أخبار عاجلة
الرئيسية / بحوث ودراسات / مع المصطفى صلى الله عليه وسلم في محبته – 3 من 27

مع المصطفى صلى الله عليه وسلم في محبته – 3 من 27

د. أكرم كساب

كاتب ومفكر إسلامي
عرض مقالات الكاتب

3- الاستهزاء بما جاء به صلى الله عليه وسلم (القرآن):

وكما استهزؤوا بشخصه، وبما دعا إليه؛ استهزؤوا كذلك بما جاء به، وهو: القرآن الكريم.

فزعموا أن هذا القرآن من كلام البشر، بل حددوا الشخص الذي يعلمه هذا القرآن، فقالوا: (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ) فرد عليهم الحق بقوله: ( لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ) [النحل: 103].

وقالوا مرة: أضغاث أحلام، أو كلام مفترى، أو نظم شاعر، قال تعالى على لسانهم:(بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ) (الأنبياء:5).

وهنا نلحظ مدى تخبطهم في وصف القرآن واعتراضهم على من نزل عليه.

ولكن استهزاءهم بالقرآن لم يكن نابعا من قناعة بأنفسهم، بل كان مخالفا فطرتهم، وعارضا ذوقهم وبلاغتهم، وقد ذكر القرطبي أن أبا طالب لما قيل له: إن ابن أخيك زعم أن الله أنزل عليه:{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ }النحل:90 قال: اتبعوا ابن أخي؛ فوالله إنه لا يأمر إلا بمحاسن الأخلاق[1].

وقال عكرمة: قرأ النبي صلى الله عليه وسلم على الوليد بن المغيرة:{إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}النحل:90، فقال يا ابن أخي أعد! فأعاد عليه، فقال: والله إن له لحلاوة وإن عليه لطلاوة وإن أصله لمورق وأعلاه لمثمر وما هو بقول بشر[2].

لكن هذا الاستهزاء كله لم ينل من رسول الله شيئا، وإنما رجع أصحاب الاستهزاء بالويل والثبور، ولله در القائل:

ما نالَ منك مُنافق أو كافِر

بل منه نالت ذلّةٌ صَغـــــــــــــارُ

حلّقتَ في الأفقِ البعيد فلا يدٌ

وصلَت إليك ولا فمٌ مهذَار

أعلاك ربُّك همّةً ومكانةً

فلَك السموُّ وللحسود بَوار

وقد أشار ابن تيمية إلى هلاك هؤلاء المستهزئين فقال: إذا استقصيت قصص الأنبياء المذكورة في القرآن تجد أممهم إنما أهلكوا حين آذوا الأنبياء وقابلوهم بقبيح القول أو العمل، وهكذا بنو إسرائيل إنما ضربت عليهم الذلة وباءوا بغضب من الله، ولم يكن لهم نصير لقتلهم الأنبياء بغير حق مضموما إلى كفرهم كما ذكر الله ذلك في كتابه، ولعلك لا تجد أحدا آذى نبيا من الأنبياء ثم لم يتب إلا ولا بد أن تصيبه قارعة[3].

ثانيا: المنصفون من القوم ماذا يقولون؟

لم تزل شخصية النبي صلى الله عليه وسلم شخصية آسرة، تأسر القلوب وتخطف العقول، ولا يمكن لعقلية محترمة منصفة أن تقرأ تاريخ نبي الإسلام صلى الله عليه وسلم من مصادره الحقيقية؛ إلا وتظهر إعجابها بهذه الشخصية الفذة، التي عمّ نفعها البشرية كلها، والتي لولاه لخسرت البشرية الكثير والكثير.

لقد أسر النبي صلى الله عليه وسلم قلوب العديد من مثقفي أوربا، حتى كتب عنه المنصفون، وجعلوه في مصاف البشر، ولم يكن من العجيب أن يكتب مايكل هارت كتابه: “مائة رجل من التاريخ[4]“، ويجعل في مقدمتهم رسولنا محمدا صلى الله عليه وسلم.

ولأن العالم الغربي كتابه ومفكريه ليسوا على مستوى واحد من الأمانة والإنصاف، فإن فيهم المنصف والجاحد، وبين هذا وذاك أصناف وأشكال، ولذلك سأذكر هنا بعض ما قاله المنصوفون للتاريخ والإسلام ونبي الإسلام عليه الصلاة والسلام: 

1- مهاتما غاندي: “أردت أن أعرف صفات الرجل الذي يملك بدون نزاع قلوب ملايين البشر.. لقد أصبحت مقتنعا كل الاقتناع أن السيف لم يكن الوسيلة التي من خلالها اكتسب الإسلام مكانته، بل كان ذلك من خلال بساطة الرسول مع دقته وصدقه في الوعود، وتفانيه وإخلاصه لأصدقائه وأتباعه، وشجاعته مع ثقته المطلقة في ربه وفي رسالته. هذه الصفات هي التي مهدت الطريق، وتخطت المصاعب وليس السيف. بعد انتهائي من قراءة الجزء الثاني من حياة الرسول وجدت نفسي أسفا لعدم وجود المزيد للتعرف أكثر على حياته العظيمة”.

