أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / هل يكون التطبيع بداية مرحلة الانقلاب على ثورة ديسمبر؟

هل يكون التطبيع بداية مرحلة الانقلاب على ثورة ديسمبر؟

الحسن محمد عثمان

مدوّن سوداني
عرض مقالات الكاتب

مر السودانيون منذ استقلالهم في منتصف القرن الماضي بمراحل كثيرة ،تعاقبت عليهم سلطات كانت في مجملها “ديكتاتورية” “ظالمة” ،لم ينعم السودانيون منذ الاستقلال بحكم رشيد ينقلهم من قاع الفقر والدمار و الحروب إلى قمة الرفاه والتقدم ، انتهجت السلطة السودانية الأولى بعد الاستقلال سياسة لا تعمل على بناء دولة متحدة تبحث عن مفاتيح التقدم بل كانت سياساتها جزءا من الإشكالات التي تراكمت لاحقا وأضحت معضلة كبرى ، لم يفكر الحكام الأوائل في البحث عن مشروع يجمع السودانيين على اختلافاتهم الفكرية والسياسية والعرقية والدينية وبسبب غياب هذه الرؤية استمرت الإخفاقات التي كانت أبرزها قضية الجنوب وهي التي كانت أسوأ مظاهر الحكم العسكري الذي تعاقب على البلاد منذ استقلالها فنتيجة لفشل الطبقة الأولى أتى انقلاب الجنرال “إبراهيم عبود” الذي كان بداية لمسلسل الانقلابات السودانية ولم يتعامل عبود مع مشكلة الجنوب بصورة مناسبة ولم يعرف عنه سعي لإيجاد حل ينهي الأزمة الجنوبية بل تفاقمت الأوضاع في فترته حتى ثار الشعب عليه في ثورة 21 أكتوبر 1964 التي كانت أول ثورة عربية وإفريقية تنجح في إسقاط الاستبداد العسكري ،مضى عبود وأتى بعده قادة مدنيون لم يحسنوا التعامل مع الأزمة السودانية ولم يتغير الأمر كثيرا حتى تعاقبت الانقلابات العسكرية على السودان بانقلاب جعفر نميري في مايو 1969 ثم انقلاب عمر البشير في يونيو 1989 ،سنوات عجاف عانى فيها السودانيون من القمع والقتل و التهجير والفساد ، وجد السودانيون في ثورة ديسمبر فرصة ذهبية يمكن أن تغير واقعهم السيء منذ السنوات الأولى للاستقلال فخرجوا من شتى الأماكن وفي كل الشوارع مطالبين بإسقاط النظام وتحقيق الحرية والعدالة والسلام وهي القيم التي ظلت غائبة طوال ستة عقود هي عمر السودان فأهله مثل محيطهم العربي والإفريقي لم يهنأوا بحكم عادل بل تعاقبت عليهم الديكتاتوريات المستبدة أحيانا و الفترات الديمقراطية “غير الناضجة” أحيانا أخرى ، بعد مضي أكثر من عام و نصف على إسقاط نظام البشير لم يتغير الحال كثيرا في السودان فالإشكال الاقتصادي ما زال مستمرا وبلغ التضخم مستويات قياسية والعملة الوطنية تراجعت كثيرا وفقدت قيمتها ،رغم هذا الفشل الاقتصادي رغم وضوحه إلا أن رئيس الحكومة ما زال عبارته المشهورة “سنعبر وسننتصر” وهي العبارة التي أضحت محط سخرية في مواقع التواصل الاجتماعي فالعبور لم يتحقق و الانتصار الذي يحلم به “حمدوك” لا تبدو مؤشراته ومعالمه بارزة فالثورة التي خرجت ضد نظام ديكتاتوري فاسد وقاتل لم تحقق كل أهدافها بعد ولم يحاكم القتلة على جرائمهم ولم تفتح كل ملفات الفساد بعد وما زال فلول النظام ينشطون في أعمالهم التخريبية ،الانتصار الذي يقصده حمدوك لن يتحقق بهذا الأسلوب فالحكومة لا تعترف بأخطائها وفشلها في التعامل مع أزمات السودان وترجع الفشل ل”تركة نظام الإنقاذ الثقيلة” وهي “الشماعة” التي تعلق عليها الحكومة كل إخفاقاتها ،رغم كون الجملة صحيحة في بعض أجزائها إلا أن استخدامها المتكرر أفقدها الصحة ونزع المصداقية من الحكومة وهي التي يفترض أنها تمثل ثورة عظيمة لم يسبق لها مثيل في السودان .