أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / عِشتَ طريداً، ومِتّ غريباً…

عِشتَ طريداً، ومِتّ غريباً…

د. خالد عبد القادر

باحث ومشرف تربوي- لبنان
عرض مقالات الكاتب

إنّه الشيخ الداعية: داعي الإسلام بن سالم الشَّهّال،مُعْلي السُّنّة وأهلها، ومُهين البِدْعة وذوويها،صاحب الكلمة،ذو المواقف الصعبة،المُواجِه الشَّرس،لا يجامل على حساب دينه،ولا على حساب كرامته الإنسانيّة،الجواد السخيّ، الذي لا يرد خائباً عند المقدرة،ولا يمدّ يده عند الحاجة.

درَس الشريعة الإسلامية في المدينة النبوية،ثم عاد الى طرابلس ليبدأ مسيرته في العمل الإسلامي وفق منهج أهل الحديث،أهلِ السُّنّة والجماعة…
أسَّس جمعيةَ”الهداية والإحسان”،ثم “معاهد الهداية” على طول لبنان،من جنوبه حتى شماله،ثم توغل في القرى النائية ليصل الى عكار والضنيّة..
وكان قد أنشأ مجلة”الهداية” وإذاعة الهداية “بالإضافة إلى لجان متعددة: للدعوة،والأئمة،والخطباء، والأيتام، والأرامل،والإصلاح،وحوله شباب مسلحون..
كل ذلك بدعمٍ من جمعيّات سلفيّة،وتُجار سلفيين في دول الخليج العربي..واذا قلنا يومها عن مشروع الشيخ: إنه عمل يرسم قيامة مجتمع إسلاميّ،وبالتالي يؤسس لدولة مسلمة..ما أخطأنا…
إلا أنّه لم يُسمح له أن يقطف ثمرة جهده؛لعدة أسباب:

  • وجود القوات السورية بقيادة نصيرية تعادي الإسلام السُّنّي وأهله في لبنان..
  • تجاهل الشيخ للواقع الذي يعيشه،وعدم مداراته له..
    فكان على خصومةٍ ظاهرةٍ مع السوريين،والقوميين والعلمانيين ومن على شاكلتهم…
    وقد تعرّض بعضُ المقربين منه،والعاملين معه للسجن والإهانة من الأجهزة الأمنية يومها،وذلك بسبب كتاب كانوا قد طبعوه فيه نقد للعقيدة النُّصيريّة…
    استطاع الشيخ أن يُبعد نفسه عن لبنان لعدة سنوات.
  • منافرة الحركات والاحزاب والتيارات الإسلامية له، ظنّاً منهم أنّ مشروع الشيخ فيه إلغاء لدورٍ كلٍ منها..
    -وجودُ جمْعٍ ( وليس الكل) ممن كانوا حوله،ليسوا بأهل صِدْق وإخلاص..بقدر ما هم بأهل حرص على منافع شخصية ومكتسبات مادية أنانيّة…
    -افتقار المشروع لدراسات،ومخططات،ومنطلقات، وتحديد الجدوى،والمُعوِّقات…
    ثم جاءت قضية الأفغان العرب،بعد أن حققت أمريكا أهدافها من خلالهم في أفغانستان،وأمرت خُدامها حكام العرب بالتضييق على كل أصحاب المنهج السلفي..
    شخصياً.. ومؤسساتياً.. ومالياً..
    وفي بداية عام ٢٠٠٠ وقعت أحداث الضنية في شمال لبنان بين شباب سلفيّين والجيش اللبناني،التجأ الشباب إلى مقر لتقوية إرسال ” إذاعة الهداية” ولما علم بذلك الشيخ،أسرع إلى المقر،وحذّر الشباب من شر ما يخططون له،ومن استخدام المقر للانطلاق منه ضد الجيش كما أخبرني بنفسه..
    ولكن هذه الخطوة من الشيخ فُسّرت من جهة القضاء بطريقة للانقضاض عليه تقرّباً لأمريكا..فأصدر القاضي مذكرة توقيف غيابية بحقه،تزامناً مع مذكرة بحقي،كان هدفها تغييبي عن الساحة من جهة خصومٍ من ذوي القربى…والله وحده يحكم بيننا يوم القيامة…
    وقد هيّأ الله لي مَنْ أخرجني من هذه المظلمة،بينما تبرّأ جميع الإسلاميين من الشيخ داعي،وكانت الجماعات الإسلامية يومها في لبنان قد اتخذت موقفاً على مستوى القادة بعدم التدخّل في هذه القضية التي قُتل فيها العشرات من الشباب والجيش…
    فأُغلقت الجمعية،وكل ما يتبع لها من مؤسسات..

