أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / فلسطين ولبنان وثروات البحر الأبيض المتوسط والقانون الدولي

فلسطين ولبنان وثروات البحر الأبيض المتوسط والقانون الدولي

الدكتور السيد مصطفى أبو الخير

خبير أكاديمي في القانون الدولي
عرض مقالات الكاتب

في الخامس من يناير عام 2011م طالبت لبنان رسميا في رسالة عاجلة وجهها وزير الخارجية والمغتربين إلي الأمين العام للأمم المتحدة، التدخل لمنع الكيان غير الشرعي في فلسطين المحتلة من إستغلال ثروات لبنان البحرية والنفطية التي تقع ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة، التي تبدأ من الناقورة الى خط النتوءات وبعمق (200) ميل في البحر صعوداً، الواقعة بين لبنان جنوباً وفلسطين المحتلة شمالاً بحذف (12) ميلاً منها وهي المياه الإقليمية اللبنانية، طبقا لقانون البحار لعام 1982م ( اتفاقية جامايكا لعام 1982م). وذلك استنادا إلى الخرائط التي أودعتها وزارة الخارجية الللبنانية لدى الامانة العامة للامم المتحدة في التاسع من شهر يوليو 2010م، ومعها تقرير الدولة اللبنانية بشأن الحدود البحرية الجنوبية للمنطقة الاقتصادية اللبنانية الخالصة، والمرفق بها الخرائط ولائحة الاحداثيات الجغرافية للحدود البحرية الجنوبية للبنان، مرفق بهما الاعتماد الرسمي الذي قامت به دائرة شئون المحيطات وقانون البحار التابعة للامانة العامة للامم المتحدة والخرائط المرفقه به، بما فيها خريطتين للجزء الجنوبي من الحدود البحرية الغربية للمنطقة الاقتصادية وللجزء الجنوبي من الحدود البحرية الغربية للمنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان، واستنادا الى حقوقه المشروعة التي تقرها القوانين والاعراف الدولية، وخاصة اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار العام 1982م التي وقعت عليها لبنان عام 1994م. واعترض الوزير اللبناني علي قيام قوات الاحتلال الإسرائيلية عبر شركات خاصة بعمليات تنقيب عن النفط في عرض البحر الأبيض المتوسط ومن إعلانها المتكرر وفي اكثر من مناسبة مؤخرا عن إكتشافها لحقول من الغاز والنفط في الآبار البحرية الواقعة قبالة سواحل شرقي البحر الأبيض المتوسط ، وأكد الوزير اللبناني علي عدم حقها في مصادرة هذه الثروات اللبنانية بالقوة والتفرد بإستغلالها خلافا للقوانين والاعراف الدولية، وأهمها اتفاقية الامم المتحدة لقانون البحار لعام 1982م، والقانون الدولي الإنساني الذي لم يعط لقوات الاحتلال حق استغلال ثروات الإقليم المحتل وهو هنا فلسطين المحتلة. والمنطقة الاقتصادية الخاصة هي جزء من البحر تمارس عليها الدولة المعنية حقوقاً خاصة تتمثل في استخدام مواردها البحرية دون ملكية قاع البحر، ولهذه المنطقة شروط ومواصفات مشتركة وردت في حدود عشرين مادة في قانون البحار لعام 1982م، المادة (56) منها في فقرتها الثانية والتي تنص على ضرورة ان تراعي الدولة الساحلية عبر ممارستها لحقوقها وأدائها لواجباتها بموجب هذه الاتفاقية حقوق الدول الأخرى وواجباتها وعلى ضرورة التصرف على نحو يتفق مع احكام هذه الاتفاقية، ويطالب لبنان بتطبيقها، معتبرا اي استغلال من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلية لهذه الثروات، يشكل انتهاكا صارخا للقوانين والاعراف الدولية واعتداء على سيادة لبنان. وجددت لبنان مطالبها في الاجتماعات الثلاثية بالناقورة ودعت قوة اليونفيل لوضع خط الطفافات الحدودية في مكانها الصحيح، على اعتبار ان لبنان لا يعترف بخط الطفافات الذي وضعته اسرائيل بشكل أحادي في المنطقة، وقد رفضت قيادة اليونفيل هذا المطلب اللبناني بحجة ان ذلك يقع خارج ولايتها ومهمتها في جنوب لبنان وفقا للقرارات الدولية، وان تنفيذ هذه الولاية يقتضي المعرفة الدقيقة للحدود البحرية الجنوبية اللبنانية وذلك يقع خارج اختصاصاتها. وكانت الكيان الصهيوني أعلنت في 4/1/2011م عن اكتشافها حقلا للغاز وصف بالعملاق في البحر الأبيض المتوسط غربي مدينة حيفا على بعد 130 كيلو مترا من ميناء حيفا على