أخبار عاجلة
الرئيسية / مقالات / أمواج ناعمة – فرنسا بين خطاب الكراهية والذئاب المنفردة
الشرطة الفرنسية في موقع هجوم طعن بالسكين أمام كاتدرائية نوتردام في مدينة نيس، فرنسا 29 أكتوبر 2020 AFP

أمواج ناعمة – فرنسا بين خطاب الكراهية والذئاب المنفردة

د. ياسر محجوب الحسين

صحفي ومحلل سياسي
عرض مقالات الكاتب

خطاب الكراهية الرسمي يُفقس الذئاب المنفردة، هذه خلاصة الأحداث المتسارعة في فرنسا والتي كان آخرها مقتل 3 أبرياء في هجوم بسكين أمس الأول الخميس على كنيسة في مدينة نيس جنوبي فرنسا. ولم تتوان صحيفة الغارديان البريطانية في القول بأن الغضب المتزايد إزاء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أصبح أكثر حدة إثر خطاب ألقاه في وقت سابق من أكتوبر الحالي أعلن فيه عن نيته محاربة ما أسماه بـ”النزعة الانفصالية الإسلامية”، وقد وصف الدين الاسلامي بأنه “في أزمة في جميع أنحاء العالم اليوم”، مما أثار اعتراضات العديد من القادة والمعلقين المسلمين. وأقرت الصحيفة بأن رد الفعل الغاضب امتد وانتشر في شتى أرجاء العالم الإسلامي، وأثار مظالم تاريخية وحالية.

إن الذي قام بذلك العمل المستهجن والذي لا يمت لقيم الدين الاسلامي بأي صلة بل هو ضدها ويحرمها، لا يمثل إلا نفسه وقد استجاب بشكل سلبي ومنفرد لخطاب كراهية فرنسي رسمي غير مسؤول. فالذئاب المنفردة اشخاص يرتكبون أعمال عنف تحت مسوغات مختلفة دون أن يأتمروا لجهة أو يتلقوا مساعدة مادية من مجموعة محددة.

لقد اختار منفذ الهجوم الكنيسة مسرحا لجريمته النكراء وأخذ يُعمل سيكنه تقتيلا في 3 ابرياء مسنين كانوا داخل الكنيسة ومما ضاعف التوتر والشحن أن الهجوم جاء عقب هجوم آخر في وقت سابق من هذا الشهر على مدرس أدى لمقتله بالقرب من مدرسته خارج باريس. الهجومان جاءا في سياق احتجاجات للمسلمين حول العالم وليس في فرنسا وحدها، على دفاع ماكرون عن نشر رسوم كاريكاتورية تسيء إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم. وتصاعدت دعوات في بعض البلدان العربية والاسلامية لمقاطعة البضائع الفرنسية. بيد أن ماكرون غرد باللغة العربية متحديا “لا شيء يجعلنا نتراجع”.

حادثة كنيسة نيس هي الحادثة هي السادسة في فرنسا منذ 5 سنوات والسبب يكاد يكون واحدا، منحصرا في فعل ورد فعل دون أن تحدث المعالجات المطلوبة. والفعل تبني رسمي (حكومة وطبقة سياسية نخبوية) لخطاب معاد بدوافع أقلها سوء الفهم، أما رد الفعل تمثل استجابة سلبية طائشة من قبل أفراد لا يمثلون جماعة بعينها ولا يحركهم هرم تنظيمي.

حادثة “شارلي إيبدو” في 2015 بفرنسا عكست مثالا شاخصاً لمآلات التصرفات الشاذة للمؤسسات الاعتبارية، وما من شك في أن الإساءة للمقدسات والتهكم على الرموز الدينية، عوامل تغذي المتطرفين، وصحيفة “شارلي إيبدو” الأسبوعية الساخرة ظلت تفتخر باستفزاز الأديان بزعم ذلك حرية تعبير. ومنذ تأسيس الصحيفة عام 1970 بقيت على هذا النهج المدمر مجتمعياً. في يناير 2013، نشرت إصدارا مؤلفا من 64 صفحة، ووصفت ذلك العدد بأنه الجزء الأول لسلسلة من الرسوم الكاريكاتيرية الصادمة التي تزعم أنها تصور حياة خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم. وعلق رئيس التحرير بمناسبة نشر هذا العدد، قائلاً: “إنه إذا أراد الناس الشعور بالصدمة فإنهم سيشعرون بالصدمة عند تصفح هذا الإصدار من الصحيفة”.

