أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / في الانتخابات الأمريكية تحقق أخف الضررين

في الانتخابات الأمريكية تحقق أخف الضررين

محمد شريف كامل

مدون وكاتب مصري
عرض مقالات الكاتب

قاعدة أهون الشرين أو قاعدة أخف الضررين هي مبدأ أخلاقي وقانوني وفقهي ينص على أنه عند الاضطرار إلى الاختيار بين أمرين، يجب اختيار العمل الأقل فسادا وضررا، وينطبق ذلك على كثير من أمور الحياة ولا شك يشمل الممارسات السياسية، وليس ببعيد عن ذلك الانتخابات الأمريكية التي وإن كانت قد أعلنت نتائجها الأولية والتي لن تنتهي فصولها إلا مع تسليم السلطة للرئيس المنتخب في 20 يناير 2021، ولا يعلم إلا الله وحده كيف ستمر تلك الفترة وما هي عواقبها.

ومن المعروف أن الحكم في الولايات المتحدة يتداوله الحزبان الجمهوري والديمقراطي، وأن كلاهما يمثلان مصالح الرأس مالية الأمريكية، ولذا كلما أقترب أي شخص ذو فكر أو شخص يسعى لأن يمثل عموم الشعب يتم محاربته بكل الوسائل، وينطبق ذلك على الكثير، ومنهم “برنى ساندرز” المرشح الذي تم وقفه بكل الوسائل أكثر من مرة.

ويمثل الحزب الجمهوري الصناعات الثقيلة وصناعات الأسلحة، وحين يتولى الحكم يُحدث ضرر مدمر بالعالم ومعه تعلوا مكاسب الولايات المتحدة الناتجة عن البلطجة الأمريكية المعهودة، ويأتي من بعده الحزب الديمقراطي الذي يمثل الصناعات الخفيفة فتحاول حكومتها إصلاح بعض الأمور وتبيض وجه الولايات المتحدة أمام العالم.

والأمثلة على ذلك كثيرا، رولاند ريجان الذي لم يتوانى عن قذف نيكاراجوا، وجورج بوش الأب والأبن وموقفهم من المنطقة العربية وحروب الخليج وتدمير أفغانستان واحتلال العراق، ولا أعتقد أن دور دونالد ترامب ببعيد عما قام به من إفساد العالم والعلاقات الدولية، ونعلم جميعا أن العالم الحي ليس به “Undo”.

ولقد تفوق ترامب على كل سابقيه من اليمين حيث كان السم الذي تجرعته الولايات المتحدة خلال الأربع سنوات الماضية ما هو إلا قليلا من السم الذي تحقن به العالم طوال التاريخ، ولكن ترامب وجه ذلك السم للداخل وللخارج معا، ولعلها بذلك يدرك الشعب الأمريكي القليل مما أذاقه للعالم وأن يدرك أن عليه ان يتغير للأحسن وألا يستمر في الصمت لاستغلال العالم لصالح الفساد والاستغلال.

ونعود للحديث عن الانتخابات الأمريكية وعن المفاضلة بين ترامب وبايدن وحديث البعض عن أنه لا فارق بينهما، ويبدوا أننا العرب لم نتوقف بعد عن تصنيف البشر إلى ملائكة وشياطين ومازلنا نعيش في عصر الأبيض والأسود، ولم ندرك بعد أن الحياة تحكمها ألوان الطيف وليس لونان فحسب.

إننا لا نفاضل بين ملائكة وشياطين، وحتى إن كان الأمر كذلك فبايدين وهاريس ليسا ملائكة، ولكننا امام منهجين منهج القوة والبلطجة ومنهج السياسة والسيطرة المبنيان على القوة الناعمة، وللأسف نسمع الأقاويل التي تتردد بيننا مثل ما الفائدة من بايدن؟ هل سيحرر فلسطين؟ وأليس هو من مؤيدي إسرائيل الصهيونية؟ وأليس زوج هاريس يهودي؟ وهل سيقفان في وجه بن سلمان؟ وهل سيحرران الأسرى من سجون السيسي؟

أولا، يجب أن نتوقف عن ترديد تلك الأسئلة التي تتسم بالسذاجة، فلن يحرر فلسطين إلا أهلها، ولن يٌنتخب رئيس لأمريكا لا يعترف بإسرائيل، ولن يعمل رئيس لأمريكا ضد مصالحها المرتبطة بالديكتاتوريات العربية واللاتينية والأسيوية علينا نحن أن نعزلهم وألا ننتظر ذلك من ماما أمريكا التي علمنا السادات أنه لا يمكن الوقوف أمامها، وعلينا أن نتوقف عن تقييم الأمور بملف واحد وقضية واحدة.

