أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / السلطة الدينية (الثيوقراطية) – البابوية مثالاً (6)

السلطة الدينية (الثيوقراطية) – البابوية مثالاً (6)

محمد الحاج

باحث وأكاديمي سوري
عرض مقالات الكاتب

اللاهوت: أحد ركائز البابوية. وهو لغةً : علم الإلهيات. ” ويقابل مصطلح ثيولوجي الانكليزي، المركب من ثيوس ومعناه إله، ولوغوس ومعناه علم، فهو إذا علم الإلهيات “.(1)

أما اللاهوت اصطلاحا: فهو دراسة الإلهيات دراسة منطقية. حيث اعتمد علماء اللاهوت المسيحيون، على التحليل  العقلاني لفهم المسيحية بشكل أوضح، وليقارنوا بينها وبين الأديان الأخرى، وليدافعوا عنها في مواجهة النقد، وللمساعدة في نشرها.(2)

بولس مؤسس اللاهوت الكنسي: اللاهوت، ليس النصرانية التي جاء بها عيسى عليه السلام. إنما هو فكر بشري، وضع أسسه بولس منذ القرن الأول، وقوننه آباء الكنيسة في القرن الرابع الميلادي، ليجعلوا منه إطارا عاما محدِدا للعقائد والفكر الكنسيين، وحداً فاصلا يحجز المؤمنين عن المخالفين الهراطقة، وسيفا مسلطا على الأخيرين. ” وقد كان للرسول بولس الأثر الكبير في تكوين وتشكيل العقائد المسيحية، ويبرز هذا فيما خلفه بولس من أفكار ومعتقدات، أثرت في التشكيل النهائي لهذه العقيدة، وأخذت أفكاره وأقواله الحيز الكبير في التراث المسيحي، لتحل في النهاية محل أقوال المسيح نفسه، وتعاليم تلاميذه “.(3) وقد جاء تأثير بولس هذا ” من تعدد مناهج التفكير التي يحملها التي يحملها في رأسه، وتصطبغ بها شخصيته .”(4) حيث قَدِمَت تلك النماذج من: اليهودية التي ولد ونشأ عليها. ومن الفلسفة الهلنستية، التي صبغت الحياة الثقافية اليونانية. ومن المسيحية التي انقلب إليها من اليهودية !. وباعتبار أن فكر بولس قد تمحور حول شخصية المسيح، دون جوهر دعوته، فقد أفاد من تلك النماذج لكي ينقل تلك الشخصية إلى مراحل التقديس ثم الألوهية. استقى بولس الكثير من عقائد المسيحية، من معتقدات وأفكار الأوساط التي عاش فيها، وتكونت ثقافته من معينها، وصاغها صياغة جديدة ليتمسك بها الناس كدين. ونذكر فيما يلي أهم تلك المعتقدات:

فكرة الخطيئة: أخذها بولس من التراث اليهودي. فاليهود يعتقدون أن الأبناء، يحملون أوزار الآباء، فضَحُّوا بالأبناء تكفيرا عن الخطايا وإرضاء للآلهة. وقد ورث بنو إسرائيل هذا المعتقد من جيرانهم من القبائل الوثنية، التي التصقوا بها وصاهروها، ونقلوا عنها كل رجس، بما في ذلك معبوداتهم الوثنية.(5)

فكرة قيامة المسيح: أخذها من التراث اليوناني والمشرقي، فاليونان يعتقدون أن للخصب إله، يموت ثم يبعث بعد قليل من وفاته. ” فبعد الاحتفال بالموت، يبدأ عيد الحياة، وهو تمجيد لقيامة الإله الظافرة، ويُحتفل بذلك العيد بالعربدة والمجون والغرق في الإثم والقذارة “.(6)

عقيدة الثالوث المقدس: أخذها من الفيلسوف سينكا. يقول الدكتور عثمان أمين في كتابه الفلسفة الرواقية: ” إن النظرية المسيحية التي تذهب إلى أن الله واحد ومتعدد في وقت واحد، هي نظرية