بعد عام على تولي حمدوك رئاسة الحكومة وجد السودانيون من كانوا يعتبرونهم “القتلة” ومن كانوا يتهمونهم بأنهم “أعداء الثورة” وجدوهم شركاء في الحكم وهو السيناريو الذي قبله الشعب السوداني على مضض بعد اتفاق المرحلة الانتقالية الذي نص على الشراكة بين العسكر وقوى الحرية والتغيير وهو الذي لم يكن في مستوى الثورة لكن القوى المدنية أقنعت الشعب بأن هذا الاتفاق هو أقصى ما يمكن تحقيقه في سبيل تمرير “أهداف الثورة” وهو التبرير الذي قوبل بأسئلة كثيرة عن كيفية الربط بين الثورة والعسكر الذين كانوا ركنا من أركان نظام البشير ولم يكن لهم دور في الثورة بل استجابوا مرغمين لنداء الشعب وهتافه المطالب برحيل البشير ونظامه . أسئلة العدالة لضحايا الثورة ما زالت تواجه الحكومة الانتقالية ولم يتخل الشباب الثوري عن مطالبته بالقصاص والعدالة ،لجنة التحقيق في مجزرة 3 يونيو لم تقدم تقريرها بعد وهو التقرير الذي ينتظره الشعب ليحكم من خلال نتيجته على مسار الثورة ،أما السلام الذي لم تنعم به أجزاء واسعة من السودان طوال 6 عقود لم تظهر خطوات فاعلة لتحقيقه حتى الآن رغم اتفاق جوبا الذي أتى برعاية جنوب السودان و وصفه كثيرون بأنه لا يختلف كثيرا عن اتفاقات نظام المخلوع التي كانت في مجملها “محاصصات” و”تقاسم لكعكة السلطة” ولم تغب عنه معظم الحركات الموقعة على اتفاق جوبا فهي أيضا كان لها تفاوض سابق مع نظام المخلوع وسبق لبعض من قادتها أن دخلوا القصر الجمهوري بمناصب مختلفة قبل ان يغادروه لاحقا لخلافات مع النظام . ظاهرة جديدة أضحت هاجسا يهدد السودان في سلمه الاجتماعي وتماسكه هي أزمة الخطاب العنصري والاصطفاف القبلي في شرق السودان و تحتمل السلطة الانتقالية بشقيها العسكري والمدني وزر هذه الأزمة لأنها أعطت شرعية لقادة التيار العنصري واستضافتهم غير مرة في القصر الجمهوري وذهبت أبعد من ذلك ورضخت لمطالبهم العنصرية التي ترسخ للكراهية وأبرزها استجابة حمدوك -بضغوط من العسكر- لمطالب التيار العنصري وإقالته لوالي كسلا صالح عمار الذي واجه خطابا عنصريا تبناه ساسة و زعماء قبليون مرتبطون بالنظام السابق .لم يكن التطبيع إلا خطوة أخرى ترجمت الضعف والتخبط الذي اعترى السلطة الانتقالية في كثير من قرارتها فهي لم تتعامل بحزم مع الابتزاز الذي مارسه ترمب ورضخت له وانضمت بذلك لمحور الخيانة مقابل رفع اسم السودان من قائمة الإرهاب الأمريكية ،الجنرال عبد الفاتاح البرهان الذي التقى برئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو في أوغندا بات رمزا للخيانة بعد لقائه مع نتنياهو وتولى الشق العسكري مهمة تبني هذه الخيانة والترويج لها وتقديمها بوصفها “حلا ناجعا ” لمشكلات السودان وهو التبرير الذي لا يتواءم مع الواقع ويعد خوضا في أوهام لا وجود لها فالتطبيع لن يضيف شيئا للسودان ولن يسهم في حل قضاياه المعقدة ولن يختلف الحال في السودان عن مصر والأردن ،رغم رضوخ العسكر والمدنيين لترمب إلا أنه أعلن تمديد حالة الطوارئ الخاصة بالسودان لعام آخر مما يعني استمرار العقوبات المفروضة على السودان بسبب أحداث دارفور وهو الذي وصفته الخارجية السودانية ب”الإجراء الروتيني” الذي لن يؤثر على تقدم العلاقات بين السودان والولايات المتحدة . ثلاثي العسكر وفلول النظام وضعف المدنيين يتربص بالثورة السودانية لكن الشعب عازم على إنجاحها مهما حدث حتى لا يصبح السودان مثل دول الربيع العربي .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

استراتيجية نصرة الرسول صلى الله عليه وسلم من الأقوال إلى الأفعال

محمد عماد صابر برلماني مصري سابق إن رسول الله- -صلى الله عليه وسلم- …