عمق 1634 متراً ، وقدرت كمية الغاز في هذا الحقل (450) مليون مترا مكعبا من الغاز الطبيعي ويقدر ثمنها ب 45 مليار دولار أمريكي ، واعتبرت هذه الكمية من الغاز أكبر كمية يتم اكتشافها في عرض البحر في أرجاء العالم خلال السنوات العشر الاخيرة، وذكرت شركة “نوبل اينرجي” الأميركية للطاقة أن حقل ليفياثان البحري للغاز يحتوي على نحو 450 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، وقالت الشركة إن التقديرات الجديدة تدل على أن مخزون هذا الحقل أكبر بكثير من مخزون ثاني أكبر حقل للغاز الطبيعي في فلسطين المحتلة، وهو حقل تامار الذي يقدر احتياطيه بثمانية مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي. وقد وقع الكيان الصهيوني وقبرص اتفاقا يقضي بترسيم الحدود البحرية بينهما لذلك أعلن زعم الكيان الصهويني سيطرته التامة والكاملة على كافة المناطق البحرية والاتفاق علي استغلالها بالشكل تريده، ويعتبر الكيان الصهيوني حقول النفط والغاز التي تكتشف من قبل دول كلبنان وتركيا وسوريا والسلطة الفلسطينية في البحر المتوسط هي حقول في المياه الدولية، ويحاول فرض محاصصة أو الادعاء أن هذه الاكتشافات تمت في الحدود البحرية لاسرائيل، مما دفع بالسياسيين اللبنانيين الى حث الخطى نحو اقرار قانون النفط الذي طال انتظاره في اغسطس اب الماضي. واقر لبنان العام الماضي 2010م قانون النفط الذي يحدد صلاحيات الوزارات والادارات المختلفة ولكن وحتى مع اقرار لبنان لقانون الطاقة. مما أدي لرد فعل تركي غاضب واستدعت الخارجية التركية سفير الكيان الصهيوني في أنقرة ، وأبلغته استياء أنقرة الشديد من الاتفاقية التي وُقعت مؤخرًا بهدف تقاسم البترول وحقول الغاز الطبيعي، المحتمل اكتشافها في المنطقة وأكّدت الخارجية التركية معارضة أنقرة لتوقيع مثل هذه الاتفاقية قبل تسوية القضية القبرصية بشكل عادل وشامل، وتحركت مصر دبلوماسيا بعد إعلان التوصل إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية بين كل من إسرائيل وقبرص، وأكدت الخارجية المصرية أن (اتصالات تتم الآن بين كل من القاهرة ونيقوسيا حول هذا الموضوع). لم تشر توصية التقسيم رقم (181) لعام 1947م من قريب أو بعيد الى حقوق أي من هاتين الدولتين في المياه البحرية للبحر الأبيض المتوسط، حيث وعقب اعلان قيام اسرائيل في العام 1948م، سيطرت على غالبية الشريط البحري لفلسطين التاريخية واستمر هذا الأمر حتى يومنا هذا، وفي عام 1995م اعلنت السلطة الوطنية الفلسطينية سيادتها على أجزاء من الأراضي الفلسطينية التي احتلت من قبل اسرائيل في العام 1967م بما فيها غالبية قطاع غزة، الا أن السيطرة على المياه الأقليمية في البحر الأبيض المتوسط المقابلة للقطاع ما زالت اسرائيلية بحجة أن الاتفاقيات الموقعة مع السلطة الفلسطينية قضت بأن تبقى هذه المياه تحت السيطرة الاسرائيلية الكاملة الى أن يتم الفصل النهائي بوضعها خلال المفاوضات النهائية بين الطرفين، والوضع الحالي المتمثل بالتفرد الاسرائيلي بثروات البحر المتوسط الغازية والنفطية التي تقع ضمن الحدود البحرية لفلسطين التاريخية بحاجة الى مراجعة عميقة وشاملة من قبل الفلسطينيين وكافة الهيئات الدولية ذات الاختصاص وعلى رأسها الأمم المتحدة التي أقرت التقسيم وغفلت أو ربما أغفلت الحديث عن الحقوق البحرية للدولتين. الكيان غير الشرعي في فلسطين المحتلة من النهر إلي البحر، يعتبر قوة احتلال في القانون الدولي، لأن وجوده في فلسطين التاريخية من النهر إلي البحر مخالف لقواعد عامة آمرة في القانون الدولي، وخاصة مبدأ تحريم الاستيلاء علي أراضي الغير بالقوة، كما أن توصية التقسيم باطلة بطلانا مطلقا لمخالفتها ميثاق الأمم المتحدة، لأصابتها بالعديد من المخالفات لقواعد مبادئ وأحكام عامة وآمرة بالقانون الدولي، أولها أن الأمم المتحدة بكافة أجهزتها لا تملك أي حق في التصرف في الأراضي الفلسطينية، ولم يفوضها الشعب الفلسطيني في ذلك، مما يجعل توصية التقسيم فعل مادي لا يرتب عليها القانون الدولي أي