تمتد إلى الفلسفة الرواقية بسبب وثيق. إن عقيدة الثالوث المقدس المعروفة، ترجع في أصولها إلى بولس الرسول، ولكنا نلاحظ أن هذه الأصول مبسوطة في كتب سينكا لأول عهده بالكتابة إذ يقول: [ نصيبنا من السماء فوقنا والأرض تحتنا ونزعاتنا الأخلاقية] تلك من نعم القوة العظمى التي أبدعت الكون، فتارة نسميها (الله المسيطر)، وتارة (الحكمة اللاجسمانية) التي تخلق جليل الأعمال، وتارة (الروح الإلهية) التي تجوس خلال الأشياء عظيمها وحقيرها “. (7)

دوافع وضرورات تأسيس اللاهوت: تتلخص تلك الدوافع والضرورات في: أ – ضرورة اللاهوت من أجل تنظيم الكنيسة، للحفاظ على بقائها: لإدامة نظام الكنيسة واستمرار سيطرتها على حياة المسيحيين، كان لابد من وضع صيغ أساسية رابطة، تشد المؤمنين بفكر الكنيسة وعقائدها. وقد وجد آباء الكنيسة تلك الضالة فيما أسسه  بولس من معتقدات.  ب – ضرورة اللاهوت للتأقلم مع بنية المجتمع الجديد على النصرانية، بعد خروجها من فلسطين إلى العالم اليوناني، تلك البنية المتشكلة من وثنية المشرق، وفلسفة اليونان ووثنيتهم، ووثنية الرومان، ويهودية يهود الشتات. والمتلونة بشريا بألوان تلك الثقافات والديانات. أي بمثقفين متشبعين بفلسفات اليونان، وعامة مترعين بطقوس الوثنية، ويهود يحملون عقائد دينهم .

أ – ضرورة اللاهوت لبقاء الكنسية: يقول ول ديورانت في قصة الحضارة: ” لم يكن يخالج الكنيسة شك في أن بقائها في تنظيمها، وفي أن هذا التنظيم يتطلب الاتفاق على عقائد أساسية، وأن الكثرة الغالبة، من أتباعها تتوق إلى أن ترجع إلى عقائد مقررة ثابتة، فحددت من أجل ذلك عقيدتها، في قواعد لا تبديل فيها، وجعلت الشك في هذه القواعد ذنبا، وتورطت في نزاع لا نهاية له مع عقل الإنسان المرن وآرائه المتغيرة “.(8) بمعنى آخر: إن اللاهوت التي وضعته الكنيسة، جاء كديانة جامعة لكل تلك التنوعات الثقافية  بعد إجراء بعض التعديلات  عليها. ولم تعد الكنيسة في بداية القرن الرابع، تُظهر صورة مجتمع الحواريين، أي صورة المجتمع المقتصر على ديانة واحدة هي اليهودية، بل تُظهر ”   مجتمعا دينيا واسع النطاق، يدخل فيه – دون تمييز لجنس أو طبقة معينة – كل من يرى في نفسه القدرة الكافية، مجتمعا يدرك … أنه هو الأمة المختارة، أي كنيسة المسيح … أنشأت هذه الكنيسةُ مجموعة عقائدية جديدة بالغة التعقيد، اعتمدت في صلبها على شخصية المسيح … واستقت عناصرها من التأملات الخاصة المتغالية في تفسير معطيات الإيمان الأولى، ثم من المذاهب الفلسفية والدينية التي وجدتها في البنية اليونانية والرومانية. وقد خرجت هذه المجموعة العقائدية على الناس في صورة ما سمي ” شروط الإيمان”  … بناء على الآراء الغالبة. وأريد لها أن تكون تفسيرا ثابتا للعالم وللحياة ولمصير الإنسان وأخد علماء اللاهوت يعملون بحماس على توسيع أبعادها ومفاهيمها وعلى ترتيبها في انسجام وتكامل. ومن ناحية أخرى ظهرت الكنيسة [ في بداية القرن الرابع] أنها هيئة منظمة. فقد انتظمت شيئا فشيئا على غرار المعابد اليهودية أو الجماعات الوثنية، الذين اعتاد قادتهم على التشاور في كل الأمور الخاصة في الإيمان والآداب العامة والنظام، وعلى أن يعبروا عن رأي الأغلبية في قرارات جماعية    “. (9)