وذات ليلة لقيتُه في مسجد بعد صلاة العشاء،فأسرعتُ اليه وسلّمتُ عليه،ونصحتُه بعدم الظهور،فإنّ القوم يأتمرون به..فابتسم ووقفنا على باب المسجد قرابة الساعة وهو يشرح لي عن وضعه المادي والنفسي، وكيف تخلّى عنه ممن كانوا حوله،وأكّد لي أنْ لا أحد اتصل به أو قدّم له أي معونة،والدمعة تدور في عيْنيْه.
مع أنّ الكثيرين منهم قد تجاوزوه وأسسوا جمعيات وأوقاف وهيئات ومنتديات ومعاهد…
وبعد مقتل رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري،وخروج قوات النظام السوري من لبنان سنة ٢٠٠٥ حدث بعد ذلك عفو عام، فاستطاع الشيخ أن يخرج ويستنئف مسيرته الأُولى علّه يعيد ما تمَّ تدميره من مؤسسات ولكنه-رحمه الله -بفعل التضييق الأمريكي على السلفيين بعد أحداث ايلول سبتمبر حالت دون نجاحه.
ومع بداية الثورة السورية ضد النظام سنة ٢٠١١ قام الشيخ بدعم الشعب السوري بالتعاون مع أهل الخير، وبدأ السياسيون في لبنان المؤيد للثورة والمعارض لها، يرسلون الرسائل عبر منطقة” بعل محسن” ذي الغالبية النصيرية المؤيدة للنظام السوري،وبين “باب التبانة” المعارض لهم ذي الأغلبية السُّنية،في طرابلس.. وكانت المناوشات العسكرية قائمة بين الطرفين،وكانت المؤسسات السياسية وبالتالي الأمنية يتفرّجون على ما يقع..
وبعد ان اتفق السياسيون على إنهاء هذه المعارك والتي دامت لسنوات،وإذ بالجيش اللبناني يُعلن عن وجود مخزن أسلحة تعود ملكيتها للشيخ داعي..
وكان الشيخ يومها خارج لبنان،ورضي بالبقاء في الخارج، وآثر الابتعاد عن الأهل والبلد،على أن يقف بين يدي قاضٍ، يعلم الشيخُ مقدماً ما الذي سيحكمه به..
ثم استقرّ به المقام في تركيا، فمات ودفن هناك..

نحن معاشر الملتزمين نتفرق في الحياة،ونجتمع عند الممات..نُحسن الرّثاء والغزل،ونتجاهل حق الأخوة عند الشدة…
إني أُطالب الحركات والجمعيات والاحزاب والهيئات والمؤسسات والمنتديات الإسلامية كلها بأن تشكّل وفداً وتذهب إلى بلدية طرابلس لإطلاق اسم الشيخ داعي على ساحة او شارع أو مبنى إبقاءً لاسمه،جزاء فضله على المدينة وأهلها..فنحن أحق بها من المطارنة والبطاركة…
رضي الله على الشيخ داعي وتقبّله في عليين..
فقد عاش مسكيناً ومات مسكيناً…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

حدث في رمضان 7

أ.د. أحمد رشاد أكاديمي مصري حدث في 7 رمضان سنة 224 هـ  في …