2- راما كريشنا راو: “لا يمكن معرفة شخصية محمد بكل جوانبها. ولكن كل ما في استطاعتي أن أقدمه هو نبذة عن حياته من صور متتابعة جميلة. فهناك محمد النبي، ومحمد المحارب، ومحمد رجل الأعمال، ومحمد رجل السياسة، ومحمد الخطيب، ومحمد المصلح، ومحمد ملاذ اليتامى، وحامي العبيد، ومحمد محرر النساء، ومحمد القاضي، كل هذه الأدوار الرائعة في كل دروب الحياة الإنسانية تؤهله لأن يكون بطلا”.

3- المفكر الفرنسي لامارتين: “إذا كانت الضوابط التي نقيس بها عبقرية الإنسان هي سمو الغاية والنتائج المذهلة لذلك رغم قلة الوسيلة، فمن ذا الذي يجرؤ أن يقارن أيا من عظماء التاريخ الحديث بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في عبقريته؟ فهؤلاء المشاهير قد صنعوا الأسلحة وسنوا القوانين وأقاموا الإمبراطوريات. فلم يجنوا إلا أمجادا بالية لم تلبث أن تحطمت بين ظهرانَيْهم. لكن هذا الرجل (محمدا (صلى الله عليه وسلم) لم يقد الجيوش ويسن التشريعات ويقم الإمبراطوريات ويحكم الشعوب ويروض الحكام فقط، وإنما قاد الملايين من الناس فيما كان يعد ثلث العالم حينئذ. ليس هذا فقط، بل إنه قضى على الأنصاب والأزلام والأديان والأفكار والمعتقدات الباطلة.

هذا هو محمد (صلى الله عليه وسلم) الفيلسوف، الخطيب، النبي، المشرع، المحارب، قاهر الأهواء، مؤسس المذاهب الفكرية التي تدعو إلى عبادة حقة، بلا أنصاب ولا أزلام. هو المؤسس لعشرين إمبراطورية في الأرض، وإمبراطورية روحانية واحدة. هذا هو محمد (صلى الله عليه وسلم). بالنظر لكل مقاييس العظمة البشرية، أود أن أتساءل: هل هناك من هو أعظم من النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)؟

4- مونتجومري: إن استعداد هذا الرجل لتحمل الاضطهاد من أجل معتقداته، والطبيعة الأخلاقية السامية لمن آمنوا به واتبعوه واعتبروه سيدا وقائدا لهم، إلى جانب عظمة إنجازاته المطلقة، كل ذلك يدل على العدالة والنزاهة المتأصلة في شخصه. فافتراض أن محمدا مدع افتراض يثير مشاكل أكثر ولا يحلها. بل إنه لا توجد شخصية من عظماء التاريخ الغربيين لم تنل التقدير اللائق بها مثل ما فعل بمحمد.

5- بوسورث سميث: لقد كان محمد قائدا سياسيا وزعيما دينيا في آن واحد. لكن لم تكن لديه عجرفة رجال الدين، كما لم تكن لديه فيالق مثل القياصرة. ولم يكن لديه جيوش مجيشة أو حرس خاص أو قصر مشيد أو عائد ثابت. إذا كان لأحد أن يقول إنه حكم بالقدرة الإلهية فإنه محمد، لأنه استطاع الإمساك بزمام السلطة دون أن يملك أدواتها ودون أن يسانده أهلها.

6- جيبون أوكلي: ليس انتشار الدعوة الإسلامية هو ما يستحق الانبهار وإنما استمراريتها وثباتها على مر العصور. فما زال الانطباع الرائع الذي حفره محمد في مكة والمدينة له نفس الروعة والقوة في نفوس الهنود والأفارقة والأتراك حديثي العهد بالقرآن، رغم مرور اثني عشر قرنا من الزمان.

7- الدكتور زويمر (مستشرق كندي): إن محمداً كان ولا شك من أعظم القواد المسلمين الدينيين، ويصدق عليه القول أيضاً بأنه كان مصلحاً قديراً وبليغاً فصيحاً وجريئاً مغواراً، ومفكراً عظيماً، ولا يجوز أن ننسب إليه ما ينافي هذه الصفات، وهذا قرآنه الذي جاء به وتاريخه يشهدان بصحة هذا الادعاء.

8- سانت هيلر (مستشرق ألماني): كان محمد رئيساً للدولة وساهراً على حياة الشعب وحريته، وكان يعاقب الأشخاص الذين يجترحون الجنايات حسب أحوال زمانه وأحوال تلك الجماعات الوحشية التي كان يعيش النبي بين ظهرانيها، فكان النبي داعياً إلى ديانة الإله الواحد وكان في دعوته هذه لطيفاً ورحيماً حتى مع أعدائه، وإن في شخصيته صفتين هما من أجلّ الصفات التي تحملها النفس البشرية وهما: العدالة والرحمة.

