التي كررت كتابتها كثيرا للضرورة ، يجعل من فهمنا لمزاج المجتمع والتاريخ والاحداث المحيطة بنا فهما خاطئا ، نوظفه في التعصب لقناعاتنا السياسية والثقافية ، واستعداء الاخرين ممن خالفونا الرأي ووجهات النظر والتي قد تكون صائبة على عكس قناعاتنا نحن !

هذه العقول الغير مهيئة قد تكون مبدعة في العلوم المادية الصرفة ، كالطب والهندسة والرياضيات وو…. إلخ من العلوم الأخرى ، وقد تحسن فن القيادة للجماعات والأفراد وتتقن أكثر من غيرها إدارة الحروب أن وضعت في منزلة تتيح لها ذلك ، لكنها عاجزة تماما عن الفهم الحسن والتوظيف الصحيح واستخلاص العبر والدروس وان تبنت عقيدة أو فكرا ستؤول إلى أفكار مشوهة ضررها مؤكد ونفعها مستحيل .

تعليق واحد

  1. ابدعت واجزت جزيت خيرا ⁦❤️⁩

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

بعد أن استوطنت فيّ بغداد

نزار فاضل السامرائي كانت منطقة كرادة مريم ضمن مخطط تطوير مدينة بغداد …