ب – ضرورة اللاهوت للتأقلم مع المجتمع الجديد: ”     القرن الرابع لم يشهد قيام التنظيم الكهنوتي للكنيسة وازدياد نفوذها فحسب، بل شهد أيضا تطور اللاهوت المسيحي وتقدمه. ذلك أن المسيح وضع للناس أسلوبا جديدا للحياة، ولكنه لم يقم بأية محاولة لوضع لاهوت علمي منظم. وطالما كان أتباعه ورسله يقومون بتقديم مواعظهم ونشر دعوتهم بين أناس غير مثقفين، فإن الحاجة لم تكن ماسة لمثل هذا اللاهوت، لأنه كان يكفي هؤلاء البسطاء أن يستمعوا إلى قصة المسيح وحياته ليتفهموا أسلوب المسيحية في الحياة. ولكن انتشار المسيحية بين المثقفين – الذين ألفوا التفكير الكلاسيكي ومرنوا طرق الجدل وأساليب المنطق والفلسفة – أدى إلى تطور جديد في الدراسات اللاهوتية. وذلك أن هؤلاء المتعلمين أخذوا يتساءلون عن العلاقة بين الله والمسيح، ويحاولون تحديد هذه العلاقة، كما استفسروا عن طبيعة الملائكة، وعن المقصود بأن الخبز والنبيذ تحولا إلى لحم المسيح ودمه. وسرعان ما أصبحت هذه المسائل تحتل جانبا كبيرا من تفكير المسيحيين، عندما غدت المسيحية دينا رسميا، مما استلزم وضع دراسات لاهوتية يقنع بها المثقفون من مقتنعي الديانة الجديدة. وقد قام بهذه المهمة مجموعة من كبار مفكري المسيحية الذين يطلق عليهم عادة آباء الكنيسة، وأهمهم: كلمنت السكندري، وأوريجين وجيروم وأمبروز وأوغسطين … وكان هؤلاء الآباء على معرفة بالفلسفة الكلاسيكية – لاسيما آراء الأفلاطونية الحديثة – فأفادوا منها في تبرير آرائهم والتدليل عليها، وتقديم العقائد المسيحية في صورة علمية، يتقبلها المثقفون. هذا إلى أن هؤلاء الآباء عملوا على التوفيق بين تعاليم المسيحية من جهة ومطالب الدولة والكنيسة، في عهدها الجديد من جهة أخرى      “.(10)     

……………………………………………..

الهوامش:

 1 – منصور المخلصي والنقل عن أنمار أحمد محمد، اللاهوت المسيحي نشأته وطبيعته، ط1 2010 دار الزمان، ص17

2 – ويكيبيديا

3 – د. أنمار أحمد محمد، مصدر سابق، ص148

4 – أنمار أحمد محمد، ص148

5 – أنمار أحمد محمد، ص149، بتصرف

6 – جوزيف هولزنز، بولس الرسول، والنقل عن د. أنمار أحمد محمد، المصدر نفسه،ص151 ، 

7 – د. عثمان أمين، الفلسفة الرواقية، مطبعة التأليف والترجمة والنشر 1945، ص226

8 – ول ديورانت، قصة الحضارة، الجزء 12، ص158

9 – شارل جيني بير، المسيحية نشأتها وتطورها، ترجمة الدكتور عبد الحليم محمود، منشورات المكتبة العصرية صيدا بيروت، ص126 – 127

10 – د. سعيد عبد الفتاح عاشور، تاريخ أوربا في العصور الوسطى، الجزء1 ، ص47 – 48

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

فتوى الشيخ ابن باز عن التطبيع عرض ونقض

د. عطية عدلان مدير مركز (محكمات) للبحوث والدراسات – اسطنبول الحمد لله .. …