9- إدوار مونته (مستشرق فرنسي): عرف محمد بخلوص النية والملاطفة وإنصافه في الحكم، ونزاهة التعبير عن الفكر والتحقق، وبالجملة كان محمد أزكى وأدين وأرحم عرب عصره، وأشدهم حفاظاً على الزمام فقد وجههم إلى حياة لم يحلموا بها من قبل، وأسس لهم دولة زمنية ودينية لا تزال إلى اليوم.

10- برناردشو: (له مؤلف أسماه (محمد)، وقد أحرقته السلطة البريطانية): إن العالم أحوج ما يكون إلى رجلٍ في تفكير محمد، هذا النبي الذي وضع دينه دائماً موضع الاحترام والإجلال فإنه أقوى دين على هضم جميع المدنيات، خالداً خلود الأبد، وإني أرى كثيراً من بني قومي قد دخلوا هذا الدين على بينة، وسيجد هذا الدين مجاله الفسيح في هذه القارة (يعني أوروبا).

إنّ رجال الدين في القرون الوسطى، ونتيجةً للجهل أو التعصّب، قد رسموا لدين محمدٍ صورةً قاتمةً، لقد كانوا يعتبرونه عدوًّا للمسيحية، لكنّني اطّلعت على أمر هذا الرجل، فوجدته أعجوبةً خارقةً، وتوصلت إلى أنّه لم يكن عدوًّا للمسيحية، بل يجب أنْ يسمّى منقذ البشرية، وفي رأيي أنّه لو تولّى أمر العالم اليوم، لوفّق في حلّ مشكلاتنا بما يؤمن السلام والسعادة التي يرنو البشر إليها.

11- السير موير: إن محمداً نبي المسلمين لقب بالأمين منذ الصغر بإجماع أهل بلده لشرف أخلاقه وحسن سلوكه، ومهما يكن هناك من أمر فإن محمداً أسمى من أن ينتهي إليه الواصف، ولا يعرفه من جهله، وخبير به من أمعن النظر في تاريخه المجيد، ذلك التاريخ الذي ترك محمداً في طليعة الرسل ومفكري العالم.

12- سنرستن الآسوجي:(أستاذ اللغات الساميّة): إننا لم ننصف محمداً إذا أنكرنا ما هو عليه من عظيم الصفات وحميد المزايا، فلقد خاض محمد معركة الحياة الصحيحة في وجه الجهل والهمجية، مصراً على مبدئه، وما زال يحارب الطغاة حتى انتهى به المطاف إلى النصر المبين، فأصبحت شريعته أكمل الشرائع، وهو فوق عظماء التاريخ.

13- المستر سنكس: ظهر محمد بعد المسيح بخمسمائة وسبعين سنة، وكانت وظيفته ترقية عقول البشر، بإشرابها الأصول الأولية للأخلاق الفاضلة، وبإرجاعها إلى الاعتقاد بإله واحد، وبحياة بعد هذه الحياة.

14- آن بيزيت: من المستحيل لأي شخص يدرس حياة وشخصية نبي العرب العظيم ويعرف كيف عاش هذا النبي وكيف علم الناس، إلا أن يشعر بتبجيل هذا النبي الجليل، أحد رسل الله العظماء، ورغم أنني سوف أعرض فيما أروي لكم أشياء قد تكون مألوفة للعديد من الناس فإنني أشعر في كل مرة أعيد فيها قراءة هذه الأشياء بإعجاب وتبجيل متجددين لهذا المعلم العربي العظيم. هل تقصد أن تخبرني أن رجلاً في عنفوان شبابه لم يتعد الرابعة والعشرين من عمره بعد أن تزوج من امرأة أكبر منه بكثير وظل وفياً لها طيلة 26 عاماً ثم عندما بلغ الخمسين من عمره – السن التي تخبو فيها شهوات الجسد – تزوج لإشباع رغباته وشهواته؟! ليس هكذا يكون الحكم على حياة الأشخاص. فلو نظرت إلى النساء اللاتي تزوجهن لوجدت أن كل زيجة من هذه الزيجات كانت سبباً إما في الدخول في تحالف لصالح أتباعه ودينه أو الحصول على شيء يعود بالنفع على أصحابه أو كانت المرأة التي تزوجها في حاجة ماسة للحماية.


[1]  تفسير القرطبي/ 10/ 147.

[2]  المرجع السابق/ 10/ 147.

[3]  الصارم المسلول على شاتم الرسول/ ابن تيمية/ ط دار الكتب العلمية / 165.

[4]  نشر الكتاب تحت عناوين مختلفة، منها: “المائة” أو “الخالدون مائة” أو “القمم المائة” أو “أعظم مائة في التاريخ” وترجمه إلى العربية أنيس منصور تحت عنوان: “الخالدون مائة أعظمهم محمد رسول الله”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

المربط الصفوي مقاربات عقدية وسوسيولوجية وسياسية وتاريخية 14

أكرم حجازي كاتب وباحث أكاديمي ثانيا:  تاريخية ولاية الفقيه     لا تختلف عقلية …