في سبتمبر الماضي أعادت المجلة نشر تلك الرسوم الكاريكاتورية عشية محاكمة 14 شخصًا متهمين بالتورط في هجوم ضد مكاتبها في 2015 لنشرها نفس الرسوم بتشجيع رسمي من قيادة الدولة. فبأي كلمات يمكن وصف تصرف الصحيفة؟ فلو قلنا أنه تصرف طائش أو غير مسؤول لما كان ذلك كافيا. لقد تحول غضب بعض الشباب المسلم الطائش بسبب نشر الصحيفة لتلك الرسوم إلى نار مزقت أجساد (12) صحفياً كانوا يحضرون اجتماع التحرير الخاص بالصحيفة في ذلك اليوم. وفي نفس الوقت لم توقف ردة فعل أولئك الشباب استفزازات الصحيفة.

ليس سلوك فرنسا الرسمية تجاه الاسلام والمسلمين ظل مقتصرا على الداخل الفرنسي؛ ففي ماضيها الاستعماري لإفريقيا المسلمة قاد المحتل الفرنسي بعد أن بسط سيطرته العسكرية، قصفا ثقافيا في مستهدفا المكون الثقافي الذي ترسخ بفعل قوة دفع الحضارة العربية والإسلامية التي سبقته إلى تلك الأرض البكر. والحاضر يحكي كذلك عن تعاطي شوفيني مغالي ومتعصب مع ديار الاسلام هناك، فقد شهد العام 2013 تدخلا فرنسيا في دولة مالي وتدفقت جحافل جيوش الفرنسية تحت غطاء مكافحة الارهاب والتطرف.
ورغم أن الطبقة السياسية والنخبوية في فرنسا تظل على الدوام تعزف نشيد الحرية والديمقراطية، إلا أن التعاون الفرنسي مع الأنظمة الدكتاتورية الإفريقية قام على تبادل المنافع بطريقة مختلة لا تصب في صالح الشعوب الإفريقية، ومن لا يذكر ذلك الفساد الفاضح عندما كان الامبراطور جين بيدل بوكاسا الذي حكم إفريقيا الوسطي ما بين منتصف ستينات القرن الماضي وحتى نهاية السبعينيات، وكان يرسل أغلى أنواع المجوهرات للرئيس الفرنسي حينذاك فاليري جيسكار ديستان مقابل دعم فرنسي لحكم بوكاسا الديكتاتوري.

ولعل فرنسا التي تشاركها دولا أخرى الثقافة الغربية لا تتأبط خطابها المتطرف ضد الاسلام والمسلمين؛ فبينما استمر المسؤولون الفرنسيون في حادثة أمس الأول في استخدام تعابير متحاملة مثل “الفاشية الإسلامية”و”الإرهاب الإسلامي”، قال رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو تعليقا على الحادثة إن من ينفذ مثل تلك الهجمات لا يمثل الإسلام ولا المسلمين، وإنه يجب الاعتراف بذلك. لابد لفرنسا الرسمية أن تقبل على حوار داخلي مع مسلميها قائم على خطاب متصالح ومعتدل.

من جهة أخرى لابد أن يعلم الشباب المسلم في أوروبا أنه لن يتم قبول الإسلام هناك والتصالح معه والصورة الذهنية عن المسلمين مشوهة بسبب التصرفات غير المسؤولة، وليعلموا أنه في غابر الزمان نشر التجار المسلمون الإسلام في أصقاع واسعة من الكرة الأرض بحسن خلقهم وطيب معشرهم. لقد آن الأوان للتعاون الجاد بين دعاة التسامح والاعتدال والوسطية في كل الأديان والحضارات والدول لمحاربة التطرف والغلو في أي طرف من الأطراف والعمل الجاد لتجفيف منابعه وعوامل تغذيته.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

شاهد أيضاً

سلامًا فيصل القاسم.. وتهنئة باليوبيل الفضي.. وكل عام وأنتم بألف خير

أ. د. عبد المجيد الحميدي الويس سياسي وأكاديمي سوري        أقدم بطاقة تهنئة …