أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / “حافة الهاوية” واستمرار النجاح

“حافة الهاوية” واستمرار النجاح

نعيم مصطفى

لم تعد القرارات والمسائل الدولية حكرًا على السبع الدول الكبرى وإنما أطلت دولة جديدة برأسها من ثقافة أخرى ومن دين آخر، إنها تركيا ولطالما ردد الرئيس التركي أردوغان العالم أكبر من سبع دول .

وقد بدأت تركيا كلاعب دولي يحسب له حساب منذ نحو عقد من الزمن، فكان حضورها قويًا في سوريا إثر اندلاع الثورة السورية التي جوبهت بالإفراط بالقوة، ومحاولة سحق كل من شارك فيها؛ مما اضطر الشعب السوري للهجرة واللجوء، إلى دول الجوار، وعلى رأسها تركيا حيث تدفق الملايين إليها، فكان لا بد لها من التدخل في ذلك النزاع وكان ذلك التدخل يصب في مناصرة الحق والمظلومين، ومن ثم ناصرت الثورة الليبية بدعوة من حكومة الوفاق التي يرأسها فايز السراج المعترف بها دوليًا، ومن ثم دخلت مياه المتوسط التي لها الحق في شواطئه للتنقيب عن الغاز، ويلاحظ أن جميع تدخلاتها تجابه بالعديد من الدول، ففي سوريا مثلاً وقفت أمامها روسيا ،وإيران، وبعض دول الخليج وأمريكا…وفي ليبيا وقفت أمامها كل الدول تقريبًا باستثناء قطر، ولكن تابعت مشوارها في النجاح، والتحدي، وتحقيق أهدافها، والتمسك بحقوقها، وكان آخر مناصراتها الشرعية وقوفها بجانب أذربيجان من أجل تحرير ناغورنو كاراباخ، وقد ساندت كعادتها أصحاب الحق، فكاراباخ هي منطقة معترف بها دوليًا كجزء من أذربيجان، ولكن أرمينيا سيطرت عليها عقب هدنة /1994/، لذلك وجدنا أن تركيا دعمت أذربيجان ووقفت بجانبها بقوة، ولعبت دورًا كبيرًا في تحقيق النصر على أرمينيا واستعادة معظم المناطق المحيطة بمنطقة ناغونو كاراباخ، واستولت أيضًا على بلدة شوشا المهمة، مما اضطر أرمينية لقبول الاتفاق الذي توسطت فيه روسيا وتحتفظ بموجبه أذربيجان بالمناطق التي سيطرت عليها.

وقد اعترف رئيس الوزراء الأرميني بالهزيمة قائلا: إنه اتخذ قرار قبول الاتفاق “المؤلم” حسب تعبيره بعد تحليل عميق للوضع العسكري.

وأضاف إن هناك خط الانهيار التام، مع وضع آلاف الجنود الأرمنيين تحت الحصار وسقوط المدينة الرئيسية في المنطقة أيضًا.

وينص الاتفاق على نشر 1960/ جنديًا روسيًا لحفظ السلام يقومون بدوريات على خط المواجهة وممر لاتشين الذي يربط ناغونو  كاراباخ بأرمينيا.

وقال أردوغان : إن مركز سيطرة تركي روسي سينشأ في الجزء المحرر من أذربيجان لمراقبة وقف إطلاق النار.

والواقع أن تركيا خلاف ما يروج لها خصومها وأعداؤها بأنها  تنهج سياسة براغماتية بحتة، فهي حقيقة الأمر روضت السياسة، وأخرجتها من قمقم المصالح البحتة لدى ضعاف النفوس إلى فسيح الأخلاق والمبادئ، فوقوفها بكل صراعاتها بجانب الشرعية على الرغم من ضعف أهلها دليل على ما نذهب إليه، لذلك وصفت سياستها “بحافة الهاوية” لأن معظمها تجابه فيه معظم الدول الكبرى، ومع ذلك يكون النصر لها في النهاية، فلولا تدخلها في ليبيا مثلا لاحتل المنقلب حفتر كل الأراضي الليبية وأعادها إلى عهد أسوأ من عهد القذافي، ولولا تدخلها في شمال سوريا، وحماية الملايين من السكان لقامت روسيا والنظام بإبادة الملايين، وقد كانت تلك التدخلات كما ذكرنا محفوفة بالمخاطر، ولكنها استطاعت تجاوزها بفضل توفيق الله عزّ وجلّ أولًا، ومن ثم بفضل  قوتها، وحنكتها السياسية.

من يصدق أن تركيا تقف في ليبيا أمام روسيا، وفرنسا، ومصر، والإمارات، والسعودية …ومع ذلك تحقق هدفها وتوقف زحف المدعو حفتر ومشغليه.

إن من يعتقد أن السياسة بلا أخلاق، وأن كل الدول لا يهمها إلا مصالحها، فهو مجانب للصواب، ولم يقرأ التاريخ جيدًا، فمن المعلوم أن الأنبياء أرسلوا لنشر الفضيلة، والأخلاق، والقيم ،والمبادئ، وترفعوا عن الجريان وراء المصالح، والملذات المادية، ومع ذلك فقد كانوا رؤساء سياسيين إضافة إلى المهمة الأساسية التي أوكلت إليهم من قبل رب العالمين عزّ وجلّ، وهي رسالة النبوة.

وثمة كثير من الأحداث التاريخية التي تثبت أن بعض الدول، والحكام حاربوا من أجل الدين، ومن أجل الفضيلة، ومن أجل مناصرة المظلومين، وبما أننا في صدد الحديث عن تركيا، فلا بأس  ذكر موقف للخليفة العثماني، فقد عُرض عليه المال الكثير، والدعم بكل ألوانه؛ لإبقائه على كرسي الحكم مقابل التنازل عن فلسطين لإسرائيل، لكنه رفض كل المغريات، وفضل خسران ملكه، عن بيع مبادئه.

ونحن نرى أن تركيا بقيادة أردوغان حفيد عبد الحميد الثاني، وحفيد محمد الفاتح، وحفيد سليمان القانوني… يتأسى في كثير من المواقف بهم، من دون تجاهل مصالح بلاده، على خلاف بعض الحكام العرب المنتمين للإسلام، والذين وقفوا بكل وقاحة مع ماكرون عدو الإسلام والمسلمين ضد تركيا.      

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

عيد جيش “أبو شحاطة”

معاذ عبدالرحمن الدرويش كاتب و مدون سوري يقول أحد العساكر كنت أخدم سائقا …