أثر قانوني وتقف عند حد صدورها فقط . فضلا عن أن الجمعية العامة ومجلس الأمن قد ألغيا توصية التقسيم رقم (181) الصادرة في 29/11/1947م وطالبا بوقف تنفيذها، فقد قرر مجلس الأمن في 19/3/1948م بالقرار رقم (27) بأنه (أي مجلس الأمن) ليس لدية الاستعداد لتنفيذ توصية التقسيم رقم (181/ لسنة 1947م) ويوصي بإعادة القضية الفلسطينية للجمعية العامة وفرض وصاية مؤقتة على فلسطين تحت وصاية مجلس الأمن، وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 14/5/1948م قرارها الثاني بإعفاء لجنة فلسطين من أية مسئوليات نصت عليها المادة الثانية من توصية التقسيم(181/لسنة 1947م) وطالبت بذات القرار العمل علي إجراء تسوية سلمية لمستقبل الوضع في فلسطين.كما أن قرار الجمعية العامة رقم (1514/ لسنة 1960) الخاص بتصفية كافة أشكال الاستعمار فورا وبدون تحفظات، وقد نالت العديد من الدول الاستقلال تطبيقا لهذا القرار، هذا القرار يساهم ويدعم عدم شرعية الكيان الإسرائيلي في فلسطين من النهر إلى البحر، لأن وجود الصهاينة في فلسطين المحتلة من النهر إلي البحر بصفتهم قوات احتلال، لذلك يجب تصفية هذا الاستعمار تطبيقا للقرار السالف الذي نص علي وجوب تصفية الاستعمار بكافة أشكاله دون أي تحفظات. ترتيبا علي ما سبق فأن الكيان غير الشرعي في فلسطين المحتلة يعتبر قوات احتلال، يجب مقاومتها بكافة أنواع المقاومة وعلي رأسها المقاومة العسكرية، ولا يجوز وليس لهذا الكيان حق الدفاع الشرعي لأن من شروط حق الدفاع الشرعي الا يكون من يستخدمه أو يتمسك به معتدي، وهذه الحالة تتوفر في طرف الكيان غير الشرعي في فلسطين المحتلة من النهر إلي البحر، ولا يصحح ذلك رضاء الأطراف المعنية، وطبقا للقانون الدولي العام وفرعه القانون الدولي الإنساني، ليس من سلطة أو حق قوات الاحتلال التصرف أو تملك ثروات الإقليم المحتل، وتطبيقا لمبدأ حق تقرير المصير وهو مبدأ عام وقاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي، بشقيه حق تقرير المصير السياسي والاقتصادي، الذي ورد في ميثاق الأمم المتحدة في المادة الأولي الفقرة الثانية والمادة الخامسة والخمسين، فضلا عن ورود هذا المبدأ في كافة مواثيق المنظمات الدولية الإقليمية مثل جامعة الدول العربية ومنظمة الدول الأمريكي والاتحاد الإفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي، يحق لفلسطين المحتلة من النهر إلي البحر ولبنان مقاومة هذا الاحتلال، ولا يكون لهذا الاحتلال أي حق في ثروات المنطقة سواء في البحر الأبيض المتوسط ولا في الأرض الفلسطينية المحتلة أو المياه الإقليمية لأي دولة عربية، لأنها قوة احتلال.ولا تكتسب الأفعال التي تقوم بها سلطة الاحتلال الصهيوني في أي منطقة عربية سواء في البحر أو في الأرض أي صفة قانونية، وهي محرومة من المشروعية، مهما صيغت في اتفاقيات دولية ثنائية أو متعددة أو اتفاقيات جماعية، وعلي المجتمع الدولي أشخاص وآليات عدم الاعتراف بذلك والتعامل معه علي أنه مخالف للقانون الدولي مناقض للشرعية الدولية، بناء علي ذلك يقع الاتفاق الذي أبرم مع قبرص باطل بطلانا مطلقا ومنعدما طبقا للقانون الدولي، كما أن قبرص هذه تعتبر قوة احتلال في أجزاء كبيرة منها ولم يتم حتي تاريخه حسم هذا الخلاف رغم وجود قرار بالاستفتاء علي حق تقرير أبناء قبرص من المسلمين، ولم يتم حتي الآن. لذلك فأن طلب لبنان بعدم الاعتداد بما يصدر عن الاحتلال الصهيوني من أفعال في ثروات البحر الأبيض المتوسط شرعي وقانوني ويقع في دائرة ونطاق المباح في القانون الدولي العام وفرعيه القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتقع كافة تصرفات قوات الاحتلال غير شرعية، في أي منطقة في البحر الأبيض المتوسط وفي أي مياه فلسطينية طبقا لحدود فلسطين التاريخية من النهر إلي البحر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

سؤال الحرية بين الليبرالية والرؤية الإسلامية 2/2

د. جمال نصار أستاذ الفلسفة والأخلاق في جامعة اسطنبول صباح الدين زعيم الحرية …