لقد أختلف ترامب عن كل رؤساء الولايات المتحدة، وبلا شك لكل رئيس بصمة شخصية تظهر في أسلوب الإدارة، ولكن بصمة ترامب كانت بصمة سمسار عقارات سيئ السمعة ومتهرب من الضرائب يدير البلاد والعلاقات الدولية من خلال إيفانكا وكوشنر، شخصان لا سمة لهما إلا الرعونة والمنفعة الخاصة.

ويتعجب البعض لمتابعة الشرق الاوسط لتلك الانتخابات، ولكنها بمنتهى البساطة أمر طبيعي فالعالم كله يتابع انتخابات أكبر وأقوى دولة في العالم، دولة تمارس البلطجة في عالم لا تحكمه إلا المصالح، وتعجبنا من ذلك يعود لعدة أسباب:

  • يتقدمها فقداننا للحس الديمقراطي وعدم فهمنا لألياته
  • ومنها خوف الأنظمة الدكتاتورية من تغيير منهج التعامل معها من ناحية وتصورنا أن مشاكلنا قد تحل على عتبة البيت الأبيض من ناحية أخرى.

إن الوقوف بجانب بايدن مثل ضرورة لا مفر منها لإخراج ذلك السمسار الأرعن من البيت الأبيض لأن كل يوم إضافي له داخل المكتب البيضاوي هو إضافة لمأساة جديدة يعيشها العالم ككل وليس الولايات المتحدة والشرق الأوسط فحسب، مأساة لن تصحح حتى وإن كان التالي له ملاكا لم يخلق بعد، السياسة وحياة الناس لا يحكمها المثالية، ولكن علينا أن نتحلى بالمبادئ ونحن نتعامل معها.

وأهم المبادئ، ألا نتخلى عن الديمقراطية التي تحقق الكثير مما لا نعرفه بعد، فلقد أنجبت تلك الديمقراطية للكونجرس شباب يدركون معنى الدفاع عن الديمقراطية وعن الحقوق وقد أعاد الشعب الأمريكي إنتخاب، ضمن أخريين، كلاً من “أيانا بريسلي” و”الكسندريه أوكازيو كورتز AOC” و”إلهان عمر” و”رشيدة طليب”، أربع نساء بسيطات يقفن ضد الفساد وتدخل الرأس مالية، ووقوفنا ضد ترامب يحمى تلك البراعم الناشئة، وأرجوا القارئ أن يراجع مواقفهن ويتابعهن.

ومع كل ذلك يتعجب البعض بل ويتخوفوا من أن هناك 70 مليون أمريكي أدلوا بصوتهم لصالح ترامب، ولكن علينا أن ندرك أنه ليس جميعهم من مؤيديه، بل أغلبهم ممن أوهمهم الإعلام وبعض أصحاب المصالح بغير الحقيقة، ولهذا حديث أخر عن دور الإعلام في العملية الديمقراطية سلبا وإجابا.

ولكن متى نحارب نحن من أجل الديمقراطية ونعمل لتحقيق مصالحنا، ونتوقف عن العمل بالقول المأثور “اللهم اشغل الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بينهم سالمين” في غير وقته وغير محله لأننا غالبا الخاسرين، وأهم القواعد التي يجب إتباعها هي قاعدة أقل الضررين، وهي من أهم قواعد الاختيار الديمقراطي، أمر لا نعرفه نحن، فقد أعتدنا أن نختار أكثر الأضرار على حساب الديمقراطية.

وأخيرا لقد حان الوقت لتهنئة بايدن وهاريس، ونحن نعلم تماما إنهم ليسوا ملائكة وقد لا يفعلا الكثير، ولكن على الأقل سيضعون نهاية لكل هذه الأضرار التي أحدثها ترامب وعائلته وأصدقائه الفاسدون. هناك الكثير من العمل الذي يتعين القيام به لدفعهما للقيام بعمل أفضل مما هما عليه، ولكن الأن على الأقل، فإن الولايات المتحدة لن يحكمها رئيس متكبر جاهل متغطرس يبث الكراهية أينما حل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

حوران يا ديرة هلي

د. خالد المسالمة كاتب وأكاديمي سوري ‏قلب رجال وأشبال حوران الأبية موازين القوى، …